ar

عفرين … ألا ليتها كانت أرض السّواد : حسين جمو

f

عن عفرين وجرائم القتل والخطف والنهب “السورية- التركية”

ألا ليتها كانت أرض السّواد
حسين جمو – كاتب وصحافي سوري

في عفرين لكل شيء مقدار، و لكل رجلٍ ثمن.
إذا كنت تملك منزلاً وقطعة أرض كبيرة، فثمن حياة هذا الرجل لا يقل عن 100 ألف دولار. في عملية خطف تمت خلال شهر رمضان، الشهر الذي يجتمع فيه مسلحو المعارضة الذين يسيطرون على عفرين، يومياً، قبيل الغروب، على موائد الإفطار، ظهر في مقطع فيديو المواطن الكردي، شرف الدين سيدو، وهو مضرج بدمائه، طالباً من أهله دفع المبلغ للمسلحين المقيمين في اعزاز، وهي مدينة مجاورة لعفرين.

في صورة أخرى، ظهر سيدو مع شخصين آخرين، هما رشيد خليل، وابنه الطفل محمد رشيد خليل. بعد أيام، نفذ المسلحون تهديدهم، وقتلوا والد الطفل، ورموا بجثته المشوهة على قارعة إحدى الطرق.

هذه قصة ظهرت للعلن. أما المسكوت عنه فكثير. أحدهم تم خطفه من قبل فصيل مسلح، وتم التفاوض مع عائلته، عبر الواتساب، وفي النهاية كانت قدرة العائلة دفع 40 ألف دولار، بعد حملة استدانة، وصلت صداها إلى المغتربات. كثيرون لم يتم التبليغ عن خطفهم. بعضهم وجد مقتولاً بين أشجار الزيتون.

لا كردياً محظوظاً في عفرين. أبعدهم عن الخطر المجنون والمعاق. دون ذلك له ثمن.

لا يتم الخطف بشكل عشوائي، فالخاطف يرصد في البداية الأسماء، ثم يستقصي عمّا يملك، وإذا تبين لهم أن لديه قريب في الخارج، فالثمن يتضاعف، وإذا كان من عائلة ميسورة، يزيد السعر، فالعائلة ستتكاتف لإطلاق سراحه، هنا يقفز المبلغ إلى ما يزيد عن 100 ألف دولار. إذا كانت الحالة متوسطة، فيمكن للمسلح الخاطف أن يرضى بما توفر، على أن لا يقل عن عشرة آلاف دولار.

في ناحية جنديرس جنوب عفرين، وفي بلبل شمالها، وفي أنحاء عفرين كلها، كان حكم المسلحين على الأراضي، عملياً، حكم الغنيمة على الأرض التي فُتِحَت عنوةً.

الغنيمة ماضياً والآن

خالف الخليفة عمر بن الخطاب، بعد التشاور مع الإمام علي بن أبي طالب، قادة الجيوش المسلمة، وأمرهم باعتبار “سواد العراق” من أراضي الفيء مع إبقائها في أيدي أهلها (أعلى درجات العدل في ذلك الوسط). فاستجاب القادة لذلك مكرهين، بعد جدالات وتهديدات أطلقوها، وظلوا يعتقدون أنها غنيمة لأنها فُتِحَت عنوةً. ظلال هؤلاء الرافضين تجسّدت في قادة عساكر الأتراك من السوريين. لم يعتبروا عفرين من أراضي الفيء حتى، ولا مجرد غنيمة تقسم لمرة واحدة، بل غنيمة دائمة، وبيعُ رجال هذه الأرض لأهاليهم. والأهالي يشترون حياة أبنائهم، إذا تيسّر لهم ذلك، ولو كانت هناك سوقُ للرِقّ لاستثمروا فيها.

على هذه الأرض، في عفرين، مئات الآلاف من أشجار الزيتون، وعددها أكثر من 20 مليون شجرة، تم قطعها وبيعها خشباً. سعر الطن الواحد بـ50 دولاراً. هذه الأسعار لا تحتاج إلى جهد لتوثيقها والتأكد منها، فكل شيء متاح ومعروض للبيع في العلن. الشجرة الواحدة تستهلك عمر صاحبها وهي تنمو، فيأتي من يحولها إلى حطب لا يتجاوز سعرها بنساً واحداً.

في جبل هاوار، أُضرِمَت النيران في كروم الزيتون، فلم تزل الجذوع ساخنة حتى يأتي مسلحون في سيارات على ظهر كل منها “دوشكا”، وفي الحقيبة منشار. هذا يحدث ولا حاجة للتوثيق، فما يحدث علني وبمثابة حق من حقوق الفاتحين الجدد تجاه “الكافر” صاحب الزرع.

من حرائق حقول عفرين

عُمر كان يعرفهم، وهمس في مجلسه أنّ أرض السواد ستصبح بوراً إذا أبقاها في أيديهم.

من بقي في عفرين، من الكرد، هم أولئك الذين لم يتعاونوا يوماً مع وحدات حماية الشعب والإدارة المدنية التي كانت قائمة فيها، وبناء على هذه الطمأنينة بقوا في منازلهم وأراضيهم.

بير رستم، كاتب كردي، مقيم في الخارج. توقف عن الكتابة عن انتهاكات الفصائل بحق عفرين وأهلها، بعد تعرف فصيل مسلح على عائلته، وتهديدهم له بأنه إذا استمر في الكتابة فسيفقد عائلته.

في عفرين، قادة فصائل يطلبون من أصحاب كروم الزيتون والعنب بجمع الثمر، وتجهيزه، لتأتي سيارة قائد الفصيل وتحميل الموسم لبيعه. بيع زيت عفرين وتم تصديره إلى الخارج، في كافة الدول الأوروبية، وقُدّرت عائدات الزيت لوحده 100 مليون دولار.

في بلدة راجو، خُطِف أشخاص. تم الإعلان عن أسمائهم، من بينهم محمد ابن حسين فوزيك، على أيدي فصيل يدعى “أحرار الشرقية”، وتم تعذيبهم وعلى وشك أن يفقدوا حياتهم، بتهمة التدخين في رمضان.

أُخرجت عائلات من منازلها، وطُلب منها أن تلتجئ لمنازل الأقارب، لإسكان عائلات من الغوطة أو حمص فيها.

ولعل المسلحين الذين يسيطرون يشعرون بالخيبة لأن أهالي عفرين في غالبيتهم مسلمون. لو كانوا كلهم من الإيزيديين لكان الأمر مثالياً بالنسبة لهم. في ناحية معبطلي، حيث قسمٌ كبيرٌ من أهلها من الكرد العلويين، يسيطر فصيل يطلق على نفسه “سمرقند”، فيطبق أحكام الإسلام من جهة، ويفرض الحجاب على نسائها، ويخطف “المستأمَنين” على مالهم وعيالهم من جهة أخرى، آخرها خطف خمسة مواطنين بتاريخ 28 نيسان/ أبريل، وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم، لأن التهمة قاتلة: التعامل مع وحدات حماية الشعب قبل الاحتلال. في عفرين، تاريخ الرجل أيضاً له ثمن. من لا تاريخ له في “موالاة الملاحدة” فلا أسهل من اختراعها. لا عُمر هنا يردّهم، ولا علياً يُرهِبهم، بل حجّاجٌ أعاد الجزية على من أسلم من أهل الذمّة. فهي إذاً أرضٌ مباح، يملكونها وما عليها، من بشرٍ وحجرٍ وشجرٍ ومواشٍ.

ليت عفرين كانت بغداد أيام أحمد ابن حنبل، الذي رأى بوجوب بيع المنازل فيها بيع أنقاض دون الأرض، لأن “بغداد دار غصب”، أُخِذَت بدون وجه حق. وبعض علمائها كرهوا الصلاة فيها.

هنا في عفرين، يجتمع عساكر أردوغان على مائدة الإفطار، ثم يؤدون التراويح جماعة، ثم ينطلقون وراء الغنائم الأبدية.

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*