ar

الناجيات تنتحرن في ظل الدولة الاسلامية داعش رفضاً للاغتصاب

عندما خرجت من السجن المدمَّر، رفعت رأسها وثبتت عينيها المتعَبَتَين على أشعة الشمس الحارقة الغاضبة، كانت تشعر بطاقة مزعجة، لكنها كانت سجينة منذ سنة، في مكان لا يليق حتى بحيوان. كانت تتشوق لرؤية أشعة الشمس المشرقة. عادت دنيا إلى سنجار لتكذّب المسلح الذي كان يخبرها بأنها لن ترى موطنها مرة أخرى.

تبدأ قصة دنيا الحزينة في الثالث من آب 2014، عندما ألقى مسلحو داعش، في قرية بالقرب من سنجار عدداً من بنات ونساء القرية ودنيا مع ابنين وابنة لها في سيارة تويوتا، انطلقت بهم إلى (سيبا شيخ خدر) ثم إلى بادوش. توقف السائق أول الأمر في بستان، فهو لم يكن يريد الذهاب أبعد من ذلك “إلا أن الطائرات الحربية ظهرت في السماء، فدفعه الخوف للانطلاق بسرعة وأخذنا إلى الموصل، وبعدها بأيام نقلونا إلى تلعفر ثم إلى بادوش مرة أخرى، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف في تلعفر”.

في تلعفر، التقت دنيا زوجها بين 400 رجل إيزيدي آخر لم يكن سيف الحقد قد طال أعناقهم بعد: “جمعوا الرجال إلينا، لكن لم يمر وقت طويل حتى فصلوا بيننا من جديد. كان بعض النسوة يقلن إنهن سمعن المسلحين يقولون إنهم أجبروا الرجال على اعتناق الإسلام ويجبرونهم على أداء الصلاة في جماعة وإنهم يعلمونهم الإسلام، بينما كان آخرون يقولون إنهم قُتلوا، لم يكن أحد يعرف الحقيقة يومها”.

بعد نحو سنة من البقاء في العراق، جاءت مجموعة حافلات إلى حيث القاعة الكبيرة، وكانت تلك إشارة على إقصاء طويل الأمد، ولم يكن الأمر بحاجة إلى طول تفكير، حيث كان كثير من النساء والفتيات يتوقعن أن تكون الرَّقة محطتهن التالية، “تم إرسال اللاتي وقع عليهن الاختيار إلى سوريا، وهناك تم نقلهن إلى الرقة، أنزلونا إلى قبو بواسطة سلم من 22 درجة”.

عندما تتحدث دنيا عن السجن يخيل للمرء أنه “سجن مظلم كبير ذو مظهر مخيف وتجهيزات قليلة وجدران عتيقة”.

صاحبت دنيا في السجن أكثر من 50 إزيدية، وكان ثم عدد من الأطفال يتذمرون ويتوسلون يومياً ويشتكون ولا أحد يسمع لهم. كان بكاؤهم لا يُسمع وتوسلهم لا يلين قلباً. كان المسلحون يتولون حراسة السجن، اثنين اثنين، والسجينات لا يسمعن غير أصوات انفجار القذائف التي تمطر بها الطائراتُ الحربية الرقة، وأصبح السجن ذات مرة هدفاً للطائرات: “كان الوقت ليلاً، صدر صوت قوي جداً، تساقط كل زجاج النوافذ. لم نعرف ما حدث إلا بعد أن انجلى الغبار والدخان، كان عدد من النساء قد قتلن وانهار الحائط، حاولنا الفرار لكن ألقي القبض علينا في الخارج وتم نقلنا إلى سجن آخر”.

كانت دنيا، في ذلك السجن، تسمع قصص سائر النساء وتقارنها بآلامها ومعاناتها هي، بعض تلك القصص والأحداث التي مررن بها كان مؤلماً ولا تستطيع نسيانه، وسنروي لكم بعضاً منها، كما قصته دنيا.

بدلات الرقص

كانت ليلى واحدة من الإيزيديات تعرفت عليها دنيا في السجن، عندما تم فصل ليلى عن عائلتها في الموصل، تم تسليمها إلى مسلح داعشي لم يكن زوجاً لها “قال إنه لن يبيعني وسيتزوجني، وصحبني معه إلى مكان فيه عدد آخر من المسلحين، طلب مضاجعتي لكني رفضت. هاجمني وفي يده سكين وقال: إذا لم تذعني لي، سأقتلك بهذا السكين الذي ذبحت به بالأمس مسلحاً عراقياً، ثم هاجمني كذئب مسعور”.

خرج المسلح من الغرفة ولمّا تستعدْ ليلى بعد قواها لتغطي جسدها المنهار، ليظهر مسلح آخر وفي يده قدح من عصير البرتقال، كان يبدو وكأنه لا يريد أن يبذل الكثير من الجهد لإقناعها أو جدالها، فيقول لها اشربي هذا العصير لتستعيدي شيئاً من قواك. لم تعد المقاومة مجدية “ففعل هو أيضاً فعلته، ثم جاء بعده واحد آخر، وعندما أفقت كان الطبيب يهزني”.

سألت ليلى الطبيب عن سبب حالتها تلك، فاقترب الطبيب خائفاً وهمس في أذنها “يأتون كل يوم ببنات يعانين ما تعانين منه، لقد أخبرتهم أنك بحاجة إلى راحة لمدة خمسة أيام، في المستشفى، لا أستطيع أن أفعل أكثر من هذا لأجلك”.

كانت تلك الأيام بمثابة هدية لليلى، لكن جاء مسلح في الأخير وقال لها لملمي نفسك لكي تذهبي معي. الطريق الذي سلكه ذلك المسلح لم يكن يؤدي من بعيد ولا قريب إلى المقر العسكري لداعش “أخذوني إلى منزل، كان فيه عدد آخر من النساء، كانت البنات من اليافعات اللواتي لولا داعش لكنّ الآن يلعبن مع زميلاتهن في الزقاق”.

دخل عليهن أحد المسلحين حاملاً قطعاً من الملابس “كانت بدلات رقص، ناولها لواحدة من البنات وقال ارتديها، وقبل أن تذهب الفتاة إلى الغرفة الأخرى التفتت إلينا وقالت: يريدون اغتصابي بعد ارتداء هذه الملابس، لكن هيهات.

دخلت الغرفة، لكنا لم تخرج منها أبداً، خنقت نفسها هناك”.

أربعة على فتاة في العاشرة

تقول أميرة: “تصوروا فتاة في العاشرة من عمرها، يتكالب عليها أربعة مسلحين أمام أنظارنا، بدون أن يحسبوا لمشاعرنا أي حساب، كان مشهداً لا يوجد إلا في أفلام الرعب”.

مازالت صرخة ذلك المسلح الغاضبة ترن في أذنيها، عندما صاح بهن: “لا تفكرنّ أية واحدة منكن في الانتحار عندما يطلب منها أخوتنا الجماع، لأن عملكن الوحيد هو التسرية عنهم. والله سأقتل أهل كل واحدة تنتحر بهذا السيف الذي في يدي”.

في كانون الأول 2015، كانت أميرة قد وصلت إلى قرية قريبة من الرقة قبل أيام قليلة، رأت المسلحين الذين كان ينادي أحدهما الآخر بالأخ العزيز والأخ الغالي، قد دخلوا في سجال بينهم “كان ساتر لداعش في جبهة القتال قد تعرض للقصف وكانوا يلومون بشدة أحد المسلحين ويقولون له: أنت استخدمت هاتفك النقال. بلغ الخلاف بينهم درجة أن كادوا يلجأون إلى السلاح، لكن غضب أميرهم أعاد الهدوء”.

محكمة زواج السبايا

“اسمي ناجية، كنت أنتظر بشغف انتهاء العطلة الصيفية لأعود إلى المدرسة، فبعد تعب وكد على طول العام الدراسي، استطعت اجتياز الامتحانات بنجاح، كما كنت أخطط للذهاب مع والدي إلى خارج سنجار لشراء ملابس جديدة”.

تضيف ناجية: “كنت من الذين بقوا في الموصل. المسلح الذي جاء واختارني من بين الموجودات في القاعة، كان يغطي وجهه، ولم أعرف إلا بعد أن ناداه واحد من المسلحين، أن اسمه (أبو فاطمة). عندما ركبنا سيارته، كشف عن لثامه وقال لي لا أريد أن يحدث لك ما حدث لبقية البنات والنساء، سآخذك وأعقد عليك وتصبحين زوجتي”.

ومع أن أبو فاطمة كان يريد إخفاء وجهه المتجهم، وإن لفترة قصيرة، عن ناجية ويظهر لها وجه شخص آخر، لكن ناجية كانت تعاني من وطأة الألم “أخذني إلى مبنى كبير، كانت على جدرانه شعارات إسلامية، وكان مكتوباً في الأعلى “محكمة تزويج السبايا”، عندها عرفت أني سأصبح زوجته”.

كان شخص ذو كرش كبيرة أسمر اللون، جالساً عابساً إلى الطاولة. كل البنات اللواتي رأتهن ناجية، كنّ عبارة عن عيون وجلة تظهر من تحت الملابس السوداء، وهن يجهلن المصير الذي تحدده لهن الورقة التي يكتب فيها القاضي العابس. مثلت مع أبو فاطمة أمام القاضي.

القاضي: تفضل أخي، تريد أن تعقد على هذه الامرأة؟

أبو فاطمة: بلى، هذا ما أريد.

القاضي: وهل أسلمت؟

أبو فاطمة: لست متأكداً بعد!

القاضي: أليست عندك جاريات أخريات؟

أبو فاطمة: أنا متزوج، وهذه هي الجارية الأولى التي آخذها إلى بيتي.

سجل القاضي كل تلك البيانات في ملف بين يديه، ثم التفت إلى ناجية وسألها “أنت مسلمة؟”، فأجابت أن “نعم” خوفاً من تعريض حياتها للخطر.

ذهبت ناجية إلى البيت وبقيت فيه نحو سنتين، وأوفى أبو فاطمة بوعده ولم يبعها. لكنها رغم ذلك كانت جارية يطحنها حجرا رحا أبو فاطمة وزوجته. بذلت كل ما في وسعها ولم تستطع يوماً رسم البسمة على وجه زوجة أبو فاطمة “التي كانت تبدو متفقة مع داعش وكل قوانينه، لكنها كانت دائماً تقول وهي غاضبة: كل شيء هنا جميل إلا اتخاذ الجواري، كيف يجوز أن يكون كل هذه الجواري في بيتك بينما لديك زوجتك”.

محاولة فاشلة

كانت الأحداث سريعة وقاسية، كانت الحال تشبه حال طفل زج بفرع شجرة في خلية دبابير والتمت عليه الدبابير مهاجمة، كانت نادية وعشرات النساء الأخريات في مبنى مدرسة بتلعفر يخلقن كابوساً بصيحاتهن وبكائهن وآهاتهن. كانت الفتاة التي إلى جانبها تمسك بطرف قميصها بقوة، وكأنها على شفا بركة ماء عميقة ساكنة ولا تريد أن تزل قدمها فتسقط فيها، لكن ذلك كان بلا جدوى، لأن نادية نفسها كانت ترتجف خوفاً مما قد تتعرض له، كورقة في مهب الريح.

تنفي نادية أن تكون قوتهن هي التي جعلتهن يتحملن أخذ الأطفال من أحضانهن “عندما كانوا يأخذون الأطفال، كانت تتبعه بدقائق موجة إهانة وإساءة واغتصاب، ثم تجدين إحداهن بعد ثلاث دقائق وهي تضرب بأخمص البندقيات، لم يكن هناك مجال للتفكير في حدث تواجهينه إلا وقد حل واحد جديد”.

كان مقرراً نقل قسم من النساء إلى سوريا، لكن طائرة حربية حلقت على ارتفاع منخفض فوق تلعفر “واختبأ المسلحون خوفاً من الطائرة ومن قيامها بضربهم، صعدنا مع قسم من النساء إلى سطح مبنى المدرسة ورفعنا أيدينا إلى السماء نلوح بها ونحن نبكي ونصيح طالبين العون والنجدة، كنا نصيح ونلوح بأغطية رأسنا، لكن الطائرة مضت ولم تنتبه إلينا”.

أغضب هذا المنظر المسلحين كثيراً، وبعد أن رحلت الطائرة أفرغوا جام غضبهم على النساء “ضربني أحدهم بأخمص بندقيته على ظهري وسقطت، ورأيت عشرات المسلحين يهاجمون النساء بأخمص بندقياتهم والسكاكين والعصي الحديدية والخشبية، تعرضنا لتعذيب وحشي، ثم دعينا للتجمع في ساحة المدرسة، وقالوا لنا: إذا كررتم ما فعلتم عند ظهور طائرة في المرة القادمة، سنطلق عليكن الرصاص كما فعلنا بآبائكن وأخوتكن، ثم سنقطع رؤوسكن بالسكاكين”.

بقيت نادية فترة طويلة في البعاج، ثم وضع رجل يده عليها واقتادها إلى منزله: “عندما وصلت، قال لي أولاده إن أباهم كانت عنده جارية أخرى حتى الأمس وباعها إلى مسلح سوري، وعندما رويتُ لهم ما فعله مسلحو داعش في قريتنا وكيف قتلوا أهلنا، قالوا عليك أن تفرحي لأنك وصلت إلى هنا حية، لأن أخوتنا لديهم كامل الصلاحية لقتلكم”.

أمضت نادية عدداً من أيامها في المقر العسكري الذي كانت تفوح منه روائح الدم والقتل وإزهاق الأرواح. كانت ترى كل يوم وجوه أولئك المسلحين التي غادرتها الرحمة كما تهجر الطيور الشاذة أعشاشها. كانت ذات يوم صحبة مالكها، أبو جهاد، إلى المقر، وكان في طريقهما جدول ماء كان عليهما اجتيازه، فروى لها أبو جهاد قصة جندي عراقي أسير أغرقوه هناك: “فكرنا في طريقة نقتله بها، قال أحدهم نطلق عليه الرصاص، وقال آخر نذبحه، إلى أن طُرحت فكرة جديدة واتفقنا على أن نجره على وجهه ونغمر وجهه في الماء ولا ندعه يرفع رأسه حتى يغرق، فكان أن أغرقناه هنا. كان أحد الأخوة القناصين قد جرحه ثم قمنا بأسره”.

ثم يلتفت إلى نادية ضاحكاً ويقول: “إذا هربت أو فكرت في شيء من ذلك، سأطمس رأسك في الماء حتى تغرقي”، كانت نادية قد نفذت محاولة هروب فاشلة ذات ليلة، في واحدة من الليالي الباردة تسللت بين الفقراء من سكان الموصل الذين كانوا يجمعون روث الماشية ويضعونه على قطعة حديد داخل منازلهم ويضرمون النار فيه للتدفئة، لكن أحد المسلحين أمسك بها وألقي بها في شباك غضب أبو جهاد.

نادية، كيف تصفين السنتين اللتين قضيتهما في ظل داعش؟ سكتت وهي تثبت عينيها على الحبل الذي كانت الريح تتلاعب بالملابس المبللة المنشورة عليه، لكنها لم تكن تستطيع أن تطير بها “كنت كمن وضع في قفص مع أسد جائع، وباب القفص مغلق بسلاسل حديدية”.

وكالات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*