ar

أحداث تافهة عاصرتها ١٢: صلاح حسن رفو

f

ضحايا الحروب
_ اُدخل إلى منزلنا…اترجاك…اُدخل واسترح قليلاً لأحضر لك الغداء.
_لماذا أدخل…ما الذي حدث؟!…ويلتفت صاحبنا لرفاقه بعد نظرات موافقة ،وخوف، وذهول، واستغراب منهم ،ومن طلب النسوة الغريب في تلك الظهيرة: أنا لم أدخل منزلهم يوماً …فأنا أخجل.
حينئذ خرج رجلٌ مسرعٌ من المنزل_ يتضح إنه رب المنزل_ وطلب من صاحبنا الدخول في حين خرج هو للشارع يضرب كفاً بكفٍ ويتمتم مع نفسه..دخل صديقنا ذلك الدار أو ادخلوه أهل المنزل بعد الحاح أو عنوة ولحقنا نحن خطوات الرجل المسرعة وصوتٌ من بعيد يصلنا ويتضح شيئا فشيئاً: ” الله عطانو والله أخذو”!.

بعد أيامٌ كسولة وخاملة استمرت لأشهر استؤنِف الدوام للعام الدراسي 1990_1991 بعد حرب الخليج الثانية التي اسمتها الحكومة العراقية آنذاك” أم المعارك”. زُحفت نتائج الفصل الأول لأحد الفصول الدراسية الأخيرة وحُسبت تكرار الدرجات حتى أنهينا العام الدراسي شكلياً مع أسابيع دراسة إضافية. فترة الحرب القصيرة كانت قد غيرت الكثير من معالم الحياة في مدينة سنجار، إذ تجد في بداية أو نهاية كل زقاق قد بُنيَ ” تنورٌ طيني” بعد أزمة انقطاع الغاز الخانقة، إذ استعان الأهالي بأشجار البلوط والصنوبر من الجبل للتدفئة ،والطبخ. الحديث العام كل مساء كان عن قلة الأكل ،والمؤن ووقف إطلاق النار، وأمل عودة الكهرباء، والتلفزيون للبيوت بعد أشهر من انقطاعهما. كنّا نسمع من الإذاعات الأجنبية عن ثورات ،ومعارك يقوم بها أهل الجنوب والشمال ضد النظام القمعي في بغداد، وكنا نمنِّي النفس أونظن أننا سنكون بعد حين جزءاً من ثورة الشمال القريبة منا فكراً ووجداناً، و رؤيةً.
عندما انقطع البنزين أو لم تستطعْ الدولة توفير بعض محتوياته عوّض السواق مادة الكاز الثقيل بدلاً من البنزين في الحالات الطارئة جداً رغم استهلاك ،وعطب محركات السيارات بعد ذلك بفترة وجيزة لكن للضرورة أحكام، هذه الآلية جعلت محركات السيارات على الأغلب تصدر أصواتاً قويةً “چيلات” شبيهة في قوتها صوتَ المفرقعاتِ أو إطلاقات الرصاص، لذا ترى أحدهم بعد كل صوتٍ قوي يقول ” هاتن…هاتن”(جاءوا…جاءوا) دلالة على اقتراب البيشمرگه إلى سنجار،أو أملا منهم في ذلك !_سخر السنجاريون بعدها بسنوات من سذاجة تفكيرهم وضيق أفقهم السياسي حينذاك.
كانت العودة إلى مقاعد الدراسة المتوسطة بعد أشهر من الانقطاع شيئاً مربكاً ،ومتعباً ،لكن هذا لم يمنع بأن نبقى لساعاتٍ إضافية بعد الدوام الرسمي لنلعب كرة القدم في الساحة الإسمنتية للمدرسة، نبقى حتى الثانية ،أو الثالثة ظهراً لنغادر كمجموعة في الطريق نفسه المعتاد عليه …نسلك طريق روضة المدينة في البدء، بعدها بمسافة قصيرة وحال صعودنا الطريق باتجاه الجبل سيودِعُنا بيتروس، وغازي ذاهبين إلى “سوق الفوق” وسننعطف نحن يساراً مع أول فرع حيث بيت محمد و في نهايته فرع اتحاد الشباب_ المغلق دائماً! _ ومنه ندخل سوق المدينة الرئيسي، بعد زقاقين أو ثلاث سيغادرنا عزيز ،وسعد عند ” فرع القصابين” لنمضي بالمسير لحين وصولنا لحي” بربروش” القديم ليودِّعنا هادي، وهو آخر رفاق اليوم ،وأمضي مع وحيد، وعزت، وحسين إلى “حي النصر “حيث أبعد أحياء المدينة عن السوق والمدرسة.
في إحد الأيام التي لا تُنسى كنّا نحاول أن نخبئ بسذاجة بالغة صديقنا قصي في رحلة العودة المتأخرة بعدما رأينا والده على غير العادة ذاهباً من عمله في(دائرة الزراعة) الى السوق لحدث طارئ نجهلهُ وسألنا على الرغم من انشغاله :” منو هذا المتخبي؟”. ظهر قصي باستيحاء بالغ :”لا …أنا ما متخبي …نحن عنصطندغ صديق ودنغوح على بيوتنا”.
لم يؤنب السيد هاني ابنه، او غضب كما يفعل معظم آبانا أو لم يتسنى له ذلك لأنشغاله التام كما يبدو…فقط أوصاه بالرجوع باكراً إلى المنزل حال تفرغه.
في الطريق أطلنا المديح عن والد قصي الذي لم يعنفه رغم تأخره غير المُستحَب إلى أن وصلنا على مقربة من زقاق صديقنا محمد، فإذا بأحد الأبواب يُفتَح، وخرجت امرأتان…نطقت إحداهن بإرباك بالغ: “محمد تعال فوت عدنا واستغيح…غاح اصبلك الغدا وبعدين غوح للبيت”.
_ عليش افوت عدكم…ليش اش كن صاغ_ يرد محمد_.
وبعد نظرات موافقة وذهول وخوف واستغراب منا نحن رفاقه الحائرين مثله حدثنا محمد:” أنا بعمغي ما كن طبيتو لبيتم …واستحي هسا أطب.
حينذاك خرج رجلٌ مسرعٌ من المنزل وطلب من محمد الدخول في حين خرج هو مغادراً نحو المحلة بدشداشته البيضاء، وخف شبه مقطوع يضرب كفاً بكفٍ ، ويتمتم مع نفسه، لحقنا به بهاجس الخوف والفضول بعدما ان دخل محمد كالمسحور إلى ذلك المنزل القريب من داره.سارعنا الخطى إلى أن وصلنا للرجل الذي لم يشاهدنا وهو يبكي بأنين مصاحب ٍ( إنا لله وإنا إليه لراجعون…إنا لله وان إليه لراجعون).
كانت الناس متجمهرة أمام منزل الحاج ياسين_والد محمد_ إذ جيء بتابوتٍ خشبي لابنه الشاب العسكري في إحدى النقاط الشمالية من أرض هذه البلاد.
في خضم صراع بين جيشٍ جائعٍ عارٍ يحاول الهروب من الموت ،وبين رجالٍ تواقين للحرية من نظام قامعٍ لكل شي…أو أدنى شي. تبحث الإطلاقات الطائشة عن اجسادٍ قد لا تكون أهدافاً حقيقية بقدر كونها هي الأخرى ضحية كحال معظم الساكنين في هذه البقعة المجنونة…وصلت جثة الشاب بعدما ظن جميع السنجاريين أن المدينة قد تكون خالية في هذه الحرب من الخسائر البشرية، و بين بكاء الحاضرين ونواح النساء رفع الحاج ياسين يده العريضة القاسية والقوية ملوحاً للجميع بالسكوت والهدوء :” لحد يبكي…الله عطانو…والله أخذو…الله عطانو…والله أخذو”.

 

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*