ar

مدى إمكانية محاكمة عصابات داعش امام المحاكم الجنائية الوطنية : الحقوقي خدر شنكالى

f

 

تعرض العراق بصورة عامة إلى أبشع الجرائم من قبل عصابات داعش الارهابية وخاصة الجرائم التي ارتكبت بحق الاقليات الدينية في العراق كالايزديين ، من قتل وخطف واغتصاب واستبعاد جنسي وبيع النساء في اسواق النخاسة واجبارهم على اعتناق الإسلام وتجنيد الاطفال ، وغيرها من الأعمال اللاإنسانية والوحشية المخالفة لجميع الشرائع السماوية بالاضافة الى مخالفتها لقواعد القانون الدولي باعتبارها جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وكذلك مخالفتها للقانون الداخلي أو الوطني ايضا.
ومصطلح الابادة الجماعية هو حديث العهد ، ولم يكن موجودا قبل عام ١٩٤٤ ، وله مدلول خاص حيث انه يشير إلى جرائم القتل الجماعي المرتكبة بحق مجموعات معينة من البشر بقصد تدمير وجودهم كليا أو جزئيا ، وهذا مركب في الحقيقة من كلمتين ، الأولى ( Geno ) اليونانية والتي تعني الجنس أو العرق ، والثانية ( Cide ) اللاتينية والتي تعني القتل ، ويعود الفضل بإطلاق هذا المصطلح لأول مرة إلى المحامي اليهودي البولندي ( رافائيل ليمكين ) في كتابه الشهير ( حكم المحور في اوروبا المحتلة ) .
ونظرا للجهود المتواصلة التي قام بها ليمكين بنفسه في أعقاب الهولوكوست ( Holocaust ) وعلى نطاق واسع ، اقرت الأمم المتحدة اتفاقية تقضي بمنع جرائم الابادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها في ٩ كانون الأول /ديسمبر ١٩٤٨ واعتبرت هذه الاتفاقية الابادة الجماعية بمثابة جريمة دولية تتعهد الدول الموقعة عليها بمنعها والمعاقبة عليها .
وقد جاءت في المادة الثانية من هذه الاتفاقية ، بأن جريمة الابادة الجماعية تعني : ايا من الافعال التالية المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو اثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه ;
١- قتل أعضاء الجماعة
٢- الحاق اذى جسدي أو روحي خطير باعضاء من الجماعة .
إخضاع الجماعة عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرها كليا أو جزئيا.
٣- فرض تدابير تستهدف الحؤول دون انجاب الاطفال داخل الجماعة .
٤- نقل أطفال عنوة من جماعة إلى أخرى.

وجريمة الابادة الجماعية يتداخل مع مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في الكثير من الحالات إلى الحد الذي وصل هذا التدخل بأن جريمة الابادة الجماعية تدخل ضمن الافعال المكونة للجرائم ضد الإنسانية وهذا مانصت عليه لائحة نورمبورغ سنة ١٩٤٥ لمحاكمة قادة الحكومة الالمانية النازية على أثر قيامهم بجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية أثناء الحرب العالمية الثانية ، وهذا التداخل والتشابه تكمن في الأعمال المكونة لكل منهما خاصة في خطورة وفظاعة الآثار التي تخلفها كل منهما .
ولكننا نستطيع أن نميز بينهما من خلال معرفة الفئات البشرية المستهدفة ، فجرائم الابادة الجماعية ( وكما ذكر اعلاه ) ترتكب ضد مجموعة من الناس ذات صفة معينة لاسباب عرقية أو دينية أو جنسية ، بينما الجرائم ضد الإنسانية، فانها ترتكب ضد المدنيين عموما بغض النظر عن جنسياتهم أو انتماءاتهم السياسية ، وقد عرفت المادة ( ٧ ) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام ١٩٩٨ بقولها ، لغرض هذا النظام الاساسي ، يشكل اي فعل من الافعال التالية جريمة ضد الإنسانية متى ما ارتكبت في اطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد اية مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم ;
١- القتل العمد
٢- الابادة
٣- الاسترقاق
٤- إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان.
٥- السجن أو الحرمان الشديد على اي نحو آخر من الجريمة البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي .
٦- التعذيب
٧- الاغتصاب أو الاستبعاد الجنسي أو الإكراه على البقاء أو الحمل القسري أو التعقيم القسري أو اي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة .
٨- اضطهاد اية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لاسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو اثنية أو ثقافية أو دينية أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعرف في الفقرة (٣) أو لاسباب أخرى من المسلم عالميا بأن القانون الدولي لايجيزها، وذلك فيما يتصل باي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة .
٩- الاختفاء القسري للاشخاص .
١٠- جريمة الفصل العنصري .
١١- الافعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو في اذى خطير يلحق بالجسم أو الصحة العقلية أو البدنية .
وبالعودة إلى جرائم داعش ومدى قيامها بالأعمال اللاإنسانية والوحشية التي ارتكبت بحق الاقليات الدينية ومنها الايزدية في العراق ، نرى بأن هذه الأعمال تتحقق في الكثير من الجرائم اهمها جريمة الابادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وقد جاء هذا التوصيف القانوني من قبل مجلس الأمن الدولي الذي أكد على قيام تنظيم داعش بارتكاب شتى انواع الجرائم ، أهمها جريمة الابادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وتتمثل هذه الجرائم بأعمال القتل والاضطهاد الديني والعرقي والاختطاف وتشريد الاقليات والاغتصاب والاحتجاز والاستبعاد والاتجار بالنساء والتجنيد الاجباري وغيرها .
وبما أن هذه الجرائم هي جرائم دولية لذا فانها تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ، وبما أن العراق هي ليست عضو في نظام هذه المحكمة لذا لا تستطيع المحكمة القيام باجراءاتها لمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم وفق قواعد القانون الدولي ، ولكن على الرغم من ذلك فإن هناك طرق عديدة تمكن المحكمة أو تعطي لها الإمكانية والصلاحية القانونية لممارسة إجراءاتها القانونية وملاحقة مرتكبي هذه الجرائم وهي مانصت عليها المادة ١٢ و ١٣ من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وهي إذا كانت الدولة التي يكون الشخص المتهم بالجريمة احد رعاياها طرفا في النظام الاساسي أو قبلت باختصاص المحكمة وبهذا بالامكان محاكمة الآلاف من المقاتلين الأجانب في صفوف هذا التنظيم الارهابي الذين هم مواطنون في دول موقعة على الميثاق ، او إذا أحالت دولة طرف الى المدعي العام حالة يبدوا فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد وقعت ، أو إذا كان المدعي العام من تلقاء نفسه قد بدأ في مباشرة التحقيق في جريمة من هذه الجرائم وهذا ما قدم به المدعي العام الفرنسي بتقديم شكوى ضد تنظيم داعش الى المحكمة الجنائية الدولية باعتبار ما حصل للايزديين عام ٢٠١٤ إبادة جماعية ، أو إذا أحال مجلس الأمن بموجب الفصل السابع حالة إلى المدعي العام بأن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد وقعت ، بالإضافة إذا كانت الدولة التي وقعت السلوك الإجرامي على اقليمها ولم تكن طرفا في النظام الاساسي، بإمكانها ان يودع إعلان لدى مسجل المحكمة تتضمن قبول الدولة لممارسة المحكمة لاجراءاتها فيما يتعلق بالجريمة المرتكبة ، وهذا ما تستطيع الحكومة العراقية اللجوء إليها دون أن تكون طرفا في النظام ، اي في هذه الحالات جميعا باستطاعة المحكمة ممارسة اختصاصها بالتحقيق ومحاكمة مرتكبي هذه الجرائم حتى وان كانت الدولة التي ارتكبت الجرائم على اراضيها ليست عضوا في النظام الاساسي للمحكمة .
ولكن يبدوا ان الواقع يقرأ شيئا آخر وهي صعوبة أو استحالة احالة تنظيم داعش الى المحكمة الجنائية الدولية ليست لعدم اختصاصها أو عدم وجود الأدلة التي تثبت ذلك وانما لما يترتب على احالة هذه القضية من تداعيات كبيرة وخطيرة على المجتمع الدولي وعلى قادة بعض الدول التي دعمت هذا التنظيم والشركات المصنعة للأسلحة وغيرها من الأمور التي تشكل عائقا أمام احالة ملف داعش الى المحكمة الجنائية الدولية.
لذلك لجأت العديد من الدول إلى تفعيل وتنشيط المحاكم الجنائية الوطنية لمحاكمة أفراد هذه العصابات الارهابية ، وفي هذا الصدد صوت مجلس النواب العراقي في جلسته الثلاثين على احالة ملف داعش الى المحكمة الجنائية العراقية العليا بعد تعديل قانونها كون الجرائم التي ارتكبها داعش الارهابي هي من الجرائم المحددة في قانون المحكمة المذكورة رقم 10 لسنة 2005 وهي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب الواردة في المادة (1 /ثانيا) من القانون ، واستنادا إلى مبدأ إقليمية القانون الجنائي الذي أخذ به قانون العقوبات العراقي في المادة ٦ منه وكالآتي( تسري أحكام هذا القانون على جميع الجرائم التي ترتكب في العراق ، وتعتبر الجريمة مرتكبة في العراق إذا وقع فيه فعل من الافعال لها أو إذا تحققت فيه نتيجتها أو كان يراد أن تتحقق فيها ) . وفي هذا الإطار، قال المتحدث باسم مجلس القضاء العراقي الأعلى ، إن الأحكام القضائية التي تصدر بحق الأجانب المتورطين بأعمال إرهابية في العراق تمثل “جزءا من سيادة الدولة (العراقية)”.
وأضاف أن هذه الأحكام “تصدر وفق ما ينص عليه القانون العراقي من عقوبات ضد مرتكبي الجرائم المرتبطة بالإرهاب”.
وأكد أيضاً أنها “تصدر وفقاً لمعايير المحاكمات العادلة المنصوص عليها في جميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان”، والتي تشمل حق المتهمين في توكيل محام للدفاع عنهم ومناقشة الشهود وأدلة الاتهام واستئناف الأحكام.
ومن الدول الاخرى التي أخذت بمبدأ إقليمية أو عالمية القانون الجنائي ، هي بلجيكا ، فقد قرر المشرع البلجيكي في المادة السابعة من القانون الجنائي الصادر عام 1993 أنه للقاضي الجنائي البلجيكي أن يحاكم مرتكب إحدى جرائم الحرب أيا كانت جنسيته، وأيا كانت جنسية المجني عليه أو المجني عليهم وأيا كان مكان ارتكاب الجريمة، وسواء كان شخص الجاني مدنيا أم عسكريا، ويطبق مبدأ الاختصاص العالمي على هذه الجرائم حتى لو لم تكن بلجيكا طرفا في النزاع الذي ارتكبت خلاله الجريمة، ثم وسع القانون البلجيكي الصادر عام 1999 نطاق هذا الاختصاص ليشمل أيضا الجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية .
وقد أخذ به أيضا المشرع الليبي بنصه في المادة الرابعة من قانون العقوبات الليبي على أنه: “تسري أحكام هذا القانون على كل ليبي أو أجنبي يرتكب في الأراضي الليبية جريمة من الجرائم المنصوص عليه فيه . . . . ” ومن ثم فإنه باعتبار أن الجريمة سالفة الذكر قد وقعت على الأراضي الليبية، يكون الاختصاص بمحاكمة مجرمي جماعة داعش عند القبض عليهم ثابتا للقضاء الجنائي الليبي دون أدنى ثمة شك في ذلك. وكذلك اخذ بهذا المبدأ المشرع المصري والسوري .
لذا على هذه الدول وغيرها التي تمارس هذا التنظيم نشاطاته الارهابية على اراضيها أن تعمل من أجل تفعيل هذه المحاكمات الوطنية لملاحقة ومحاكمة أفراد هذه العصابات الارهابية التي أدت إلى تدمير البلد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا بل وادت هذه الأعمال اللاإنسانية والوحشية إلى حدوث شرخ وتمزيق في النسيج الاجتماعي الذي كان يجمع جميع المكونات القومية والدينية في البلد ، بل وعلى هذه الدول أن تعمل على تنشيط سياستها الخارجية وعقد اتفاقيات دولية أو ثنائية لملاحقة وتسليم هؤلاء المجرمين وعدم افلاتهم من العقاب .

Khidirshingaly@yahoo.com

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*