ar

في هذه الايام المباركة يعيش ابناء المكون الايزيدي فرحة عيد جما لالش : عزيز شمو الياس

f

نظرا لعلاقة مضمون زاويتي ( شؤون وشجون أيزيدية 26) المنشور قبل أعوام خلت بالموضوع نعيد نشر الموضوع نرجو أن تنال رضاكم ..

عزيز شمو الياس
azizelyas02@mail.com

(مام جانكير)

في صباح أحدى أوائل أيام شهر تشرين الاول من عام 1991 الباكرة بينما كان أبناء الديانة الايزيدية يستعدون لاحياء مراسيم (جما) في معبد (لالش) المقدس – قبلة الايزيدين – في العالم أجمع، حل السيد (العم جانكير الذي جاوز عمره عن ثمان عقد) ضيفا على بيت شقيقي (دخيل) في مدينة دهوك (مقيم الان هو وعائلته ومنذ نهاية 1997 في عاصمة الولايات المتحدة الامريكية واشنطن).
الصدفة لعبت دورها في أمر هذه الضيافة، فما أن عبر (العم جانكير) الجانب التركي من الحدود في معبر (أبراهيم خليل) كان قد طلب بلغة كورمانجية أصيلة – لهجة أيزيديي (أرمنستان وجورجستان) سواق الخط (التاكسي) أيصاله الى معبد (لالش) بأقصى سرعة وبأجرة يطلبها ..
رغم معرفة السائق الذي كلف بمهمة أيصال العم كافة المعلومات الصحيحة عن جغرافية المنطقة برمتها كونه من أهالي أحدى قرى قرب مركز مدينة دهوك، فقد كان يعلم بموقع المعبد الواقع ضمن المناطق المحررة من أقليم كوردستان عكس بلدة (عين سفنى) مركز قضاء الشيخان (10كم جنوبا) وأغلب القرى والقصبات الايزيدية الاخرى التابعة لها حيث كانت لا زالت تحت سيطرة وحدات الجيش وقوات النظام المقبور الامنية وكانت أشبه بمناطق عسكرية مغلقة وغير مستتبة أمنيا الا أن الطمع كان سببا لقيامه بهذه المهمة، حيث طلب بأضعاف المبلغ المقرر (الاجرة) وقد وافق العم على الفور طالبا منه السرعة القصوى كي يلحق القيام بأداء المراسيم الدينية الجارية في المعبد ليحقق مراده مع علمه اليقين أنه لا يزال يفصله يومان كاملان على بداية أداء مناسك الحج رسميا، كان يعلم في قرارة نفسه السبب الحقيقي من توسلاته المتكررة للسائق كونه كان قد أحس بنوع من الارباك والخوف بعد أن تابع مواقف السواق وسمع من خلال أحاديثهم كلمات مبهمة وأيحاءات لم يفهمها بخصوص سفره هذه ..
أثناء السير في الطريق الذي أستغرق لاكثر من ساعة، أقتنع (العم جانكير) بالمقترح المنطقي للسائق حيث تسهيل المهمة وذلك بتسليمه لعائلة أيزيدية تسكن معاه الحي نفسه في مدينة دهوك وكان قد تعرف على جاره الايزيدي من مشاهدة التلفاز حيث كان يعمل مذيعا في قناة تلفزيونية محلية وكان أمر تقديمه لاكثر من برنامج ثقافي وتراثي ناجح سببا في شهرته لاغلب سكان المحلة والمدينة أيضا ..
رغم كونه (مام جانكير) رجلا مسنا (ذا شارب أبيض كث كان يملك بشرة نضرة) لا يجيد القراءة والكتابة الا أنه كان يفرح فرحا عظيما عندما كان يسمعني وأنا أتحدث اليه عن مقتطفات من أخبار الايزيدية (جاليات أرمنستان وجورجستان) وعن معلومات متواضعة عن أذاعة (أيريفان) والعاملين فيها ومذيعيها وعن مراحل أصدار جريدة (ريَيا تازه) وعن المواضيع التراثية التي كانت تنشرها (رييا تازه جريدة كانت تصدر باللغة الكوردية الحروف اللاتينية والروسية في ثلاثينات القرن المنصرم) وعن أعلام خالدين وشخصيات أيزيدية مؤثرة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة وعن ألاوائل أمثال البروفيسور (عرب شامؤ) ومؤلفاته القيمة (الراعي الكوردي وقلعة دمدم) و(حاجي جندي) وروايته الرائعة (هاوار-الصرخة) التي كانت بمثابة المراة الواقع الايزيدي أثناء وبعد الحملة العسكرية (فه رمان) التي كان يقودها سلطان عبدالحميد لابادة الايزيدية عن بكرة أبيها وعن دور المؤرخ الاستاذ (ئؤرديخان جليل) ومجلده الخاص بالقصص التاريخية وألاغاني الفلكلورية الاصيلة للايزيديين وعن أعلام وشخصيات أخرى، أما العم فقد كان يتذكر أحداث فرمان -حملة الابادة التي تعرض لها (الايزيدية -الارمن عام 1915 – رغمه كونه حدثا) المعروفة تاريخا بحملة (أبادة الارمن) كشاهد عيان عاش هذه الحقبة المظلمة من التاريخ مع أهله وأقاربه وأبناء ديانته الذين هجروا موطنهم جبرا، كان يتحدث في أدق تفاصيلها ويذكر أسماء الشخصيات وأماكن وقوع الاحداث، يتحدث عن الجرائم التي أرتكبت بحق القرويين الايزيديين المدنيين المسالمين لا لشيْ فقط لكونهم يدينون معتقد خاص وديانة مخالفة، كان يتحدث بكل حسرة عن قراهم المنتشرة في أطراف مدن وأقضية (سرحد) و(وان) و(أمد) و(ماردين) و(باتمان) و(جزيرة) و(نصيبين) و(مديات وعنتاب)، كانت الدموع تنهمر من عينيه دون أرادة وهو يقص أخبار بني جلدته الهاربين من بطش حكام وعصابات الدولة العثمانية وجندرمتها المجرمين، تلك الدولة التي كانت في مرحلة الاحتضار أثناء وبعد الحرب الكونية الاولى، يتحدث عن دورهم وبساتينهم وأراضيهم الزراعية ومواشيهم حيث أجبروا على الرحيل والهجرة مرغمين تاركين كل ممتلكاتهم للمهاجمين والقتلة، تحدث (العم) عن قسوة تلك الايام والظروف الصعبة خاصة عن الشهور الاولى من مرحلة مكوثهم في بلاد الغربة والتي أصبحت أمرا واقعا فيما بعد وبمثابة موطنهم الرئيسي بعد عقود من ألاستقرار والعيش فيها ..
بقي أن أقول، لقد تحققت أمنية (مام جانكير) وهو حي يرزق حيث كان أمله الوحيد زيارة قبلته (معبد لالش) والحج فيه قبل أن يلبي دعوة الرب وتسلم ألامانة، لا أبالغ أذ أوصف ساعة وداعه حيث لم أتمالك نفسي حينما ورد مسامعي كلمته الاخيرة والتي كانت أشبه بالنصيحة :
-سعدت وفرحت كثيرا وأنا أرى بقايا أبناء وأحفاد (وه لاتى خالتا)، لقد تمكنا نحن الايزيديين وبعون لله وأرادة (طاووس ملك) هزم الاعداء وأذلال (الفرمانات) الواحدة تلو الاخرى بصبرنا وتحملنا وتضحياتنا، لا أكتم عنك سرا أذ أقول أن أشد مخاوفي الان هو من أعمالنا وتصرفاتنا الغير اللائقة والتي تؤدي بنا نحو مصير مجهول والانصهار، يا خسارة في الكثيرين من الجيل الايزيدي الحالي الذي فقد خصوصيته وأصالته بتقليده الاخرين، يا حسرتي فنحن الايزيدية نسير نحو الانقراض بأرجلنا وبكامل رضانا ونحن نقلد عادات وتقاليد الاخرين …
الغفران على روحك الطاهر
الرحمة على ذكراك الطيبة
أيها العزيز (مام جانكير) تنبؤك كان في محله
الضياع أصبح عنواننا
(للاسف

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*