ar

تأملات فكرية في النصوص الدينية مبدأ الثالوث في المعتقد الايزيدي.. : د. خليل جندي

f

 تقول أحدى (سبقات) النص الديني:

شيخادي و تاوسى مه له ك و ئيزي ئيكن/الشيخ آدي وطاؤوس ملك وايزي أقنوم واحد

هوون مه عنيا ز ئيك نه كن / لا تفرقوا بين المعاني

ئه و زوو مرازا حاسل دكن./ أنهم يحققون المراد حالاً.

(سه ب. 4 ز قه ولى كه نيا/كانيا مارا=شيخ ئادى شيخى شارا)

يا ره بى تو خوداوه ندى سه فه رى /ياربّ، أنت إله الليل والنهار

تو خوداوه ندى ماه و مه رى / أنت إله الشمس والقمر

تو خوداوه ندى جه ندى ئومه رى./ أنت إله جميع البشر

(سه ب.: 4 ز دوعا/يان قه ولى تاوسى مه له ك)

ئيزى دده م مه ده هى /أقدم ثنائي إلى ايزي(الله)

لالشى خودانى قوبه هى / وإلى لالش وأصحاب القبب

ئه ز خه لاتكرم ستيرا به رى سبه هى./ الذين كرموني بنجمة الصباح.

(سه ب.: 1 ز قه ولى سلتان ئيزى)

تاوسى منى ميرانه / طاؤوس الملائكة سيد الرجال (الأولياء)

خالقى منى بعه ردا هه تا ئاسمانا / هو خالقي وخالق الأرض والسماوات

ئه و سلتان شيخ ئادييه، ميرا بساغى زى ددا به يانه./هو السلطان الشيخ آدي، أشاد به

    الأولياء حياً

***

به رى ئه رد، به رى ئه زمانا / قبل خلق الأرض والسماوات

خودى هه بوو نورى نورانه / كان الله موجوداً كنور الأنوار

ز قودره تى كه ون كر به يانه./ أظهر الكون بقدرته

***

به دشايى هه زارو ئيك ناف لخو دانايه/ سمى الإله نفسه بألف اسم واسم

نافى مه زن هه ر خودايه./ الله إسمه الأعظم!.

***

تشترك الديانة الايزيدية مع الديانتين ( الهندوسية والمسيحية) بعقيدة “الثالوث” ، أي أن الإله ذو ثلاثة أقانيم. وهذا الثالوث لدى الايزيدية هو: (ايزي-يزدان/الخالق، طاؤوس ملك، الشيخ آدي) ثلاثة أقانيم في إله واحد. وعند الهندوسية هو: براهما، فيشنو، و شيفا، ثلاثة أقانيم غير منفصلة عن الواحد، يشكلون الرب والمخلص والمهلك. والهندوس يرمزون لهذه الأقانيم الثلاثة بثلاثة أحرف، هي: الألف والواو والميم ويلفظونها (أوم). وعند المسيحية يمثل الثالوث: الأب والإبن وروح القدس.

المشترك بين الديانات الثلاثة هو هذا الثالوث وإن إختلفت الأسماء. السؤال المطروح: من أين جاء مبدأ الثالوث؟. هل له منبع واحد أم عدة منابع وكل واحد نشأ من عبادات بيئته؟.

مع صعوبة تحديد نشأة الديانة الهندوسية الحقيقية، وصعوبة تحديد بدايتها الزمنية علمياً، إلاّ أن الهندوس يعطون تقديرات تقريبية لبداية ديانتهم حيث تعود لما بين الألف الثالث والثاني قبل الميلاد. ومن المعروف أن الهند كانت حاضنة أفكار وفلسفات في العالم القديم، وفيها اختمرت مختلف أنواع الأفكار الغيبية الإلهية مما صدر عنها مجموعة ديانات، فمن تعدد هائل للآلهة والمبالغة في تقديسها إلى حد الالحاد، مروراً بالتوحيد والتثليث ووحدة الوجود واعتقادات أخرى. وأمام هذا الكم الهائل من النشاط الفكري والروحي في الهند كان ذلك يترافق بحركة بشرية على شبه القارة الهندية، ويذكر أنه في القرن السادس عشر قبل الميلاد رحلت مجموعة من الغزاة سواحل بحر البلطيق أو من جنوب روسيا الحالية نحو شمال غرب الهند، تلك المجموعة التي سميت لاحقاً بالهنود الاوربيين، سيطروا على بلاد الهند وأخضعوا سكانهاالقدماء الأصليين (الدرافيد)، أصحاب حضارة وادي الأندس التي تعود تاريخها لحوالي 3000 ق.م.، وهي كانت تعاصر الحضارة السومرية في العراق، وكانت على صلة وثيقة بها، حتى أن بعض الباحثين يظنون بأن أصل السومريين من هناك.

أولئك الغزاة الذين سيطروا على بلاد الهند سموا أنفسهم (آرياس)، أي النبلاء، ومنها جاءت تسمية (آري) و (آريون)، وقام رجالات الدين الآريون بتسمية أنفسهم (البراهمة) وتعني: ولي الله، أو رجل الله، أو العارف بالله. وصاغوا من الفيدية الهندية القديمة ديانة تسوّغ تسلطهم وتدعم بقوة الدين موقعهم الاجتماعي المتميز المتربع في قمة المجتمع الهندي. (فيدا/نصوص هندوسية مقدسة، دراسة مقارنة، ترجمة الدكتور منذر الحايك، صفحات للدراسات والنشر 2018، ص 12).

بناءً على ضوء هذا التوضيح، يمكن القول أن بدايات الديانة الهندوسية تعود إلى ما قبل مرحلة التاريخ المدون، ويعتقد بأنها تشكلت من معتقدات عدة شعوب، منها: معتقدات الآريين، ومعتقدات الدرافيد البدائية، ومعتقدات الهارابان بناة حضارة وادي السند المبدعة، بحيث جمعت كل تلك التعاليم الروحية والصوفية والاسطورية لحضارة الشعوب الآرية والهندية، وظهرت منها الديانة (البراهمية)التي تقوم على الكيان الإلهي والتي تحولت بعد عدة قرون إلى الديانة الهندوسية.

رسخ الآريون نظام الطبقات في الديانة الهندوسية، وأعطوه بعداُ دينياً مقدساً وذلك من أجل الحفاظ على تفوقهم وسيطرتهم واستغلالهم للدرافيد. ولا يزال هذا التقسيم الطبقي الديني مقدساً لدى الهندوس. كما هوحال التقسيم الطبقي الديني المقدس عند الديانة الايزيدية.

فكرة الثالوث/أو التثليث، مرتبطة عند الديانات الثلاثة: الهندوسية، المسيحية، والايزيدية، بفكرة المخلّص/المنقذ. هنا يعتقد الهندوس؛ كما يعتقد الايزيديون والمسيحيون، أنه سيأتي زمان تمتلئ فيه الأرض ظلماً وجوراً وفساداً، ويختفي منها العدل، فينزل الإله في صورة بشرية ليملأ الأرض عدلاً، ويعتقد الهندوس أن (كريشنا) بطل ملحمة المها بهارتا هو الذي يتمثل فيه الإله وينزل إلى الأرض لإقامة العدل. ويعتقدون أن (كريشنا) هو الخلّص والفادي والراعي الصالح، والوسيط، وإبن الله، والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، وهو: الأب والإبن وروح القدس. ويقولون بأن (كريشنا) ولد من العذراء (ديفاكي) التي اختارها الله والدة لابنه. وقد عرف الناس بولادة (كريشنا) من النجمة التي ظهرت في السماء ساعة ولادته (نجمة الزهرة). ومن آيات وعجائب (كريشنا) أنه قام بعلاج الأبرص!. هنا نقف أمام حيرة: هل ما ذكر أعلاه هو إعتقاد هندوسي بـ (كريشنا) أم اعتقاد مسيحي بيسوع المسيح؟!

قبل الإجابة على السؤال المحيّر إعلاه، نود الإشارة إلى أن إعتقاد الديانة الايزيدية بـ (الشيخ آدي) هي الأخرى تتماثل إلى حد بعيد مع شخصية (كريشنا) عند الديانة الهندوسية؛ فهو، أي (الشيخ آدي) ممثل رئيس الملائكة (طاؤوس ملك) والإله (ايزي) في صورة بشرية، كما جاء في النص الديني المشار اليه في أول المقال. ويذهب الاعتقاد الايزيدي إلى أن ولادته لم تكن طبيعة، وهو الذي ردّ السلام بثلاث على أحد الشيوخ وهو في رحم أمه. وأظهر من الكرامات في لالش وغيرها من الأماكن، وبمجرد ذكر اسم الشيخ آدي تمكن (بير مندي كور)الهارب من العائلة الشمسانية إلى آفغانستان من احياء أحد الموتى من القبر!.(يراجع قصة بير مندي كور).

عودة للسؤال المطروح أعلاه: هل أن الثالوث هو إعتقاد هندوسي بـ (كريشنا)، أم إعتقاد مسيحي بيسوع المسيح؟ وأين يقع الاعتقاد الايزيدي بـ (الشيخ آدي) من كلا الاعتقادين؟.

كما تمت الإشارة اليه، تعود جذور الديانة الهندوسية بصيغتها المكتوبة إلى الألف الثالث أو الثاني قبل الميلاد، وهناك من يرجعه إلى أبعد من هذا التاريخ، أما الديانة المسيحية فتاريخها الآن دخل عامه الـ (2019). فليس من المنطقي أن تأخذ ديانة عمرها (3000) أو (2000) سنة قبل الميلاد من ديانة تظهر بعدها!. وهذا ما جعل بعض الباحثين يقولون بأن المسيحية إقتبست معتقد الثالوث من الهندوسية القديمة. ولكن هنالك من الباحثين يذهبون إلى أن ثلاثي الآلهة حالة قديمة في حضارات الشرق الأدنى القديم، وقد نشأ عن العبادات المحلية البدوية الأصل، القائمة على تأليه تركيبة (الشمس والقمر والزهرة)، فكل واحدة منها قواه الإلهية الخاصة، وكبير الثالوث هو (الإله الشمس) إله السماوات، وبعده يأتي إله القمر (الإله سين) وهو الإبن وروح الأقدس، ثم الإلهة الزهرة/عشتار إلهة الحب والخصب وهي الأم الكبرى. ويقول هؤلاء الباحثين: أن “المسيحية نشأت في أرض التثليث، وربّما أخذت مع الهندوسية من مصدر واحد، ويقولون بأنه ثبت بشكل قاطع تأثر حضارة وادي السند بالحضارة البابلية منذ بداية الألف الثاني قبل الميلاد”. (فيدا/نصوص هندوسية مقدسة، مصدر سابق، ص 15)

ماذا عن الثالوث الايزيدي؛ هل أخذها من الثالوث الهندوسي، أم المسيحي، أم من حضارات الشرق الأدنى القديم، أم ما زال يحتفظ بخاصيته المميزة؟.

إذا عدنا للموروث والنصوص الدينية الأيزيدية، نلاحظ مفاهيم ورموز واضحة لا لبس فيها عن تقديس الشمس والقمر ونجمة الصباح (الزهرة) التي تأتي في النصوص الدينية باسم (ستيرا ده ملقابى) لكل منهم إلاهه الخاص: إله الشمس الذي كان يعرف عند السومريين (دينغر اوتو) أو (أود- أدد)، و (شمش) عند البابليين والآشوريين. إله الشمس بحسب الميثولوجيا السومرية هو إبن إله القمر (نانا) والإلهة (ننكال). أما إله (أحياناً إلاهه) القمر كان يعرف عند السومريين (إنيانا/إينانا)، و (سين) عند البابليين والآشوريين، وكان يعرف بـ (نانار/نانا) ايضاً، المركزان الرئيسيان لعبادته كانت مدينة (أور) جنوب العراق و (حرّان) مدينة إبراهيم الخليل ونمرود في الشمال المعروفة الآن بمدينة (اورفا) في تركيا. وفي الديانة المصرية القديمة كان إله القمر يعرف بـ (خونسو) ، ويعتبر إبن آمون وموت في ثالوث طيبة. و (سيلين) إلاهة القمر عند اليونانيين.

ما يهمنا هنا مبدأ الثالوث في الديانة الايزيدية، فطاؤوس ملك، حسب الميثولوجيا الايزيدية، وكما يظهر من خلال النصوص الدينية، هو إله الشمس، وبما أن الشمس هي عين الخالق (خودى- الله) فأن طاؤوس ملك هو ذات الله، أو إسم من أسمائه. وكما يبين النص الديني الذي أشرنا اليه في أول المقال، أن: (شيخادي و تاوسى مه له ك و ئيزي ئيكن/الشيخ آدي وطاؤوس ملك وايزي أقنوم واحد ، هوون مه عنيا ز ئيك نه كن / لا تفرقوا بين المعاني) فان (الشيخ آدي) هو أيضاً من ذات الله. وهنا تتصل الايزيدية بالهندوسية في عقيدة (التوحيد و وحدة الوجود) في آن واحد. فالخالق هو الواحد الأحد، لكنه يظهر نفسه في صور وأشكال غير معدودة، إنه موجود ويحلّ في كل الكائنات، وكل الكائنات موجودة تحلّ فيه. زيادة في المعلومات تأتي في أحد الأدية الايزيدية: (يا ره بى تو بده يه خاترا دوتى و دايى) بمعنى (يا رب، بجاه البنت ووالدتها!). فمن هما الأم والبنت اللتان تتوجه لهما الايزيدية في أدعيتهم ومناجاتهم؟…هنالك من رجال دين ايزيديين يقولون أن المقصود بـ (البنت والوالدة) هما (الشيخ آدي والشيخ حسن) جاء ذلك عندما قبل واتخذالشيخ آدي الثاني من إبنه الشيخ حسن شيخاً له:

شيخادي مه لك شيخ سن بشيخانى قه بلاند / قبل الشيخ آدي بالشيخ حسن شيخاً له

ل ئاسمانا ملياكه تا بورا هلهلاند / قامت الملائكة تهلهل له في السماء.

هنا، ربما نواجه مشكلة لغوية لأن (دوت و دايى= البنت والأم) صيغتين مؤنثتين، أما ( الشيخ آدي والشيخ سن) إسمان مذكران. إذا ربطناه بميثولوجيا شعوب الشرق الأدنى القديم، وشعوب وادي الرافدين وميزوبوتاميا القدماء في أن الإلهة (الشمس) هي بنت إلاهة (القمر) عند أساطير بعض الشعوب، أو بالعكس أن إلاهة (القمر) هي بيت إلاهة (الشمس) عند شعوب أخرى، حينها تقترب الفكرة من أن (البنت والوالدة) مفهومان يرمزان إلى (الشمس والقمر). وبما أن هنالك من تمثل الإلهة، أو يمثل الإله على الأرض، فأن المعتقد الإيزيدي وضعهما في (الشيخ آدي والشيخ سن). بالطبع تتغير مكانة الألهة عند الشعوب والمجموعات البشرية القديمة صعوداً ونزولاً ومن مرحلة إلى أخرى، ففي مرحلة الرعي والبداوة كان القمر أنيس ودليل الرعاة في تجوالهم، ولهذا إحتلت إلاهه القمر المكانة الأولى، وأصبحت هي (بصيغة التأنيث) أماً إلى إلاهة الشمس. أما في مرحلة التحضر والزراعة حيث الاعتماد على نور الشمس، فقد تراجع دور إلاهة/إله القمر أمام بروز دور إلاهة الشمس، وفي حين كانت (الشمس) إبنة (القمر) حسب ميثولوجيا الشعوب الرعاة، صارت (القمر) إبنة (الشمس) حسب ميثولوجيا المجتمعات الحضرية والزراعية.

لتقريب الصورة الميثولوجية في الموروث الديني الايزيدي بما يتعلق بموضوع الثالوث، ومفهوم (دوت وداى=الوالدة والبنت)، فان الإلهة عشتار كان السومريون يطلقون عليها (عناة) ومركز عبادتها الأصلي كانت مدينة أوروك (الوركاء)، ولها معبد رئيسي في نينوى قرب مدينة الموصل.(من حوارات جلجامش وعشتار. وكذلك: محمد عجاج الجميلي، عن آشور ونينوى:www.azzaman.com/22.1.2014) ، وهي في أساطيرهم، كما في الأساطير البابلية، إبنة الإله (سين) إله القمر، وأمها ننكال، وأخوها الإله (أوتو) إله الشمس. وفي بعض الأساطير فان عشتار هي نفسها أم (ديموزي) الذي يمثل (طاؤوس ملك) عند الايزيدية. وبما أن (طاؤوس ملك) هو إله الشمس فان الإلهة عشتار تكون بالنتيجة أماً لإله الشمس.

هنالك الكثير من التقاربات الميثولوجية فيما يخص مبدأ الثالوث/أو التثليث بين الديانة الايزيدية وحضارات الشرق الأدنى القديم، وما زالت الايزيدية الديانة الوحيدة الحافظة لتقديس الشمس والقمر ونجمة الصبح، وهي الديانة التي تربط قوى السماء بممثليين أرضيين عن طريق مفهوم (السرّ) و (الكرامات). وهذا ما يدفعنا إلى القول أن الثالوت الايزيدي لم يؤخذ من الثالوث المسيحي، بل يحملخصوصيته الممتدة إلى عمق تاريخ حضارات بلاد الرافدين والهند.

خليل جندي

مانيلا في 12/3/2019

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*