ar

احداث تافهة عاصرتها 10 من ملاحم الجياع 3 : صلاح حسن رفو

f

 

” صاحب الحلول الانية” هكذا اسميناه صاحبنا (خليل)، اذ يجمع من كل فردٍ منا 500 دينارٍ عراقي ويضعها في كارتونة تحت سريره كتب عليها: (صندوق دعم الفقراء)!.
مجموع المبلغ اصبح 3000 الاف دينار وهو المصروف الاسبوعي لتسوقنا من خضار والبان ومشتقاتها الى نهاية الاسبوع. ما ان نضع النقود في يده حتى يأتينا بقنينة عرق محلية ونصف دجاجة ويضعنا امام الامر الواقع ويصدح صوته في وسط الهول الجامع لغرفنا الثلاث: ايها الباحثين عن النجاح والمعرفة…ابدؤا اسبوعكم بحماس وبطنٍ مليء وعقلٍ رائج ولتخسأ كل ايام الاسبوع القادمة، وبالفعل عضة لحمٍ وملعقةُ “سوب” ورشفةُ عرق وتبدأ مصائب الاسبوع المفلس بعد خطط خليل المعتادة.
لا يتوارى خليل كثيراً في جلب طلاب عرب اغنياء الى الشقة لتدريسهم احدى المواد التي ادعى خليل فهمها بصورة اعمق وافضل، فهو يدرك بتواجد طلاب سبقوه بسنة او سنتين في اختصاصات الهندسة المدنية والميكانيكية والكهربائية مؤكد سيجدونَ حلولاً لأسئلته واستفسارات رفاقه السودانيين والاردنيين واليمنيين بالاضافة لأسلوب الاقناع الذي يمتلكه خليل وان كان غير ملمٍ بشكلٍ كامل في الموضوع الذي يناقشه ،وهذا ما كان يحدث غالباً معه ومع جارنا البقال” ريان المسيحي” عندما كان يجلب خليل منه وبالدين الاجبان الدنماركية والنمساوية الباهضة الثمن في زمن الحصار الاقتصادي، يأتي بها خليل لنتذوقها وبعدها نلعن الساعة التي عرفنا فيها خليل عندما يخبرنا بسعر السلعة اللامنطقي و الغالي جدا مقارنة مع دخلنا المحدود.
يستخرج صديقنا وبحكمة بعض الاسئلة القديمة والمحلولة من الاقسام الهندسية المختلفة ويبيعها كمفاتيح نجاح للطلاب العرب في الهندسات التقنية ويعطيهم طرق حلها بتمهل بجلسات مطولة في مطاعم ( النجوم ) و( العباسي) ويجلب معه وجبات دجاجة “سفرية” هي كأيام الاعياد لرفاقه في الشقة.
عندما يذهب خليل مع اهله مجبراً في العطل الصيفية الى منطقة ربيعة من اجل الزراعة ينسق مباشراً لجلبِ الحاجات المنزلية بالدفع الآجل من احد وكلاء الجملة في الموصل ويفتح” كشكاً” يبيع هو الاخر بالدين لحين نضوج وبيع محصول المزارعين الذين يجاوروه …قد لا يربح شيئاً…وهذا وارد جدا، لكن ماهو مهم بالنسبة له ان لا يعمل في الحقل ولا تحرقه اشعة الشمس القاتلة في ربيعة ويتجنب امراض الملاريا والتيفوئيد المنتشرة بكثرة هناك.
هذا ملخص ايام خليل الهارب من بؤس وشقاء الايام في بساتين ربيعة .

اما رفيقنا الاخر (زياد) معروفٌ عنه هدوئه الفطريِ وسخريته في احرج المواقف واقساها وحبه المفرط للباذنجان!، قليل المبادرة… صامتٌ طوال الوقت وحينما يـُطلب رايه لديه طريقة تفكيرِ مختلفة بأتجاه القضايا و بأسلوبٍ ورؤية جديدة، وهذا ما حصل عندما استشاروه جيرانه وشركاءه تلك السنة في بساتين ربيعة التي يقصدها زياد كل سنة من اجل جلب ايجار غرفته ومصاريف سنته الدراسية في كلية الهندسة، اذ اخذته قسمة الحياة هذه السنة الى منطقة” البيادر” وفي ارض قريبة من نهاية ما يسمى بـ” الخط السريع” والذي منه تتفرع “جوابي” الماء للمزارعين، وعادة تكون نهايات الخطوط شحيحة المياه لكثرة الانقطاعات والسدود الوهمية التي يعملها المزارعين الذي يقطنون الخطوط التي تسبق هذه الاراضي من اجل ارواء شتلاتهم في الفترات الاولى للنمو.
الجميع يشتكون من زياد كونه لا يبادر ولا يتفقد الشتلات الصغيرة التي ستموت عطشاً بعد مرور اسبوعين دون ماء، وفي معمة الشكاوى والتذمر يتكلم زياد بصوت خافت لا يكادُ يـُسمع: ما استطيع فعله هو ايقاف عمل ” الطوافة” التي تتحكم بكمية المياه القادمة من الخزانات الرئيسية ، وبعدها سيصلنا كميات ماء كافية حتى لو اخذ المزارعين من الخطوط الاولية كفايتهم من الماء.استغرب الجميع من هذا الحل المثالي والذي سيغنيهم عن مراقبة خطوط الماء والسقي في ان واحد وينقذ الشتلات من الموت عطشاً.
قبل منتصف الليل بقليل كان زياد قد اخذ معه بقايا اسياخٍ حديدية وحصى ناعمة واحجار ووضعها بطريقة ما في طوافة الخزان الرئيسي الذي يبعد مسافة كيلومترين تقريبا عن البساتين ، قفز زياد عدة مرات بوزنه فوق الطوافة لـلتأكد من عدم قدرة احد فكها دون ساعات عمل وجهد وذكاء.
كان الماء كان سبقه الى البستان عند وصوله الى خيمته المتواضعة والتي يفكر زياد في بناء كوخٍ طينيٍ اكبر حال اخضرار نبتات الطماطة في الاسابيع القادمة، طلب الجميع وبأبتسامة رضا من زياد النوم كمكافاة له وسيقومون هم بـسقي بستانه هذه الليلة بعد عمله البطولي.
قبل ساعات الفجر الاولى كان زياد في حلم وردي جميل وهو يرى صورة انعكاس القمر واضحة على الارض من تلك الفتحة الصغيرة في الخيمة، الا ان الحلم اصبح سريالياً عندما راى فردة حذائه تطوف على شكل قارب فوق الماء الجاري تتبعه بعض اواني الطبخ واوراق دفاتره التي احضرها معه، فزَ زياد من فراشه ليتفحص الامر بعدما ان لاحظ انه ليس في حلم وان جميع الفلاحين المتعبين من السقي قد ناموا بعدما جهزوا فتحات الري للأرض المشتاقة للماء.
قام زياد بأيقاظ الجميع ولم تسعفهم كل الحلول المرجوة والمستعجلة لأنقاذ تلك الشتلات التي اقتلعت من التربة من كثرة وكمية المياة الجارية ليعود زياد وجيرانه خاليي الوفاض بعد الحادثة بأسابيع الى بيتهم.
قدم زياد اوراق تأجيله لتلك السنة الدراسية من جامعة الموصل بعد عودته من بساتين ربيعة مفلساً مع ابتسامة ساخرة قلما تفارقه .
حصل زياد مؤخراً على شهادة الماجستير من جامعة نبراسكا ويعمل الان في حقل البحث العلمي كطالب دكتوراه هناك ، اما خليل فيعمل حالياً مع شركة DEMTIC بعد حصوله على الماجستير من جامعة مشيغن في الهندسة الكهربائية….

 

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*