ar

ملاحظات على رسالة ماجستير عن الايزيدية : خليل جندي

f

f

كلفني الاستاذ الدكتور حسن ناظم/استاذ كرسي اليونسكو للحوار في جامعة الكوفة مشكوراً، بتقييم رسالة ماجستير للطالبة (دعاء عبدالكريم عبدالحسين صادق) تحت عنوان: (الأثر القرآني في الديانة الايزيدية/دراسة تحليلية).وفيما إذا كانت الرسالة تصلح للنشر كأثر علمي من ضمن إصدارات جامعة الكوفة الموقرة؟.

بعد تقديم كلمات الحب والتقدير تليق بمقام الأستاذ الدكتور حسن ناظم، الذي يعد من الرموز العلمية المرموقة في العراق ، وكذلك من أفضل المترجمين للغة الانكليزية والفارسية إلى اللغة العربية على مستوى البلدان العربية، فقد سجلت لجنابه الكريم ملاحظاتي التالية على الرسالة أعلاه:

)ما دامت الرسالة قد تمت مناقشتها وأخذت الطالبة الدرجة عليها، فلن أقوم بتقييم الرسالة من الناحية العلمية البحتة، وإنما أقوم بابداء بعض الملاحظات، بدءاً من عنوان الرسالة كالآتي:

– لم يكن العنوان موفقاً (الأثر القرآني في الديانة الايزيدية/دراسة تحليلة)، فرغم أن الطالبة تقر وتعترف في أكثر من مكان أن الايزيدية تعد ديانة من بين الديانات، إلاّ أن العنوان نفسه يوحي بأن الايزيدية فرقة اسلامية منشقة أو مرتدة أو خارجة من رحمها، عندما تأتي الطالبة ومن المقدمة (ص1، الفقرة الثانية)تحسم النتيجة في أن كتاب الله القرآن يحمل كافة (حقائق الكون والانسان، والحياة والتاريخ والمستقبل..)، وعليه كما تقول: (فان معرفة حقيقة الديانات الأخرى ومنها الايزيدية انما تتم بطرق متعددة من أهمها عرض نصوصها الدينية على القرآن الكريم لاستكشاف الحقيقة.). الطالبة هنا تغلق الأبواب أمام المنهج العلمي في البحث والتقصي والاستقراء والمتابعات الميدانية..الخ.، من دون أن تدرك، أو من دون ان تعترف، بأن ما جاء في القرآن عن قصة الخلق والتكوين، وأسماء الله ، وقصص الأنبياء، ومفهوم الجنة والنار، والإسراء والمعراج، والصراط المستقيم، الطوفان، والكثير من الشرائع الموجودة فيه…مذكورة في ديانات سابقة، مثلاً قصة الخلق أساسها من قصة الخلق السومرية ومن بعدها البابلية، أخذت منها الديانة اليهودية وتم تثبيتها في كتاب العهد القديم (التوراة). وبما أن التوراة أقدم عهداً من القرآن فانتقلت قصة الخلق من الأولى الى الثانية. ويقول الكثير من الباحثين أن السبايا اليهود في بابل أدخلوا قصة الخلق البابلية إلى التوراة، إذا علمنا أن التوراة كتب في وقت متأخر وجرى عليها تعديلات أكثر من مرة. إضافة إلى ذلك أن جميع قصص الأنبياء تعود إلى اليهود ومذكورة في التوراة. أما الجنة والنار، الإسراء والمعراج مذكوران بالتفصيل في (آفيستا) كتاب الزرادشتية المقدس (ص34). أسماء الله الحسنى هي نفسها المذكورة في كتاب (كنزا ربا) كتاب الصابئة المندائية المقدس.قارن إله الشرّ (أنغراماينيو) الزرادشتي والشيطان في القرآن والتوراة والانجيل. حتى قصة آدم مذكور في النصوص السومرية باسم (آدوم)، وكذلك عن الآخرة والبحث عن الخلود في قصة كلكامش وأتونابشتم…الخ. نستطيع أن نذكر مئات الأمثلة كيف أخذت الأديان من بعضها البعض!.
بناء على كل ما تقدم، لم أجد عند الطالبة اسلوب التحليل، علماً سمت عنوان الرسالة (دراسة تحليلية)، الذي شعرت به أنها حالما وجدت نصان أو عادتان متقاربتين بين الديانتين الاسلامية والايزيدية، فقد لجأت إلى تلبيس (ثوب الاسلام) أو ما جاء في القرآن فرضاً على الايزيدية وكأنه تحصيل حاصل ومن دون تحليل وتقصي والبحث عن الجذور!!.

– إذاً، وكما هو متعارف عليه، عندما تكون المقدمات خاطئة أو غير منسجمة مع بعضها، حتماً تأتي النتائج خاطئة ومشوهة وتبتعد عن اصول المنهج العلمي ، ولم تصل حتى لأنصاف الحقائق!.

– الإيمان الديني والمنهج العلمي خطان متعارضان لا يلتقيان، باعتقادي. الباحث الحقيقي يجب أن يكون محايداً لا يؤثر عليه/عليها خلفيته الدينية أو القومية أو الآيديولوجية.
– لو كان عنوان الرسالة، مثلاً: مقاربات بين الديانتين الاسلامية والايزيدية، لكانت الرسالة بشكل أفضل.

– لم أجد تحليلاً مقبولاً لكل ما جمعته الطالبة من مقاربات بين الديانتين، وإنما لجأت إلى الربط “القسري” وأطلقت عليه التأثير القرآني على النصوص أو الديانة الايزيدية. أنا لا أنكر وجود متشابهات ومقاربات، إلاّ أن الأصح هو البحث عن الجذور لكل منهما والابتعاد عن المسلمات التي يؤمن بها الكاتب أو الباحث.

– الخلل العلمي الآخر هو الاعتماء على مصادر ومراجع غير محايدة، بل الكثير من تلك المصادر كانت السبب في تشويه صورة الديانة الايزيدية وساهمت في شحذ الفكر الديني المتطرف لتكفير الايزيديين وبالتالي ذبحهم وسبي نسائهم كما فعل تنظيم داعش الارهابي. أمثلة هؤلاء الكتاب: (عبدالرزاق الحسني ، صديق الدملوجي، أحمد تيمور باشا، سعيد الديوه جي، هاشم البنا، …). حتى أن كتاب (مصحف رش و الجلوة)الايزيديتين، ليس هما بالكتابين الأصليين ، وما يلي حقيقة الكتابين:

* من المؤكد كان هنالك كتابان أحدهما بإسم ” مصحف رش”والأخرى بإسم “الجلوة لأهل الخلوة” لأن العديد من الكتاب ، قديماً وحديثاً، والايزيديون في تراثهم الشفهي يذكرون ويؤكدون على وجودهما. ومن المؤكد أيضاً أن كتاب ” الجلوة لأهل الخلوة”هو من تأليف الشيخ حسن بن الشيخ أبو البركات آدي الثاني، أي من تأليف إبن أخ الشيخ آدي بن مسافر الهكاري. وفي كتابها المعنون (طاؤوس ملك 1941) المطبوع في لندن تقول ئى.س.دراور E. S. Drower أن الكتابان المذكوران هما من كتب الايزيدية ، وقد تم تأليف كتاب (الجلوة) من قبل أحد أولياء الايزيدية عام1161م ، أما ( مصحف رش) فيعود تأليفه الى عام 1342م دون أن يذكر من هم أولياء الايزيدية. أما الكتاب الثاني ” مصحف رش” فلا أستطيع أنا ولا غيري القول أنه من تأليف الشيخ آدي بن مسافر أو من تأليف إبن أخيه الشيخ حسن، لأنه لا أحد رأي الكتاب.

أشكّ في مضمون الكتابين الذين ظهرا ترجمتها لأول مرة باللغة الانكليزية من قبل (القس اوزوالد ه. باري البريطاني Ozwald H. Pary) عام 1892. والذي قام جوزيف الأمريكي بعد ذلك بترجمة تلك الكتب من العربية الى اللغة الانكليزية أيضاً. أما الأب أنستانس الكرملي فقد قام بترجمة الكتابين من اللغة الكوردية الى اللغة الفرنسية وقام بنشرهما. أما الدكتور بيتنر النمساوي فقام هو الآخر بترجمتهما من اللغة الكوردية الى العربية. وهكذا قامت جهات علمية وجامعات وكتاب أجانب وكورد وعرب وغيرهم بالإعتماد على ما تم نشره واستندوا عليهما وكأنهما حقيقة.

طبعاً الكتابان المنشوران من قبل الجميع كانا بالأصل وكما تم نشرهما باللغة الكوردية وبحروف خاصة تشبه الحروف الآرامية الى حد ما. إلاَ أني أشكّ في صحة الكتابين المنشورين والمنسوبان للايزيدية، لمسألتين أساسيتين وهما:

أولاً / مضمون الكتابين من الناحية البلاغية والصياغة والحجم…؛
ثانياً / عدم وقوع الكتابين الحقيقيين أصلاً في متناول اليد؛ 
ليس من المعقول أن يقوم متصوف كبير بدرجة الشيخ آدي والذي قال عنه المتصوف الكبير الشيخ عبدالقادر الكيلاني ” لو كانت النبوة بالمجاهدة لنالها الشيخ آدي بن مسافر” ولا شخصية بمقام الشيخ حسن بن أبي البركات آدي الثاني بتأليف كتاب أو كتابين عدد صفحات الأولى (الجلوة) سبعة فقط موزعة على خمسة فصول، وعدد صفحات الثانية (مصحف رش) أربعة عشر صفحة فقط!

يقول ابن خلكان وابن المفظر وغيرها من الأعلام المشهورين أن الشيخ حسن كان شاعراً وأديباً وفيلسوفاً وداهية عصره…ويقول عنه ابن طولون ” لقد اختلى الشيخ حسن ستة سنوات، فألف كتاب سماها الجلوة لأهل الخلوة“. كيف بإنسان بهذا المقام والمنزلة العلمية والذكاء يخرج بعد ست سنوات من خلوته بكتاب من سبعة صفحات فقط؟!
الى جانب ذلك، الذي يقرأ الكتابين المنشورين يجدهما بلغة كوردية ركيكة، ويعكس للمتطلعين على لغات ولهجات أقوام المنطقة أن (واضع–مؤلف) الكتابين ليس إلاً مسيحي المعتقد، كلداني أو آشوري أو سرياني القومية، عاش بين الايزيدية وعرف معتقدهم بشكل لابأس به، وأطلع بهذا الشكل أو ذاك على أدبهم الديني الشفاهي، وقام بالتالي (وضع) مثل هذين الكتابين.

القصة، على ما أعتقد، هي بالشكل التالي: في القرن الثامن عشر والتاسع عشر كثرت الارساليات التبشيرية والآثاريين والرحالة الى الدولة العثمانية آنذاك، ومن ضمنها اراضي كوردستان، وكان من بين اهتماماتهم جمع المخطوطات والمعلومات من المجموعات الكوردية وخاصة الدينية. وكان من بين هؤلاء ، الذين لهم علاقة بالكتب الايزيدية المقدسة، في النصف الأول من القرن التاسع عشر كل من الأب أنستانس الكرملي و جرميا شامير من مواليد كرمليس (13/تموز/1821)جمعوا معلومات كثيرة عن المعتقد الايزيدي من شخص يدعى(حبيب) من قرية بوزان التي يسكنها الايزيديون والتابعة حالياً لناحية ألقوش، وكان هذا ايزيدياً اعتنق المسيحية وأصبح يسكن ذلك الوقت في بغداد ومناطق أخرى. ولما سئل أحد هؤلاء الثلاثة من قبل أحد الآثاريين أو المستشرقين (لا أتذكر اسمه بالضبط)هل للايزيديين كتب مقدسة، وفيما إذا كان بالامكان الحصول عليهم؟ فذكر أحدهم: نعم توجد مثل هذه الكتب في (مكتبة سنجار) وأنه بحاجة الى بعض الوقت للحصول عليهما؟! . يقال أنه غاب لفترة تطول أو تقصر وجاء ب(مخطوطتين!) مكتوبتين بحروف خاصة ، وقيل أنهما من كتب الايزيدية المقدسة تمكن من(سرقهما) من ” مكتبة” بجبل سنجار!! . قبض ذلك الشخص جهود أتعابه، وأوصل ذلك المستشرق تلك المخطوطات الى أوربا ، وكتب عنهما وإدعى أنهما من كتب الايزيدية المقدسة!.

كما أشرت الى مضمون المخطوطتين المنشورتين واللغة التي كتب بهما، يولد ليس فقط الشّك وإنما عدم الاعتقاد بصحة“الكتابين” علماً الكثير من المعلومات الواردة فيهما تعبر عن المعتقد الايزيدي، ويروي من قبل رجال الدين في المناسبات.الحقيقة الثانية التي يمكن تسجيلها هنا، هو أنه كان للايزيدية في القرن الثاني عشر الميلادي كتابان بهذا الاسم، إلاً أنهما فقدا وأحرقا في لجة حملات الملاحقة والابادات التي تعرضت لها الايزيدية على مرّ التاريخ المنصرم. ربما بسبب حرق الكتاب في زمن ما، سميّ بـ (مصحف رش = الكتاب الأسود) لأنه أصبح رماداً!!.

إذن، عندما يأتي كاتب وباحث يعتمد على هكذا كتاب فيها معلومات مشوه، فأنه بالنتيجة يخرج بـ “بحث” مشوه وغير علمي!.)
ويؤسفني أن أقول، أن الرسالة تعكس صورة غير صحيحة عن الديانة الايزيدية، وتكرس الصورة النمطية المشوة السابقة عن هذه الديانة من قبل الكتاب: عبدالرزاق الحسني، صديق الدملوجي، سعيد الديوه جي، أحمد تيمور..الخ. كما أن الرسالة لا ترتقي إلى رسالة ماجستير علمية.

مانيلا في 6/شباط/2019

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*