ar

احداث تافهة عاصرتها 8 : صلاح حسن رفو

f

“ئةم هاتن شنگالى. ئةم هاتن ڤى بهارى”
” جئنا الى سنجار…مكان الراحة والربيع”
بهذه الكلمات المؤلفة حديثاً بدء (بلند ابراهيم) حفلـه الغنائي قرب منارة سنجار الاثرية وبأجهزة ومعداتِ غناء بسيطة، تبرع هو بأحضارها ليسعد اهله التواقين لرؤيته. شهرة الفنان الشاب كانت قد سبقتهُ كأحد اهم فناني كوردستان والـُمرحل قِسراً مع عائلته وعوائل اخرى الى كوردستان ابان فشل الثورة الكوردية في سنجار في سبعينات القرن الماضي.
ما لايعرفه الكثيرون عن سنجار انها احدى اهم الاشكالات الادارية منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة، فمساحتها البلدية اكبر من المساحة البلدية لمدينة الموصل وكانت ترتبط بها ادارياً نواحي تلعفر وربيعة والبعاج ومُقدر لها ان تصبح محافظة مستقلة في فترة ما، الا ان القوميين العرب الحاكمين للبلاد راؤا في الفكرة انها غير مستساغة لمحافظةٍ لا تضم فيها الا النُزر القليل من العرب، ففصلوا معظم النواحي عنها وحولوا منفذها الحدودي مع الدولة السورية الى منطقة ربيعة العربية السكان والموالية شيوخها وعشائرها للدولة.
لسنجار جبل يقسمها في المنتصف بعرض 70 كم تقريباً وطول 1435 متر يعلوه ” عمود الاذاعة” _كما نسميه_ الذي يمنع وصول بث القنوات السورية والتركية الارضية الى اهالي جنوب الجبل لما تحمل تلك القنوات من اخبار مناهضة لفكر حزب البعث الحاكم.
البث لا يشمل أهالي شمال الجبل لأرتباطهم المباشر مع حدود الدولة السورية ونتحسر نحن اهل الجنوب على فقدان هذه الميزة، كذلك بيننا وبين “الشماليين” الكثير من النكات والمقالب والطبائع واللكنات المختلفة .
سنجار المدينة تقع في حضن الجبل من الجنوب ويعود بنائها الى عهد الساسانيين وذاع صيتها في عصر الرومانيين الذين بنوا شبكات مياه فخارية لعشرات الكيلومترات من منابع المياه اعلى الجبل انتهاءا بـكانيه كه دري وكانيه عيدو ومناطق اخرى متروكة في الوقت الحالي لقلة منسوب مياه الجبل، ولكون سنجار منطقة زراعية كما هو معروف عنها فقد شيد في مدخله صومعة لجمع حبوب القمح والشعير ومخازن كبيرة تابعة لدائرة الزراعة يسميها الاهالي ” القوة الجوية” اذ بنيت دفاعات القوة الجوية في داخلها في ايام الحرب العراقية الايرانية، خصصت الدولة بموجب مذكرة النفط مقابل الغذاء الاف الاجهزة والمعدات الزراعية من مرشات ومحركات ومواد تقطير ومكائن وانابيب وخزانات مياه لجعل المنطقة تزرع مستقبلاً بسياسة التقطير بعد مواسم الجفاف في نهايات التسعينات ، الا ان مبدا الكفالة وشروط المبالغ المدفوعة سلفاً جعلت مهمة الحصول عليها من قبل الفلاح المتواضع مادياً مستحيلة لتبقى متروكة في ساحات القوة الجوية بالاف الاطنان تنتظر رحمة الحكومة في توزيعها.
فكرة الزراعة بالمرشات كانت جديدة وغريبة على السنجاريين رغم عدم تنفيذها، فمواسم الامطار والثلوج سابقاً كانت كفيلة بنضج المحاصيل الزراعية وارواء الابار الارتوازية، واتذكر جيداً كيف ان الثلوج كانت تعرقل وصول المؤن من سنجار الى بقية القرى والنواحي او بالعكس، كذلك كانت تقطع اتصالاتنا مع العالم الخارجي نحن اهل الجنوب فتقوم اذاعة الجبل المؤقتة في قمة الجبل ببث محلي حتى لا يصلنا بث بقية القنوات للاسباب الامنية انفا الذكر ويكون البث عبارة اشرطة فديو لأفلام مصرية تعاد عدة مرات في اليوم مع برنامج يتيم مُسجل تقدمها الاعلامية فرقد ملكو. “عمود الاذاعة” عـُقدتنا التي حرمت طفولتنا من متابعة افلام الكارتون بشكل منتظم او تعلم العربية باللهجة الشامية كأقراننا اطفال شمال الجبل، برامج الاذاعة الثابتة في اليوم وفي كل ازمةِ مناخ كانت تعرض فيلم (الزمار) ثلاث مرات في اليوم وفيلم( اصدقاء الحب) و(الطريد )مرتين وفيلم (لصوص لكن ظرفاء) مرة واحدة، ويعاد نفس البرامج في اليوم التالي لحين تحسن المناخ والريح، على ذكر (لصوص لكن ظرفاء) قام الاهالي بعد سقوط النظام مباشراً بسرقة ممتلكات الدولة كحال معظم العراقيين واكبر الغنائم كانت مخازن الزراعة والتي فيها كل ما يحتاجه المزارع من محركات ومكائن وادوات سقي كما ذكرنا، وكان يمكن مشاهدة الاف المؤلفة وهي تقوم بسرقات عشوائية مضحكة ومبكية في ان واحد،وكما عرفنا جميعاً فأن احزاب المعارضة العراقية لم تكن تمتلك ادنى برنامج او خطط لأدارة” العراق ما بعد صدام “واتضح ذلك جليا ً حال وصول اولى القوات المحررة لسنجار والتي كانت من ” البيشمركه” ساعدت هي الاخرى واخذت حصتها في عملية شطف ممتلكات المدينة من اية مواد قابلة للمتاجرة والبيع وادركنا في خضم الكلام القليل والسرقات الكثيرة انهم معدومين مثلنا وبحاجة ماسة ايضا لتلك المرشات والاطارات و…الخ من مما يمكن بيعه ، كذلك كانت فرصة حقيقية لهم للتفاعل والتعرف على الناس وطبائعهم والعشائر والمخاتير لجلب مسؤولين عن الادارة والامن للقضاء لكون معظم السنجارين متواجدين في هذا الكرنفال الكبير !

عندما انهى( بلند ابراهيم )وصلته الغنائية الجميلة كانت قوات” البيشمركه “اوصلت ” عمود الاذاعة” الى دهوك وانهت معاناتنا ومحنتنا مع بث القنوات العراقيةّ!.

 

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


3 تعليقات

  1. مراد سليمان علو

    سرد جميل وذكريات مؤلمة .. عاشت اناملك يا رائع

  2. ليست تافهة بل جميلة

  3. الصديق الاعز مرادـ شكرا لوجودك الدائم حولنا .
    العزيز عزت/معظم احلامنا …طموحاتنا تصبح تافهة امام اطماع الاخرين…دمت بخير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*