ar

اتفاقية حرية التجارة مع الأردن وركل سلم تصنيع العراق :صائب خليل

مقدمة: في المقالة الأولى حول اتفاقية حرية التجارة مع الاردن(1) ناقشنا منطق نظرية رئيس الحكومة عادل عبد المهدي والتي تقول بأن فتح الأسواق يساعد على تنمية البلدان المتأخرة مثل العراق، وبينا خللها.

وفي هذه المقالة، سنناقش قول عبد المهدي: “اما الدول التي تريد فعلا فقط بغلق أبوابها وتعتقد ان وصناعتها زراعتها ستتطور لن تتطور.. وهذه تجارب العالم كله”، كما صرح في مؤتمره الصحفي الأسبوعي الأخير(2)

قبل ان نبدأ مناقشة هذا القول، لنلاحظ أولاً أن الاتفاقية بين عبد المهدي والأردن، تمثل “حرية تجارة” مفتوحة من الناحية العملية على كل العالم وليس الأردن فقط، كما بين اتحاد الصناعيين العراقيين، حيث ستغزو الصناعة الصينية والإسرائيلية وغيرها العراق من خلال “ثقب” الأردن، عن طريق تبديل العلامة التجارية فقط.

 

فهل هذا هو الطريق للتنمية الصناعية الذي انتهجته “كل دول العالم ” كما قال عبد المهدي؟

لحسن الحظ، أن تاريخ التطور الاقتصادي للعالم ليس سراً، ولدينا عدد كبير من الكتب التي تروي الطرق التي اتبعتها الدول المتقدمة لبناء اقتصادها، وأحد اشهرها يسمى: “ركل السلم”(3)

 

الكتاب يناقش الخيار بين الحماية والانفتاح في تاريخ النمو الاقتصادي، وبشكل خاص في المراحل الأولى للصناعات الوليدة مثل الصناعات العراقية. ولنلاحظ هنا أن أمثلة الكتاب اخذت من تاريخ النمو الاقتصادي الرأسمالي، ولا علاقة لها بالسعي للابتعاد عن الاشتراكية والبعث وغيرها من الحجج المستخدمة للدفاع عن الاتفاقية، ويؤكد ذلك موقف اتحاد الصناعيين العراقيين من الاتفاقية.

 

1- تاريخ الرأسمالية: لا صناعة وليدة بدون تعرفة حماية

 

نقتطف من الكتاب أعلاه أن “فريدريك ليست” اشهر الاقتصاديين الالمان في القرن التاسع عشر، والأب الروحي المدافع عن الصناعة الوليدة، كتب في “النظام الوطني للاقتصاد السياسي” ان “الدول النامية لا يمكنها ان تطور صناعات جديدة في ظل وجود منافسة قوية من الدول المتقدمة، بدون تدخل الدولة، وخاصة بقيامها بتوفير التعرفة الحمائية”!

 

وهذا الاستنتاج يشبه استنتاجنا في المقالة السابقة، وهو بالضد من نظرية عبد المهدي التي ساقها في معرض دفاعه عن اتفاقيته مع الأردن، حيث يقول بأن الطريق الى تنمية الصناعة والزراعة في الدول النامية مثل العراق، هو بفتح أسواقها وإلغاء الحماية، او تركها “للأخير”! وهو فوق ذلك يدعي ان دول العالم المتقدمة جميعاً، قد فعلت ذلك.

دعونا ننظر إذن الى التاريخ، ولنبدأ بتاريخ اشد دعاة حرية السوق، بريطانيا القرن التاسع عشر ثم اميركا، لنرى كيف قاما بتنمية اقتصادهما. جاء في الكتاب:

 

“كانت بريطانيا (في القرن الخامس عشر) تفرض الحماية بالتعرفة حتى على تصدير الصوف الخام (أو المنع في عهد الملكة اليزابيث الأولى) حماية لصناعتها، ولم تفتح التصدير إلا بعد التأكد من ان صناعتها مكتفية منه وعاجزة عن استهلاكه.” ص 41

“استمرت بريطانيا بفرض حماية تعرفة مرتفعة للغاية على صناعتها حتى 1820 ، أي بعد جيلين من بدء ثورتها الصناعية رغم أنها كانت متقدمة بخطوات كبيرة على الدول المنافسة.”

“في عام 1700 فرض حظر على المنتجات القطنية الهندية، فأضعفتها كثيرا، وجرى تدمير صناعة القطن في الهند بالكامل في فترة لاحقة عندما أصبحت بريطانيا منتجا اكثر كفاءة للقطن من الهند”.

“كانت الولايات المتحدة اكثر الدول حماساً لاستخدام الحماية حتى ان المؤرخ الاقتصادي بول بايروخ اطلق عليها لقب حصن الحمائية الحديثة” ص 48

“كانت السياسة الاقتصادية الفرنسية  … ذات تدخل شديد من الدولة، ولطالما اشتكت بريطانيا من ذلك.”

“أن كل الدول المتقدمة تقريبا، قد تبنت شكلا من أشكال استراتيجية تنشيط الصناعات الوليدة عندما كانت في طور اللحاق بغيرها، وكانت التعرفة الحمائية عنصرا أساسيا من هذه الاستراتيجية، وأن المملكة المتحدة والولايات المتحدة اللتان تعتبران معقل التجارة الحرة، كانتا من استخدم الحماية بالتعرفات الجمركية بقوة أكثر من غيرهما.” ص 90

 

يستثني الكتاب دولتين فقط في العالم (سويسرا وهولندا) والى درجة قليلة بلجيكا (التي كانت لها تعرفات محدودة نسبيا، واستفادت من كونها جزء من الإمبراطورية الاسبانية لفترة امتدت من منتصف القرن السادس عشر- أي بدايات الرأسمالية، ولمدة 160 عاماً)، حيث تطور اقتصاد هذه الدول دون تعرفات حمائية مهمة.

كيف تمكنت هاتان الدولتان من تطوير اقتصادهما دون حمائية مؤثرة؟ كانت لدى كل منها أسبابا خاصة جداً تضمن استفادتها من الانفتاح اكثر بكثير من الحمائية. سويسرا استفادت من الحروب النابوليونية في فترة تنمية حرجة، واستخدمت هولندا بدلاً من الحماية الجمركية، سياسة صارمة لحماية تفوقها الملاحي العالمي في القرنين السادس عشر والسابع عشر (مرت في تلك المرحلة فترة كان ثلثي السفن التجارية الكبيرة في العالم هولندية!) وهو ما يضمن تفوقها التجاري، الذي يستفيد من الانفتاح بشكل أكبر من التعرفة!

 

والحقيقة ان وجود هاتان الدولتان، لا تنفيان ضرورة الحمائية للنمو، بل هما اشبه بالاستثناء الذي يؤكد القاعدة!

 

2- هل ينطبق مبدأ حماية الصناعات الوليدة على الاقتصاد القديم فقط؟

 

كلا. فـ “لأكثر من قرن من الزمان في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، كان متوسط تعرفات الحماية الكمركية الامريكية على الواردات الصناعية من أعلى المتوسطات في العالم، رغم انها تمتعت بحماية طبيعة تتمثل بارتفاع تكاليف النقل اليها. ويمكن القول ان الصناعات الامريكية كانت اكثر الصناعات تمتعا بالحماية في العالم” ص93

“لم تبدأ الولايات المتحدة بتزعم الحملة العالمية من اجل تحرير التجارة إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.” (في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة تمتلك اكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي ونصف رؤوس الأموال الاستثمارية، حيث كانت الدول الأوروبية تلعق جراحها من التدمير الشامل لتلك الحرب – صائب خليل) 56

“دول شرق اسيا اتبعت دعماً اكثر واقعية وأفضل تصميما ليخدم سياسة التصدير، (فإضافة الى فرض التعرفات) فقد خفضت التعرفات الخاصة بمكائن الصناعة الإنتاجية والمواد الأولية المستخدمة لتصدير المصنوعات”. ص 77

عدا هذا فأن جميع الدول في العالم ماتزال تضع تعرفات مختلفة وتستغل اية فرصة لزيادة تعرفاتها عندما تشعر انها في غير صالحها، حتى لو كان ذلك مخالفاً لاتفاقياتها التجارية ولبنود قوانين منظمة التجارة العالمية، كما فعلت أميركا مؤخراً مع منتجات صينية.(4)

 

3- بعد الصعود.. تتغير القواعد والأدوار

 

“غيرت الدول المتقدمة مواقفها السياسية تبعا لموقعها في سلم التطور… فعندما كانت تلك الدول في طور النمو، قامت بحماية صناعاتها الوليدة …. ولكن وبمجرد التحاقها بالدول المتطورة، بدأت بالدعوة الى التجارة الحرة…”! ص 104

 

“ففي القرن التاسع عشر، كانت المانيا والولايات المتحدة تنظران بانزعاج إلى دعوة بريطانيا إلى فضائل التجارة الحرة، واعتبرتاها “تظاهر كاذب بالفضيلة”، لانهما يعرفان ان بريطانيا استخدمت في القرن السابق، إجراءات حماية لصناعاتها الوليدة، اكثر قوة من أية دولة أخرى! ويسود اليوم الشعور نفسه، عندما ينادي مفاوضو التجارة الأمريكيون بفضائل التجارة الحرة للدول النامية”

 

ملخص الموضوع إذن، أولاً، أن الحماية للبضائع بالتعرفات، ليس كما وصفها عبد المهدي، إجراءات خانقة للصناعة بل ضرورية لولادتها وحياتها، خاصة في البلدان النامية، على الأقل بشكل معقول لكي لا تحمي مساوئ الصناعة أيضا.

والنقطة الأخرى هي ان الحماية بالتعرفات اعتبرت دائما في صالح البلد الذي يفرضها، لذلك نرى حربا تجارية شديدة، تصر فيها البلدان على فرض التعرفة على استيراداتها، وتحتج البلدان الأخرى عليها.

 

4- الضغوط على الدول النامية والمهزومة والمستعمرة

 

يكتب تشانغ: “تتعرض الدول النامية لضغوط كبيرة من العالم المتقدم لإجبارها على تبني مجموعة مما يسمى “السياسات الرشيدة” لدفع التنمية الاقتصادية، وهي التي تحظى بموافقة واشنطن، واهم شروطها تحرير حركة الاستثمار والتجارة الدولية والخصخصة وإزالة القيود أمام الاقتصاد الحر.”

وهنا تساؤل مهم: إن كان “الاقتصاد الحر” مفيدا للبلدان النامية فلماذا لا تتبناه بنفسها بدون ضغوط؟ وهل ان “العالم المتقدم” حريص على تطوير شركات وصناعات في الدول النامية لكي تنافس شركاته؟

هذا بالتأكيد مضاد لمبدأ الرأسمالية تماما، حيث ينتظر أن تعمل كل شركة أو دولة على منع الدول الأخرى من اللحاق بها، ويفترض أنها تفرض عليها قواعد تؤخر نموها، لا ان تجبرها على ما يطور صناعتها لتنافسها!

 

التاريخ يثبت هذا المنطق، ويؤكد ان الدول قد فرضت الغاء الحمايات على أعدائها وخصومها عندما سيطرت عليهم، وليس عندما كانت تريد تنشيط اقتصادهم:

“عندما فتحت اليابان على يدي الكومودور بيري قائد الاسطول الأمريكي (القرن التاسع عشر)، أجبرت على توقيع اتفاقات تحدد التعرفة الكمركية بما لا يزيد عن 5%” ص 93

“ومن الطريف أن اليابان فرضت الأمر نفسه على كوريا بالقوة بعد ذلك حينما فتحتها عام 1876، فأجبرت كوريا على التوقيع على اتفاقية جردت كوريا من حريتها في فرض التعرفة!”  ص89

“وحين تمكنت اليابان من استعادة حريتها في وضع التعرفات في عام 1911 وضعت استراتيجية صناعية كانت الحمايات تمثل فيها عنصراً اساسياً، وصار أداء اليابان أفضل بكثير.”  ص97

 

ويمكننا ان نجد في كتاب “نعومي كلاين” والمسمى “عقيدة الصدمة” أمثلة كثيرة على تلك الضغوط التي تمارسها اميركا اليوم، والانقلابات العسكرية التي تنظمها من اجل اجبار الدول النامية على اتباع سياسة الاقتصاد الحر، بل تكاد تكون كل الانقلابات التي قادتها السي آي أي في مختلف بلدان العالم لإبدال حكوماتها عنوة، تستهدف هذا الضغط.

 

ولا يقتصر استعمال هذا السلاح الاقتصادي على الأعداء والخصوم، بل ان بريطانيا سعت إلى منع حتى مستعمراتها من التصنيع:

استحدثت في بريطانيا مجموعة متماسكة من السياسات الهادفة إلى منع تقدم التصنيع في المستعمرات، خاصة اميركا (التي كانت مستعمرة لإنكلترا). وكتب احد مسؤولي المستعمرات الإنكليز انه “يجب عدم السماح للمستعمرات بتصنيع حتى مسمار حدوة حصان!”

“وعن طريق ضوابط التجارة والصناعة، منعت المستعمرات من تصنيع المواد الخام التي درجت بريطانيا على استيرادها وتصنيعها، ولذلك لتثبيط أية صناعة يمكن أن تسبب منافسة بأي شكل من الأشكال مع الدولة الأم (بريطانيا)، ولكي تبقى أسواق المستعمرات للصانع والتاجر الإنكليزي” ص 85

 

5- “كيف أصبحت الدول الغنية بالفعل غنية؟”

 

يسأل المؤلف “هو جون تشانغ” في النهاية سؤالاً: “كيف أصبحت الدول الغنية بالفعل غنية؟” ويجيب عنه: “أن الدول الغنية لم تصل الى ما وصلت اليه فعلا، من خلال انتهاج السياسات التي توصي هي بها الدول النامية حاليا”!

ويبين تشانغ أن العكس هو الصحيح! “فالغالبية من الدول الغنية استخدمت سياسات تجارية وصناعية تعتبر “سيئة” من وجهة نظر ما توصي به بنفسها. فاستخدمت حماية الصناعات الوليدة”.

وهنا نتذكر مقارنة للبروفسور نعوم جومسكي بين بلدين ينتجان القطن ويصدرانه لبريطانيا في القرن التاسع عشر، هما أميركا ومصر. وكيف أن أميركا رفضت بشدة توصيات آدم سميث بعدم تصنيع القطن، والاكتفاء بتصديره كمادة أولية، فازدهرت صناعتها، بينما مصر التي كانت تخضع للضغط البريطاني استمعت الى تلك النصيحة، ولم تتبع حماية صناعتها، فبقيت متخلفة.

 

6- لماذا “ركل السلم”؟

 

ربما تساءلت عزيزي القارئ عن الاسم الغريب للكتاب. لماذا اختار المؤلف: “ركل السلم”؟

هذا التعبير العبقري استعمله الاقتصادي الألماني “ليست” في معرض دفاعه عن صناعة بلاده النامية حينها، بوجه توصيات الدول الغنية ، فكتب: “إنها حيلة ذكية ومعروفة يلجأ اليها كل من وصل الى قمة العظمة، حين يركل السلم الذي صعد على درجاته ليصل إلى اعلى، ثم ليحرم الآخرين من استخدام نفس السلم للحاق به.” ويكمل: “مثل كل المصنوعات البريطانية، فأن فكرة التجارة الحرة، مصنوعة للتصدير فقط وليس للاستهلاك المحلي”. ص 58

 

ويؤكد تشانغ: “تتعرض الدول النامية لضغوط كبيرة من العالم المتقدم لإجبارها على تبني مجموعة مما يسمى “السياسات الرشيدة” لدفع التنمية الاقتصادية، … واهم شروطها تحرير حركة الاستثمار والتجارة الدولية والخصخصة وإزالة القيود أمام الاقتصاد الحر.”

 

أي أن الدول الغنية تستخدم توصياتها.. كوسيلة لإعاقة الدول النامية عن انتهاج السياسات التي كانت هي نفسها تستخدمها من قبل لتحقيق التنمية الاقتصادية. ويضيف تشانغ: “إن منع الدول النامية حاليا من تبني مثل هذه السياسات، يشكل قيدا خطيرا على قدراتها وطاقاتها على تحفيز التنمية الاقتصادية”!

ويقول: “أن كل دولة نجحت في الارتقاء من خلال الحماية التجارية .. لا يسعها إلا ان تركل السلم، ثم تعود لوعظ الدول الأخرى بمزايا التجارة الحرة.”

 

7- خاتمة: ما الدور المناط بعبد المهدي؟

 

يبدو لي أننا عرضنا أمثلة كافية تبين أن انتهاج الهدف من اتفاقية التجارة الحرة، هو منع النمو الصناعي (الرأسمالي) في العراق، وأن عبد المهدي يستخدم من قبل جهة ما، لـ “ركل السلم” الوحيد الذي يعرفه العالم، لتنمية الصناعة الوليدة!

وهنا نتذكر أيضا مشروع عبد المهدي ورفاقه الأربعة، المسمى ظلماً “شركة النفط الوطنية”، الذي طعنت به المحكمة الاتحادية بعد ان وصفه خبيرها بأنه يهدد بضياع النفط وجر البلاد الى حرب أهلية!

ونتذكر أيضا الغموض والاستعجال الذي أحاط بترشيح عبد المهدي وبطرق لا دستورية، ثم محاولة جميع الأطراف التنصل من المسؤولية عن ذلك الترشيح.

وفي الختام يصبح السؤال مشروعا: ما هو الدور المناط بعادل عبد المهدي؟ ومن يقف وراءه؟

 

(1) صائب خليل: نظرية “التنمية بفتح الأسواق” – هل تمنح عبد المهدي جائزة نوبل؟

(2) المؤتمر الصحفي الاسبوعي لرئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي. – YouTube

(3) “هو جون تشانغ” : ركل السلم

https://archive.org/details/raklsollam1

(4) إدارة ترامب تفرض رسوما جمركية على واردات صينية بقيمة 50 مليار دولار سنويا

 https://www.france24.com/ar/20180404-الولايات-المتحدة-تقترح-رسوماً-جمركية-على-50-ملياراً-من-الواردات-الصينية

 

 

نشرت المقالة على:

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*