ar

شطحات فكرية على ما ورد في نصوص دينية ايزيدية! : د. خليل جندي

f

 

في كتابي المعنون (به رن ز ئه ده بى دينى ئيزديان- صفحات من الأدب الديني الايزيدي) عالجت في أكثر من مكان مفهوم (لالش أو لاله ش) الذي يأخذ حيزاً كبيراً وقدسياً ضمن النصوص الدينية وفي الميثولوجيا الايزيدية، إلاّ أنني في مبحثي لم أتوقف عند جذور لفظة (لاله ش) كما فعل بعض الكتاب، أذكر منهم: الأستاذ المرحوم أحمد ملا خليل(له الذكر الطيب)، الأستاذ عبدالرحمن مزوري، والأستاذ خدر سليمان، بل حاولت التوصل الى معنى (لالش-لاله ش) من خلال تحليل النصوص الدينية والبعد الفكري لها، والذي يعني (المطر/الماء المختلط بالنور والهواء القادم من السماء/الخالق) وتفاعل تلك العناصر مع (التراب/الأرض) بحيث تنبت النباتات والحشائش، علماً أن لتلك العناصر الأربعة آلهته/آلهتها الخاصة قديماً وما زالت آثاره باقية ليومنا هذا في رحم ميثولوجيا الايزيدية. تقول بعض المقاطع من نص ديني:

29- بعد أربعين سنة بالتمام والكمال /به عدى جل سالى بهزماره
لم تجد الأرض لها هدوءاً ولا إستقراراً /عه ردى لخورا نه كرتبوو حشاره
إلاّ بعد نزول لاله ش عليه! /هه تا موحبه تا غه رزا نورانى بنافدا نه دهناره.

30- بنزول لاله ش /لالش كو دهاته
إخضرت الأرض وإمتلأت بالنباتات /لئه ردى شين دبوو نه باته
وزيّن الكون به /بى زه يناندبوو جقاس كنياته

31- بعد أن زيّن الكون بلاله ش /كو كنيات بى زه ينى
التراب والماء والهواء والنار مع بعضهم / ئاخ و ئاف و ئاكرو بايى تيكهنجنى
وخلقوا قالب آدم منهم /قالبى ئاده م بيغه مبه ر بى نزنى.

32- صعد إلهي ومعه الخلان الأربعة السفينة /به دشايه و هه رجار ياره
صعدوا السفينة /لمه ركه بى دبوون سواره
طافوا جهات الدنيا الأربعة /سه يرى بوون جار كناره
جاءوا ووقفوا في لاله ش، قالوا : هذا هو المكان الحق!! /للالشى سه كنين، كوتن:ئه فه هه ق واره!
(يراجع كتابي: به رن ز ئه ده بى دينى ئيزديان- صفحات من الأدب الديني الايزيدي- المجلد الأول، مطبعة سبيريز/ دهوك 2004، ص166 و 240)

حسب المفهوم الميثي الايزيدي لم تهدأ الأرض، ولم تظهر عليها الحياة إلاّ أن نزل عليها (خميرة الحياة = هيفين Hêvên) أو كما يقال (سرّ سنة الحياة= سورا سونه تى = Sura sunetê).
يلاحظ من معتقدات الكثير من الشعوب القديمة إعتبار السماء شيئاً مقدساً وعنصر إيجابياً إضافة الى كونه يوحي أنه يحمل المواصفات الذكورية، عكس الأرض الذي يظهر كعنصر سلبي ويعكس الجانب الانثوي (لاحظ على سبيل المثال الحوار بين الأرض والسماء في النص الديني ” قه ولى عه رد و ئاسمان= الحوار بين الأرض والسماء، ص207-212 من كتابنا: صفحات من الأدب الديني). يجوز أن تكون تلك ( الخميرة = هيفين) هو (المطر-الماء) ، لأن سقوط المطر على الأرض يؤدي الى ظهور الأعشاب والنباتات والزرع، أي إنبعاث مظاهر الحياة. يبدو أن المعتقد الايزيدي حينما يوصف (لاله ش بخميرة الكون) يعني أنه يعطيه رمزية (المطر/ الماء) وبهطوله ونزوله الى باطن الأرض يجعله حامل.( يراجع كتابنا: صفحات من الأدب الديني الايزيدي، مصدر سابق، المجلد 1، حاشية ص 166)
سألت من علماء الدين الايزيديين الفقيد الراحل (فقير حجي) و (فقير خدر بركات) حول قدسية لالش، فذكروا أن هنالك لالشين، إحداهما في السماء والثانية على الأرض، وأن لالش السماء هو الأقدم ولم تظهر الأعشاب والنباتات ومظاهر الحياة إلاّ بـ ( نزول لالش) على الأرض!.
إن ظهور مظاهر الحياة من خضرة ونباتات مع نزول (لالش السماء) على الأرض يدفع الفرد أن يربط بين مفهوم لالش ورمزيته مع رمز إله المطر أو الغيوم والهواء، لأنه لا يحدث عملية الإنبات من دون المطر/الماء إضافة الى وجود شروط أخرى كالتربة والهواء والضوء وغيره. لقد كان الأرض يابسةً باهتةً قبل نزول (لالش) عليها!.
يتبادر هنا إلى الذهن، أن (لالش) هو رمز إله المطر والغيوم والهواء والصواعق، لأن النباتات لا تنبت من دون الأمطار والمياه والرطوبة. وتقول الاسطورة أن الأرض كانت يابسة جرداء قبل نزول (لالش) عليها!. وبناءً على هذه الفكرة، أو (الفرضية/أو النظرية) التي توصلت إليها لمعنى (لالش) كونها تدل على رمزية المطر/الماء وذلك من خلال تحليل بعض النصوص الدينية الايزيدية، تذكرت تحليل العالم الديني المرحوم فقير حجي بن فقير شمو حول مفهوم (لاله ش) حينما قال بما معناه: حدثت قصة بين الشيخ آدي وسرّ الملك الشيخ حسن (شيخ سن) بحيث عرف (لاله ش الأرضي) بإسم الشيخ آدي و (لاله ش السمائي) بإسم الشيخ حسن!… ربما يسأل البعض كيف يحدث ذلك والجميع يعرف أن الشيخ سن (الأرضي) يعتبر إبن أخ الشيخ آدي (الأرضي)؟!. هذا صحيح من الناحية التاريخية، إلاّ أننا نتحدث عن الفكر الديني الايزيدي المتداخل مع الميثي القديم والذي يتجلى لحد الآن في العديد من الطقوس والعادات التي تمارس بين الايزيدية. حسب الطقوس يعتبر الشيخ سن (أماً) للشيخ آدي وهو ما يصطلح عليه (داي و دوت = الأم والبنت) رغم ذكورية الاثنين، كما يعتبر الشيخ آدي (مريداً) للشيخ حسن:

الأم مريدة لإبنتها، وإبنتها هي أمها /داى مريده، دوت دييه
قولوا لي أيهما أقدم: الشيخ آدي أم الشيخ سن؟!/بيزنه من: كى ز به رى كييه؟!
(المقطع (11) من النص الدين (قه ولى بى و ئه ليف)، إنظر كتابي، مصدر سابق، ص 236)
* * *
ويأتي الشيخ سن في السلم الديني شيخاً للشيخ آدي، تقول أحد النصوص الدينية:

اوجد (خلق) الشيخ آدي له شيخاً /شيخ ئادى شيخه ك راكر
بنى له الأرض والسماء / ئه وى ئه ردو ئاسمان بورا ئافاكر
وأدخل الفرح والسعادة في قلوب أتباع آدي / دلى ئه عه ويا بى شايى و شاهكر.
(السبقة 31 من ق. كانيا مارا/شيخ ئادى شيخى شارا. يراجع كتابي: صفحات من الأدب الديني الايزيدي، مصدر سابق، ص452)
* * *
وتقول الميثولوجيا الايزيدية ومن خلال أحد نصوصها الدينية أن الإله خلق لأول مرة (الشيخ سن) من الدرّة البيضاء:

خلق إلهي بنفسه الدرّة البيضاء /به دشى من بخو ئه فراندبوو دوره
ألقت الملائكة عليها نظرة /ميرا نه دهر بى دايه
وخلق الشيخ سن من تلك الدرّة! /زى جيكر شيخى حه سه ن لمه سته فايه.
(السبق 6 من النص الديني ق. بى و ئه ليف. راجع كتابي: صفحات من الأدب الديني الايزيدي، الطبعة الثاني، دار سبيريز/دهوك 2013، ص253)
* * *
وفي ميثولوجيا بعض شعوب الشرق القديمة يعد (آدد- آدي- هدد) كإله المطر والهواء والبرق، أما (سن) أو (أنليل) فكان يعرف كإله الهواء. يلاحظ لحد اليوم أن تسليم علاج بعض الأمراض التي لها علاقة بالروماتيزم، حسب المعتقد الديني، هو بيد شيوخ الشيخ حسن، يقال ( بايى سبى أو بايى سور= الهواء الأبيض والهواء الأحمر!) ويبدو أن له علاقة ببعض أنواع الروماتيزم.
من هنا يبدو لنا، ميثولوجياً أو حسب الفكر الديني، أن (لاله ش) يحمل رمزية إله الهواء والمطر والغيوم (لاله ش السماء)، كما أنه يحمل رمزية إلهة الأرض (لاله ش الأرضي). إضافة الى ذلك يرمز الى إله النور. ومن المعروف أن جميع الكائنات الحية والنباتات لن تخلق ولن تعيش بدون العناصر الأربعة المعروفة.
لاله ش ، كما يقوله علم الدين الايزيدي، هي خميرة الأرض! ومن تفاعل “الخميرة” مع مادة أخرى (خميرة + حليب= لبن) ، (خميرة + طحين وماء= عجين) ، حيوات الذكر+ بيوض الأنثى= كائنات حيّة سواء بشراً كانوا أم حيوانات. وتفاعل المطر/الماء + الأرض وبمساعدة عناصر أخرى كالنور والهواء= الأعشاب والنباتات. يعتبر المطر/ الماء خميرة الأرض ويلعب نفس دور الحيوانات المنوية للذكر. لن يصبح الأرض (حامل) بأصناف الأعشاب والنباتات من دون وجود المطر/ الماء ، ولن يعيش الانسان على كوكب الأرض بدون الحياة النباتية!.(راجع كتابنا، مصدر سابق، المجلد 1، الحاشية رقم 2، ص239-240)
أن مفهوم (لاله ش) الديني/الميثي الذي أوردناه يعزز ما ذهب اليه الكاتب عبدالرحمن مزوري في أحد أبحاثه كون (لاله ش) تعني المرج الأخضر، الغوطة الخضراء المليئة بالزنابق ، معبد النار والنور، المعبد النوراني. (عبدالرحمن مزوري، لاله ش: دراسة لغوية تاريخية في جذر الكلمة، مجلة روز، العدد 5&4 لسنة 1998، 86-87).

خليل جندي
مانيلا في 22/9/2019

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


تعليق واحد

  1. تحيةً طيبة
    أستاذي العزيز
    ! ـ [ شيخادي شيخةك جيكر، نافًيَ خؤ يي شرين لي كر ) هذا تأكيدٌ على أن الشيخ عدي بن أبي البركات قد سمي بنفس إسمه ( شيخادي بن مسافر) ولهذا تداخلت عندنا الأزمنة والأسماء , وتراني أنا أؤكد على أهمية الثاني بالنسبة للئيزديين
    2 ـ دوت وداي هما الشمس والقمر
    3 ـ هيفين الأرض هو ( الماء) وليس لالش , ونحن نعتقد أنه من كانياسبي أولاً وبعد ذلك تكون الكون والامطار التي هي مصدر الماء العذب
    وشكراً

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*