ar

رسالة إلى المجتمع الأيزيدي/2 : مراد سليمان علو

 muradallo@yahoo.com

آهات بِنيّة الرجوع/مصدر الآهات

ـ سلسلة رسائل للنهوض بالذات، ومدّ يد العون للمجتمع ـ

هل تعرف حقيقتك؟
طبعا لا تعرف! إن كنت لا تعرف ماهي وجهتك فكيف ستعرف حقيقتك!
أسمع آهتي أولا:
أنا كنت جزءا لا يتجزأ من مجتمعي، ذائب فيه بحلوه ومره، متماسكا به ومعه وله. وعندما تناثر هذا المجتمع لأسباب تعرفها جيدا ولا تعرف أن تعبر عنها وتقولها بشكل صحيح أصبحت بدوري قطعة صغيرة تتقاذفني الأمواج وتدفعني الأيادي وتلفظني المدن.
بمجتمعي الذي انتميت إليه كنت أستنشق أريج أجمل الزهور وبدونه الآن أفتقد تلك الروائح الأليفة.
ضائع أنا ولا أعرف وجهتي. تماما مثلك، ولكن مهمتي الوحيدة وهدفي الكبير هو رأب تصدعاته ورتق شروخه وإزاحة الضباب الكثيف عن الطرق المؤدية لذلك، فقط لأكون جزءا منه ثانية.
*
لا أحد يقول عن حبيبته: لديها مشاكل جلدية وحساسية مفرطة وأسنانها نخرة وستتزوج في النهاية ابن جارنا المسكين وعليه لن اتزوجها!
في مسألة الحبّ لا أحد يقول شيئا، يتزوجون فقط.
وأنت!
ليست لديك فكره
ولا تمتلك نظرية للحالة/ حالتنا
فمن يترجى منك حلولا
لا بد إنها لعنة أيزيدية قديمة!
لو تمت إعادة هيكلة عشاق الكون من جديد
ستلتصق بمكانك الذي لا تتحرك منه بالتأكيد.
*
كنت آمل أن تعطيني لمحة عن تطور السوق الاقتصادي الكردستاني بعد انبثاق فكرة الاستفادة من ربع مليون عامل إيزيدي خالي اليد وفارغ الجيب.
هذا كان سؤالي لخبير اقتصادي كردي كبير!!!
طبعا من الغباء إزاحة ثقل الرابع من آب بمجرد قراءة كتاب في الاقتصاد الكلّي يستمد الكاتب فيه آراءه من مجتمع متماسك.
وسنغض الطرف عن المثالية الثورية التي نادى بها الأولون لمجرد أن تنطلي اللعبة علينا هذه المرة أيضا.
أذن سعادتنا لا توصف بانهيار منظومة مجتمعنا الذي لم يتماسك يوما عن طريق العقل ولم يستخدمه . المهم عنده القلب والمعدة.
*
أنت لا تختلف عني كثيرا، فبعد أن تبلغ من العمر ما بلغت ستتكوّن لديك ثوابت وستبتسم لغيابها طوال هذا الوقت:
أولها ستقول ليتني لم أفعل ما كنت أفعله فقد اصبت بالروماتيزم اللعين في أصابع يديّ نتيجة التصفيق الكثير.
ثانيهما صرفت كلّ هذا الوقت وأنا أنتظر أن اتعلم منهم وكانوا يسقونيها بالقطرات والنهر لا يبعد عنى سوى “شمرة عصا”.
والأمر الأهم لو أثرت انتباه أحدهم طوال تلك الأعوام التي صرفتها بخدمتهم لن يقول لك يوما:
لنلتقي ونكرز بعض المكسرات بل سيكرر عرضه بشرب الشاي أو القهوة!
مهما كان هذا (الأحد) رئيس تحرير
رئيس منظمة
رئيس مؤسسة
رئيس وزارة
أو رئيس دولة
أذن أقرأ بتمعن فالآتي أعظم.
*
وقبل كلّ شيء لنقرأ إحدى سجلاتك:
تمتلك كلبا لم يدخل غرفة نومك أبدا
والدك لا يقبّلك أبدا
جارك يسخر منك دائما
لا تحبّ مدرسيك
تنزل الدموع من عينيك وتقر وتعترف بكل ما دوّن في سجلك وأكثر بكثير ولكنك تنسى المغزى من الموضوع وإنك الآن مجرد شظية متطايرة من انفجار كبير في خاصرة مجتمعك.
وبما أن الكارثة عظيمة فيجب أن تتذاكى وتستخدم عقلك لتعبر هذا الظلام فكلّ شيء ليس في مكانه.
حتّى سجلك الذي قرأ عليك كان ممسكا بالمقلوب ولو قلبناه فقط للتجربة سنقرأ فيه:
كنت تتمنى أن تنام مع كلبك في مكانه المخصص بالباحة
والدك يحبّك كثيرا ولكن والده الذي هو جدك لم يعلمه إعلان الحبّ
جارك يشجعك دوما ولكن بطريقته
أما مدرسوك كان عليهم اعطائك الدرس الأول في كونك أيزيديا ولكنهم أنفسهم لا يعلمون بأن لا مجتمع لهم!
*
الأمر ليس بهذه السهولة يا صديقي
لن ننجو
لا أنا ولا أنت
علينا ان نتفاعل مع شيء علينا أن تكون لنا القابلية على التفاعل
مع الموسيقى
مع الشعر
مع التراث
ومع صيد القبج
أي شيء يحدث انفجارا ويكون مثل سيمفونية في تشظيه ويعيد تلوين الأشياء.
ولكن هنالك مشكلة
مشكلة الثقة
عليك أن تثق بهم وعليهم أن يثقوا بك
ولكن لم يتحدث أحد عن ثقتك بنفسك
وهكذا انهار المجتمع.
*
ولكن يا صديقي سأخيب ظنك كما أفعل في كلّ مرة
لن تنال جائزة على عملك هذا.
أنك تعاني لأنك تعلم كم الجوائز مهمة وباهظة الثمن وضرورية ولن تنالها هنا.
ولكنني أثق بك وأعلم بأنك قادر على وضع بعض النظريات ولا يهم بعد ذلك إن سربت الخبر وأحدثت فوضى.
واستفاد مجتمعك من هذه الفوضى وانزلق بها
هه، أنت فائز في النهاية!
*
لنعد إلى الهوايات السخيفة:
هل تحبّ الموسيقى؟
هل تحبّ الكتب؟
ليتك رأيت مكتبتي قبل انهيار مجتمعنا
امضيت وقتا طويلا في قراءة كلّ تلك الكتب.
أنت محاط بكتب غالية وسخيفة وفارغة.
اختلط بالناس وأذهب إلى الأماكن فهي أفضل من الكتب فربما خطر على بالك فكرة ما لتكتب بدورك كتابا.
أنت تفعل ما يلزم لحماية نفسك.
تقلد الآخرين.
تماما تفعل مثلما كانوا يفعلون.
ولكنك لست مثلهم فأنت تستقبل عاصفة قويّة وإن لم تكن فطنا سيضيع كل شيء في العاصفة ولن تهدأ لا العاصفة ولا ندمك.
أدواتك على وشك أن تنكسر وتلك التي رضيت بها دون أن تفكر على وشك أن تغادر عالمك فلا تثق بأحد.
*
شكرا لصبرك معي لندخل صلب الموضوع معا
كيف سنتمكن من أداء واجبنا
عليك أن تقلق على نفسك أولا:
ماذا ستفعل لو كنت وحدك في قارب وسط محيط هائج؟
ماذا ستفعل لو كنت وحدك في مكتبة مليئة بكتب مكتوبة بلغة تجيدها؟
ماذا ستفعل لو رأيت نفسك فجأة عاريا ولوحدك في غابة؟
لنبدأ من جديد:
ليس لديك فهم صحيح فيما تمر به، لم تخرج من قوقعتك التي وضعت نفسك فيها يوما، ولم تخرج عن الإطار الذي وضعوك فيه مرّة. ولو سألتك عن الفلسفة بصورة عامة ستقول إنها: حبّ الحكمة تماما كما قرأت ذلك في الكتب وكما أخبروك. ولو سألتك عن سبب فرماننا الأخير ستقول لي: حدث الفرمان بسبب أمراءنا وبسبب رجال الدين وبسبب رؤساء العشائر وبسبب الحزبيين.
ولن تتحدث عن أولئك الذين وافقوهم الرأي وصفقوا لهم وأيدوهم في كل شيء والغريب امتد التأييد حتى ما بعد الفرمان؛ لأنه ضارب في الأعماق اللاواعية فينا ولا نستطيع التخلص منه بسهولة. إنه إدمان يا صديقي.
وطبعا لن تقول حدث الفرمان بسببي لأنني قصرت في ربطه مع ما حدث لنا في الماضي قبل وقوعه وما سيحدث لنا في المستقبل الآتي.
ستتحدث عن تلك الكتب التي مكتوب فيها ذلك.
ولن تخبرني عن تلك الأفواه التي كممت والأفكار التي لم ترى النور والكتب التي لم تدون.
إن كان الأمر يفوق إدراكك دعني أقوله بطريقة أخرى:
لو طلب منك رأيك في حجول جبل شنكال ستسرد حكايات الصيادين وستدخل في تفاصيل صنع أقفاصها وستتحدث عن لون أرجلها الحمراء المميزة وأصواتها وعاداتها ومواسم هجرتها وقد تأخذك الإثارة وتذهب بسائليك إلى سوق دهوك للطيور وتريهم طائر الحجل الذي كانوا يحدثونك عنه.
ولكنك لن تستطيع أن تخبرهم عن تلك اللحظات المثيرة في مراقبة الحجول في فجر الجبل ومتعة التنفس بهدوء وحبسه أغلب الأوقات لكيلا تثير انتباههم والصمت المطبق لأنك في حضرة هذا الطائر الجميل وقريب منه. وكيف تكون مختبئا وراء صخرة ما وتشعر بأنك أصبحت جزءا من الصخرة ملتصقا بها وتتماهى مع غناءه ومناداته لأصحابه وعشيرته، وهو حرّ طليق بالقرب منك تشعر به وهو لا يشعر بك بل يشعر بأنه سيد الجبل وتشعر أنت بالتالي بأنك ملك الجبل. لن تقدر على وصف هذه الحالة لأنك لم تعيشها، وهذا هو الفرق.
ولو سألتك عن مقاومة داعش والقتال ضدهم والثأر للمخطوفات والشهداء ستتكلم عن بطولات المحاربين في الجبل وتضحياتهم وإيثارهم وشجاعتهم.
ولكنك لم تقرأ التصميم في عيني الأسطورة خيري الشيخ خدر يوما ولم تتوسد معه الحجارة ولم تنم معه على الصخور ولم تتلحف معه سقف الكهوف ولم تختبر معه شوق الحصول على فرصة ليفجر ما في داخله من غضب وانتقام على العدو لن تعرف معنى اللهفة للذهاب إلى موعد القتال التالي. لن تستخبر هلاهل البندقية وأنت ترمي بها العدو لن تفهم الاندفاع نحو العدو وكأنه سباق. ولن تفهم صمته وصمت الكهف وصمت الجبل وصمت الليل بانتظار الفجر لتبدأ صفحة جديدة من ملحمة لن تتكرر.
وهذا هو الفرق أن تكتب كتابا عنه وكنت بعيدا عنه وأنت تكون معه وتخجل أن تكتب له وعنه وعليه لأنك قد لا تعثر على الكلمات المناسبة لقامته.
ولو سألتك عن الصداقة ستتكلم لي عن الوفاء والتضحية ولكنك لا تعرف شعور أن تكون جاثيا أمام قبر صديقك ولا تستطيع البكاء عليه لأنك لا تصدق رحيله. تخجل أن تبكي لأنك في حضرته.
لا تعرف شعور أن تفقد في كل حرب صديقا عزيزا وتبقى لوحدك وينتابك شعور بالأسف على نفسك لأن الحروب انتهت ولم تستشهد مثلهم وبقيت هنا لوحدك وستكبر لوحدك وستعاني فقدانهم كل يوم وتنتظر أن تلتحق بهم ولكن يطول الأمر وتشتاق لهم وللرحلة الأخيرة صوبهم ولكن يدب الضعف والمرض جسدك تتمنى الموت ولا تجده.
ولو سألتك عن الحب ستقرأ لي قصيدة أو كتابا أو قصة أو حكاية. وطبعا هناك ملايين القصص والحكايات والقصائد والكتب والأفلام والمسرحيات واللوحات والتماثيل عن الحبّ. ولكن القلة يدعون أحبائهم يرحلون بهدوء بعيدا عنهم لأنهم يحبونهم جدا. لا يريدون الاستئثار بهم والحصول عليهم ولكن لأجل الحب أن يبقى يبتعدون ويتألمون بقية عمرهم وهم يحبون.
الخلاصة هي أنني لن اتعلم شيئا جديدا منك ولن يستفاد مجتمعنا الشقي المتناثر الأشلاء منك مالم تتحدث عن نفسك.
احكي عن نفسك.
أفرغ ما في جوفك وقل حقيقتك لترى الناس ما أنت عليه ولا تخاف مما ستقوله لا يهم إن كنت عارا فبمقدورك إصلاح شيء ما فيك أو حواليك.
فلتبدأ الآن وأحصل على دورك الآن.
*
إن تكلمت عن أحد. تكلم عن نفسك
إن تكلمت عن شيء تكلم عن أشياءك
وبمرور الأيام ستكون لك فلسفتك وقصائدك وقصصك وبهذا يمكنك الاستغناء عن الأصدقاء. تعيش وحيدا وتفكر وحيدا وتموت وحيدا ولكن كشجرة تين وارفة الظلال ومحملة بالثمار يمكن لمن يرغب أن يستفيد منك ويستظل بالقرب من جذعك وتحت أوراقك أن يتقدم نحوك.
الأشياء الصغيرة التافهة في مجتمعنا هي تلك التي نشتاق لها ونرغب في رجوعها ولهذا تراني أتكلم معك ومستعد أن أحارب معك من أجلها بل مستعد أن احاربك أنت إكراما لها.
بناء مجتمع من جديد يستحق المحاولة ولأسهل الأمر أكثر أقول لك تلك الأشياء التي نفتقدها وأولئك الأشخاص لم يكونوا يوما مثاليين لا أحد مثالي لا أنا ولا أنت لا أحد كامل ومثالي ولكن الخدعة تكمن في تقبل الآخر كما هو وبالمقابل تقبل الآخر لك كما أنت. وبذلك نرى الأمور بوضوح أكثر وعندها ستكون الرغبة في معرفة عدد أنواع التفاح أمرا مسليا ومفيدا في الوقت ذاته وسيدخل ضمن تلك الأشياء الصغيرة التي نقاتل من أجلها ولا بأس من قضاء عشرون سنة من عمرنا ونحن نأكل كلّ يوم نوع مختلف من ذلك التفاح حتى ننتهي من جميع اصنافه.
يتبع…

2 تعليقان

  1. هي سطور من حديث لحكيم في زمن يدفن الحكماء فيه علنا في وضح النهار .. أنها رؤية بصير تخترق السواتر لتنتج من خلال الحروف ضياء .. ما احوجنا للضياء في هذا العالم المظلم .. تسلم نحن بحاجة للمزيد من هذه الكتابات الرصينة

  2. مراد سليمان علو

    الأستاذ صباح الغالي
    اتفق معك في دفن الحكماء والشعراء والمتنورين في مجتمعات تخاف الشمس لأنها تكشف عيوبهم وتعرض الجزء الفاسد فيهم ليتعقم تحت شمس الحقيقة ..

    ليس لنا إلا أن نكتب بصيغ وأساليب جميلة كالشمس وتحرق كالشمس وتكشف الحقيقة كالشمس والأهم من هذا كله تنير درب من يرغب في السير نحو حافات الحقيقة ..

    شكرا لتعاضدك وشكرا لقراءتك ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*