ar

رحيل الأمير تحسين بك .. وتحديات الزمن : فواز فرحان

f

 

رحل أميرنا العزيز تحسين بك الى جنات الخلد في هذا الوقت العصيب الذي نمر به من تاريخنا ووجودنا كأقلية وشعب مكروه ومضطهد في محيطه , لقد كانت تجربته التي امتدت من عام 1944 تجربة نادرة لأمير ايزيدي واجهته الكثير من التحديات والمنعطفات التي كانت تهدد كيان شعبه وكيان الناس الذين وضعوا ثقتهم به في ذلك الظرف العصيب , فبدايته كانت موسومة بشعب خرج للتوّ من فرمان بكر صدقي على سنجار وسميل والذي شمل تهجير وقتل واغتصاب الايزيديين والمسيحيين على حد سواء , هذه البداية شكلت له تحدياً كبيراً يفوق طاقات ذلك الشاب النبيل الذي وقع على عاتقه مسؤولية أقل ما يقال عنها أنها كانت أثقل بكثير من أن يحملها شاب في مقتبل العمر , واستمرت وسط تحديات وتقلبات الزمن والجغرافيا اللذان كانا يهددان وجودنا كشعب بدءاً من العهد الملكي ومروراً بالجمهوريات القومية والإسلامية التي حكمت بلادنا طوال فترة توليه منصب الإمارة ..

أن تكون متمكناً وتتمتع بالحكمة والحنكة وسط هذه التقلبات هذا الأمر بلا أدنى شك يحتاج الى شخص يثق بالمهمة التي وقعت على عاتقه وحملها بأمانة , رغم أن الزمن كان يفرض علينا بين الحين والآخر مواجهة بعض التحيات التي فرضتها علينا الحالة السياسية في البلد وتركت أعظم الأثر علينا نحن الايزيديون بالتحديد , فلا العهد الملكي تمكن من انصافنا في دستوره ولا الجمهوريات التي تلت هذا العهد ولا دساتيرها وأكبر التحديات تمثلت في التلاعب بعقول الشعب الايزيدي ومحاولة جرهم تارة الى أحزاب قومية وأخرى الى أحزاب علمانية وتتطلب هذا الأمر جهود كبيرة من تلك الأحزاب لتشويه وتحقير الايزيدية في نظر أبناءها من أجل جرهم الى مستنقع السياسة ومستنقع حروب تلك الأحزاب التي لم يكن لنا لا ناقة ولا جمل بها ..

هذه التحديات كانت ماثلة أمام أنظار الأمير الراحل وكانت في الكثير من الأحيان تشكل تحدياً من النوع الذي يؤدي الى الصِدام في نهاية المطاف مع قوى سياسية من جهة ومع الحكومات من جهة أخرى , وعاش في بعض فترات حياته يدفع ثمن ذلك الصدام مع تلك القوى ..

لم يكن بإمكانه تقديم كل شيء على طبق من ذهب لنا لأن الواقع كان يفرض قوته وسطوته على مجمل حياة الايزيديين كشعب , ففي العهد الملكي عانى الايزيديون من التهميش والقتل وفي العهد القاسمي كانوا ضحية لحرب بين الحركة القومية الكردستانية ونظام قاسم قبل ان يحل الصلح بينهما , وفي عهد عبد السلام عارف جرت أكبر عملية تغيير ديموغرافي بحق مناطق سكناهم وقامت حكومة عبد السلام في حينها بتوطين ما يقارب الثمانية عشر ألف نسمة قدموا من البادية والأنبار في محيط سنجار وباقي مناطق سهل نينوى بعد أن رفضت حكومة قاسم السابقة توطينهم وتجنيسهم  لأنهم بالفعل من تبعية سعودية , وفي عهد عبد الرحمن عارف امتدت عمليات التعريب الى مشارف الشيخان ومناطق الايزيديون الأصلية وجردوا من أملاكهم وأراضيهم بقوة قانون الدولة القومية العروبية , وفي عهد البكر استمرت عمليات نقل وتوطين العشائر العربية في محيط بعشيقة وبحزاني لتكون مكملة للمشروع العارفي والذي لم ينتبه له الشعب الايزيدي المثقل بصعاب الحياة وتداعيات الاضطهاد التي طالت في العهود السابقة , وجائت مرحلة صدام حسين التي أكملت المشروع العارفي في توطين وتعريب الكثير من مناطق سهل نينوى بحجة بناء سد مائي وصودرت أغلب الأراضي الايزيدية في مجمع خانك وعشرات القرى الايزيدية في محاولة كانت واضحة من نظام صدام لإكمال المشروع العارفي في تعريب وأسلمة سهل نينوى ..

كل هذه التحديات واجهها تحسين بك بكل ما كان يملك من إمكانيات لكن دعم القوى الكبرى للحكومات المتعاقبة في العراق كان هو العامل الذي يقف أمام كل جهد يبذله الأمير الراحل ومن معه في المهمة , فنحن أقلية دينية مضطهدة ولا تمتلك القوة التي تجعلها تناصب العداء لمحيطها أو حكومتها أو الدول الكبرى التي وقفت مع صدام حسين في مشروعه التعريبي , لهذا لم يكن أمامه في الكثير من الحالات سوى مواجهة الموت ومحاولات الاغتيال التي طالته أكثر من مرة من أجل حمايته لمصالح أبناء شعبه ..

هذه التحديات التي واجهت أميرنا الراحل لا بد وأن تكون في محور استفادتنا من دروس التاريخ السابق لنا والذي يشكل بكل تأكيد تاريخ أسود في حياة الشعب الايزيدي واجهه الأمير بعزيمة وثبات وقدم ما يستطيع تقديمه لشعبه , وهي فرصة لنا لجعل الحاضر أكثر ما يكون للتعبير عن وجودنا كشعب دون الالتفات لتلك الضغوط المستمرة علينا من أجل جعلنا شعب مشتت وتائه في غياهب الزمن .

فالمسؤولية الملقات على عاتقنا يجب أن نتحملها بكل ثقلها من أجل أن نعبر هذه المرحلة الحساسة والتي تشهد اعطاف خطير في الحياة الايزيدية ونحن نفقد شخصيات عظيمة كـ البير والفقير والمير , هذه التحديات يجب أن تجعل منا شعب أقوى يمتلك عزيمة قوية في البقاء مهما كانت التحديات والشيء الذي لا يمكن أن ننساه لأميرنا الراحل هو أنه الأمير الوحيد الذي تمكن من إعادة الكثير من المخطوفين والمخطوفات من أطفال ونساء وشيوخ الى أحظان الايزيدية وكل قارئ دقيق للتاريخ الايزيدي سيحمل الكثير من الاحترام والعرفان والتقدير لتحسين بك في خطوته هذه ..

ومهما حاولنا أن نتجاهل واقعنا لكننا لا نستطيع أن نتجاهل ما فعله الأمير الراحل في الفرمان الأخير وربما ستبقى هذه الخطوة بصمة حقيقية له في تاريخنا , وعندما نعود الى الوراء ونتذكر حرب العراق و ايران والتي تجاوز فيها صدام حسين القوانين والأعراف الدولية بإشراكه الايزيديين والمسيحيين في حرب دينية بين السنة والشيعة بحجة الدفاع عن الوطن سنرى أن الأمير تحسين أشار الى هذه الفقرة في القانون الدولي والتي تمنع الحكومات من اشراك أقليات لا تتجاوز العشرة بالمائة من السكان في حروب خارجية وكان نصيبه محاولة اغتيال خسيسة باءت بالفشل ..

جيلنا الحالي أمام مواجهة حقيقية مع تحديات الزمن التي تفرض علينا دراسة الوقع دراسة موضوعية دقيقة تجعلنا نبتعد كل البعد عن النقاط الساخنة في الحرب السياسية الدائرة في الشرق الأوسط والتي كنا الضحية رقم واحد بها , وهذه النقاط الساخنة تتطلب من الايزيدي أن يكون فوق الأوطان والايدلوجيات وأن ينأى بنفسه عن الانحدار لمستوى الانخراط في أي مشروع سياسي يساهم في تدمير وجودنا وحياتنا كشعب له أقدم حضارة على كوكبنا ..

الرحمة والخلود لأميرنا الغالي تحسين بك ونتمنى أن يكون الجيل الجديد قادراً على التعاطي مع المعطيات السياسية والجغرافية التي ستحسم مصيرنا في القريب العاجل والتي ستجعلنا ندرك مصير اجيالنا في المنطقة وكل ما اتمناه ان يكون الأمير المقبل فوق الأوطان والآيدلوجيات وأن لا ينحدر الى أي مستوى لا يليق بنا كشعب له مكانته تحت الشمس وأن يعمل من أجل ابعاد أبناء جلدته على الإستقطابات السياسية والقومية والتي تسببت لنا بكل الفرمانات عبر التاريخ ..

تعازينا الحارة لشعبنا الايزيدي ولكل العائلة الأميرية برحيل الأمير تحسين بك ونتمنى للأمير الجديد كل الموفقية والنجاح والعمل المثمر من أجل استقرار واستتباب الأمن في مناطقنا وإعادة المخطوفين والمخطوفات من أبناءنا وبناتنا وخواتنا في سنجار الجريحة ..

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*