ar

أحداث تافهة عاصرتها 7 ( البدون في سنجار ) : صلاح حسن رفو

f

 

“البدون” في سنجار

من تداعيات غزو صدام لدولة الكويت هو مجيء معظم “البدون” الى سنجار وسكن اغلبهم تحديداً في حي النصر “مواطنين قاطنين في الكويت لا يملكون المستمسكات والجنسية الكويتية” .قام جميعهم بشراء بيوت ذوي الشهداء بمبالغ باهضة نسبياً وفي فترة قياسية لكون معهم الكثير من المال وسيارات الكابرس الطويلة_ سرعان ما تخلصوا من هذه السيارات لعدم توفر قطع الغيار المناسب لها_.
بعد ان قام ثلة من الجنود من سنجار بجلب اثاثٍ وذهبٍ مسروق من بيوت الكويتيين اثناء عملية الغزو رجح الناس بأن ما جلبه الجنود ليس سوى نقطة من بحر ما جلبه او سرقه ” البدون” القادمين الينا، وبالفعل قام معظم البدون بشراء سيارات تويوتا بيك اب ولنفس سنة الانتاج وبشكل متسلسل للسنوات92،93،94،95، الا ان بعد هذه السنة شحت نقودهم او نفذ، وحاولوا كحال اهالي المنطقة في البحث عن مصدر رزق ثابت، ففتحوا عدة مشاريع الا انهم فشلوا لقلة الخبرة وصعوبة التأقلم مع عمل يومي ،واستذكر هنا (عنتر) احد جيراننا البدون الذي كان يمتلك سيارة مرسيدس حمراء “رئاسية” لم نشاهد مثيل لها الا في التلفاز،شأت الاقدار سنة بعد سنة ان يبدل سيارته الى الاقل كلفة لحين استقراره على “سوبر تاكسي” ولسان حاله يقول عند السؤال عن حاله: “والله الحياة صايرة جهاد…جهاد”. قـُتل عنتر بعدها بسنوات ذات مساء على الحدود السوري وهو يقوم بتهريب بعض الاغنام او البنزين !
ما لاحظته انا كطفل لدى اقارني من “البدون” عدا البذخ وحب كرة القدم هو بناطيلهم القصيرة وظننت كغيري للوهلة الاولى انها موضة كويتية لم تصلنا بعد، الا ان وبمرور الوقت اخبرونا بعد السؤال بأن قصر الملابس لأجل عدم اتساخها قبل الصلاة،هذه كانت البوادر الاولى لمعرفتي بفكرة السلفية او الوهابية فيما بعد.
لم تكن في سنجار قاعة خاصة للاعراس والاتراح، اذ ان السنجاريين بكل اطيافهم يقيمون مناسباتهم في اقرب ساحة او فسحة فارغة في الحي، ولكون وحسب مخطط البلدي لسنجار الحديثة بعد هدم احياء المدينة القديمة والقريبة من الجبل هناك عدد كبير لأراضي وساحات فارغة لأجل بناء رياض اطفال ومدارس وحدائق عامة الا انها متروكة مع وقف التنفيذ لعدم وجود سيولة مالية او عدم اهتمام الدولة ببناءها.
كانت تتشكل دبكات كوردية من الرجال والنساء على شكل حلقات كبيرة اثناء الاعراس، وقد عاصرنا ذلك الوقت الذي كانت تتشابك فيه ايادي نساء المسلمات مع رجال الايزيديين في الدبكات او بالعكس خصوصاً اذا كان العرس يصادف ختان بعض اطفال العائلة فيكون على الاغلب ” الكريف” من ديانة مختلفة عن عائلة صاحب العرس لتعزيز الاواصر الاجتماعي بين المجتمع ،كذلك كان بالأمكان حضور ومشاهدة الدبكة في الهواء الطلق لأي شخص غير مدعو، وحدث هذا كثيرا معنا حينما كنا نذهب بعد العمل مباشراً لمشاهدة احد الاعراس في الحي الفلاني وهي كانت فرصة ومتنفس ثمين للتعرف على الفتيات والاقتران بهن.لم اشاهد حالة شجار واحدة في تلك الاعراس او تجاوز لفظي حدث من اهل المناسبة على الحضور الكبير غير المدعو لمعرفة معظمهم بعضهم البعض، في هذه المناسبات ايضا كان معرفتي الاولى ومشاهداتي الاولية لمطربي تراث سنجار الاوائل (خدر فقير ولازكين سيدو) اذ كانا مدعوان في الامسيات التي تسبق العرس(ليلة الحنا) ليغنوا الاغاني التراثية الطويلة(استرهان) مع كؤوس العرق والبيرة التي توزع على المدعوين الذين يتجاوزن الخمسين نفرا او اكثر، والاغرب ان قارنا الاحداث مع واقع اليوم ان هذه الفعاليات كانت لحفلات الاعراس العوائل المسلمة في الحي. العوائل السنجارية نفسها كانت تجلب ” دراويش الطريقة النقشبندية” ويكون جمهورها وحضورها هم نفسهم اهالي الحي الذين كانوا يحتسون او يجالسون الخمارين في العرس دون اي اشكال او ضغينة.
اولى الخلافات والمشاجرات التي حدثت في تلك الاعراس” تكررت الحالة فيما بعد” هو معاكسة بعض شبان البدون وانبهارهم لتصرفات بعض البنات في احدى تلك الدبكات و في فترة حرجة عندما اصبح سوء الوضع الاقتصادي والضغط النفسي والفارق الطبقي يظهر للعيان بسبب الحصار الاقتصادي، شيئاً فشيئاً انحسرت حفلات الاعراس واصبحت تقام داخل البيوت دون دبكات كبيرة، والبعض الاخر حول العرس الى القرى والمجمعات ذات النسيج الاجتماعي غير المختلط.
ما سمي حينذاك بـ”الحملة الايمانية” القى بظلاله على المشهد السنجاري عموماً ، وعَرفت حينها بأن لدي اصدقاء مختلفين في المذهب ،وان هناك اشخاص لايكرهون السيد “الخميني” وهذه كانت اكبر المفاجات بالنسبة لي،كذلك اصبح شكل بعض الاصدقاء قبيحاً للغاية بـلحية غير منتظمة وسراويل قصيرة تشبهاً بالوهابية. ما اُستنتج حينذاك ان وفرة المال التي توزعها المجاميع الدينية المدعومة من الخليج في ذلك الوقت العصيب جعلت من هؤلاء الشبان بهذا المظهر المزري والمضحك للجميع في بادئ الامر، الا ان بعد مرور الوقت اصبحوا واقع حال وقوة خفية لكل مكبوت على الوضع الصعب الذي كان يـمرُ به البلد .تغير حال المدينة الى الاسوء وظواهر وعلامات عدة كانت تشير لمنعطف وشرخ سيء سيحدث لهذا الفسيفاء الجميل، اذ اصبح الخطاب الديني غيرالمعلن من خوف السلطات يتداول بسرعة عن كيفية التعامل مع المختلف دينياً ومذهبياً، وبان للسطح ظاهرة ” دس كوش” اي عدم اكل اللحوم المذبوحة من ايادي غير المسلمة وبالاخص الايزيدية، وتكدس مع مرور الوقت قدور اللبن القادمة من القرى الايزيدية في محلات الالبان لعدم وجود مشترين لها. اصعب المواقف التي كان يتعرض لها البائع التواق للبيع عندما لا يميز هوية المشتري فيقول: لدينا لبن عرب ولبن القابوسية ،كذلك لدين لبن لكنه من كوجو” اشارة الى انها قادمة من مواشي الايزيديين”،فأذا كان جواب المشتري مستفهماً عن كلمة ” لكن” بتذمر،يسارع البائع بتصليح قوله ان اللبن جاء في الصباح الباكر والخوف من ان لايروق للبائع! لكن” ابو مهند المسيحي” والذي يملك هو الاخر محل بيع الالبان لم يكن يملك هذه الدبلوماسية مع الزبائن بعدما ان ضجر من حال ما آلت اليه المدينة اذ كان يقول بسخرية بالغة: “اتريدون لبن مال عرب جول لو مال الكفار؟!”.
في صغرنا لم نكن ندرك ونميز رجل دين في المدينة سوى الملا (هادي) بعكازه ولحيته البيضاء وهدوئه الفطري ونتلهف للسلام عليه لمعرفتنا بأنه الشخص الوحيد الذي يرد السلام على من في عمرنا بقوله: ( بارك الله بيكم)،معروفٌ قصته بيننا كأطفال بان سبب حمله لكيسٍ خاص للتبضع حتى لايُرى ما بداخله من لحومٍ وخضار حتى لا تشتهيه المارة ويحمل هو اثمٍ كبير برأيه.
مع مرور الوقت اصبحت شوارع المدينة تعج بالملالي والمؤمنين الجدد ووكلاء الله في الارض ، وغادرت المحبة والتسامح و الفطرة الطيبة تلك الارض وصمتَ اهل الحكمة والنخبويين بعدما ان افقدهم سياسة الاحزاب الجديدة والقديمة كل خواصهم ليصبح بعدها السواد الاعظم لهذه الجهة الجميلة” شه نك آل” مُهجرين في مخيمات النازحين كحال ” البدون” كما جاؤها يوماً، لكن دون جاه او مال.

صلاح حسن رفو

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*