فاجعة الموصل: غرق 100 شخص في دجلة.. من المسؤول؟

“من لم يمت بالمفخخة مات غرقا” بهذه العبارة الأليمة، يصف أحد الموصليين ويدعى “همام أحمد” ما حل بالموصل من كارثة في عصر يوم الخميس 21 آذار/ مارس 2019، فاجعة وصفها أحمد بأنها كانت نتيجة فساد المؤسسات الخدمية في الموصل واستهتارها بأرواح الموصليين.

إذ شهدت مدينة الموصل عصر يوم الخميس أسوأ كارثة لها منذ انتهاء الحرب المدمرة فيها قبل نحو عامين، إذ وفي تمام الساعة الثالثة وتسع دقائق عصرا، غرقت عبارة تقل عشرات الموصليين وهي تعبر نهر دجلة من ضفته اليسرى في منطقة الغابات السياحية إلى جزيرة أم الربيعين السياحية في الموصل وسط نهر دجلة.

ما هي العبارة الغارقة؟

تعد جزيرة أم الربيعين السياحية في الموصل، إحدى أهم المنتجعات السياحية التي تتوجه إليها العائلات الموصلية للاستجمام، وتقع وسط نهر دجلة وتقابل فندق نينوى الدولي وتبعد عنه مسافة نصف كيلومتر.

وبحسب المهندس في هيئة استثمار نينوى “محمد محفوظ” الذي تحدث لوكالة “يقين” فإن العبارة الغارقة هي عبارة عن جسم حديدي يطفو على نهر دجلة بمساحة 100 متر، وترتبط العبارة بأربع أسلاك فولاذية يتحكم بها محرك كهربائي يدفعها جيئة وذهابا من وإلى الجزيرة.

ويضيف أن القدرة الاستيعابية للعبارة لا تتجاوز الـ 70 شخصا، إلا انها غرقت بسبب الحمولة الزائدة وبسبب ارتفاع منسوب مياه نهر دجلة نتيجة موسم الأمطار، بسب محفوظ.

عشرات الضحايا.. أطفال ونساء

وبعيد غرق العبارة بلحظات، دفعت تيارات المياه القوية الركاب الذين كانوا على متنها، ما تسبب بمقتل ما لا يقل عن 83 شخصا غالبيتهم من الأطفال والنساء، بحسب المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور “سيف البدر” الذي تحدث لوكالة “يقين”.

وأضاف البدر أن الحصيلة النهائية حتى كتابة أسطر هذا التقرير بلغت 83 قتيلا 90% منهم من النساء والأطفال فيما تم إنقاذ نحو 41 شخصا حتى اللحظة.

أرقام متضاربة بشان أعداد الضحايا، إذ أعلن مصدران متزامنان في الموصل عن مقتل 93 شخصا غالبيتهم من النساء والأطفال، وقال مدير عام صحة نينوى الدكتور فلاح الطائي في اتصال هاتفي مع وكالة “يقين” إن عدد الضحايا بلغ 93 شخصا والعدد مرشح للزيادة، إذ لا يزال هناك عدد كبير من المفقودين.

فيما أكد الضابط “علاء الموسوي” في قيادة عمليات نينوى أن الحصيلة الأولية لغرق عبارة جزيرة أم الربيعين بلغت 94 ضحية وأن فرق الدفاع المدني انتشلت قرابة 59 جثة في الساعتين الأوليتين للحادث، فيما استطاع شباب الموصل انقاذ قرابة 40 شخصا كانوا على متن العبارة.

وبحسب مصدر من الطب العدلي في نينوى، فقد أكد وصول أعداد ضحايا الفاجعة إلى ١١٨ شخصا.

ما أسباب الفاجعة؟

تتعدد أسباب غرق العبارة في الموصل، إذ يقول المهندس في سد الموصل “محمد نجيب” إن مديرية البنى التحتية في السد كانت قد أصدرت تعميما الأربعاء 20 آذار/ مارس 2019 من أن الاطلاقات المائية للسد وصلت إلى الذروة بمعدل 1400 متر مكعب في الثانية، وهو ما نتج عنه إصدار المديرية تحذيرا لسكان الموصل من الاقتراب من النهر بسبب قوة التيارات المائية فيه.

أما الموظف في خلية إدارة الأزمات في الموصل “سعيد عامر” فيقول إن مدير جزيرة أم الربيعين وهو المستثمر “ريان خضر عبيد” وشركاءه أدى بجشعه إلى غرق العبارة، إذ أن الطاقة الاستيعابية لها لا تتعدى الـ70 شخصا، بينما كشفت كاميرات المراقبة في الجزيرة عن أن الحمولة كانت تزيد عن الـ 200 شخص.

وأضاف عامر أن المستثمرين للجزيرة لم يلتزموا بأي شروط للسلامة المهنية والإنقاذ فيها، إذ أن العبارة لم تكن تضم أي نجادات أو طوافات للأشخاص، فضلا عن أن تصميم العبارة الهندسي لا يتناسب مع ما معمول به عالميا من تصاميم تمتص قوة تيارت المياه.

ويقول أحد شاهدي العيان على كارثة العبارة وهو الشاب “فراس خليل” إنه عانى قرابة عشرين دقيقة ريثما استطاع السباحة إلى شاطئ نهر دجلة وانتشال إحدى النساء التي كانت قد شارفت على الغرق، لافتا إلى أن قوة تيار مياه نهر دجلة كانت قوية للغاية وإن أي بعض الشباب الذين هبوا لنجدة العائلات فقدوا وبعضهم غرقوا أيضا بسبب قوة تيارات المياه وعمق النهر في هذه المنطقة.

وفي ختام حديثه لوكالة “يقين” وصف خليل الوضع في الموصل بأنه كارثي من حيث الخدمات والبنى التحتية، مشيرا إلى أن الشرطة والنهرية والدفاع المدني لم يكونوا مجهزين بأي اليات أو زوارق، وإن ما شاهده من زوارق الانقاذ لم يتعدى الأربعة فقط.

الفساد سبب الكارثة

مع حادثة غرق العبارة في الموصل، دعا ناشطون مدنيون في الموصل المجتمع الموصلي إلى الخروج بتظاهرة احتجاجية على سوء الادارة في الموصل، إذ دعا مجموعة من الناشطين أهل المدينة للخروج إلى موقع غرق العبارة بتظاهرة تنديدا بسوء الادارة والخدمات وتفشي الفساد.

إذ يقو الناشط المدني “وليد العمري” في حديثه لوكالة “يقين” إن ما حدث في الموصل من فجيعة سببه الفساد المستشري في جميع مؤسسات الدولة، وإن أي تبرير للكارثة لن يكون له طعم أو جدوى، إذ أن سوء الادارة وعدم أخذ الدوائر الخدمية مسؤولياتها جعل من غرق العبارة كارثة بكل المقاييس.

ويضيف العمري أن مديرية الشرطة والدفاع المدني والسياحة ودائرة إدارة الكوارث والمستثمر، جميعهم شركاء في الجريمة، إذ لم تتخذ أي دائرة من تلك الدوائر أي بادرة استباقية لغلق الجزيرة ومنع العبور إليها، على الرغم من علم الجميع أن الجزيرة ومنذ ما قبل 2003 كانت تغلق أبوابها في مثل هذه الفترة من السنة بسبب ارتفاع مناسيب مياه نهر دحلة وخطورتها.

ولفت إلى استهتار المستثمر لجزيرة أم الربيعين والذي يدعى “ريان عبيد”، ومؤازرته من قبل عصائب أهل الحق التي تستحوذ على نسبة 50% مشروع الجزيرة، موضحا أن العصائب وبعد استعادة الموصل من سيطرة مقاتلي تنظيم الدولة (داعش)، دخلت شريكا في مشروع الجزيرة بالاتفاق مع المستثمر، بحسب العمري.

مطالبات بتحقيق عاجل

من جانبها قالت عضو مجلس النواب “ليليان محمد” في تصريح لوكالة “يقين”، إننا “طالبنا بفتح تحقيق عاجل وسريع لبحث ملابسات الحادث، خاصةً وإن إدارة الجزيرة قد قامت في وقت سابق بوضع تعليمات لأصحاب العبارات من عدم تحميل العبارة فوق القدرة الاستيعابية”، مبينةً أن “مجلس القضاء الاعلى استجاب لمناشدتنا بفتح تحقيق عاجل”.

وأضافت أن “الاحصائيات المتوفرة الآن تفيد بمصرع أكثر من ١٠٠ شخصا غالبيتهم من الأطفال والنساء”، مشيرةً إلى أنه “لا يزال العديد من الأشخاص في عداد المفقودين”.

وأشارت إلى أن “فرق الإنقاذ مستمرة إلى الأن في البحث على جثث الغرقى وإسعاف المصابين”، مؤكدةً “نقل أكثر من 30 مصاباً الى مستشفى السليمانية العام”.

تحولت يوم الخميس في الموصل من يوم عطلة مشمس كان أهل الموصل يرومون الاستجمام فيه، إلى كارثة بكل المقاييس مع غرق ما يقارب من 100 شخص غالبيتهم من النساء والأطفال، ولسان حال الموصليين يقول: “من لم يمت بالمعركة أو بانفجار مفخخة، مات اليوم غريقا في دجلة”.