ar

تأمـــــلات فكريــــــــــة -1- التضحية بالقرابين البشرية/الإبن : د. خليل جندي

f

 

وأنا أعيد بين فترة وأخرى قرأة كتاب: “فيدا/نصوص هندوسية مقدسة” ، وخاصة “أوبا نيشاد” نصوص مختارة، القسم الأول “سرّ الموت” وإذ بنصوص تستوقفني وتذكرني بقرأتي لنصوص دينية ايزيدية تحمل نفس المفاهيم، وتقود إلى عين المعاني تقريباً، وإن إختلفت الأسماء والكلمات وصياغة الجمل. هذا ما أتطرق اليه وأحاول معالجته في متن المقال.
جولتي التأملية في هذا المقال هو التوقف عند ثلاثة مفاهيم دينية متقاربة إلى حد كبير واردة في نصوص دينية هندوسية (فيدا-اوبا نيشاد) ونصوص دينية ايزيدية (قه ولى علمى نادر- قه ولى به حرا- قه ولى براهيم خليل).

من “فايا سرافاسا” الـــــــى “إبراهيم الخليل”
ومن “ناخيكتيا” إلــــــــــى “إسماعيل”

نقرأ في كتاب الفيدا المقدس/اوبا نيشاد/القسم الأول، حول “سرّ الموت” عن كاهن هندوسي إسمه “فايا سرافاسا” يؤدي طقوسه الدينية بسرور راجياً رضاء الآلهة التي اشترطت مقابل أن لا تتقصده بشرّ:
أن يتخلَى عن كل ما يملك
وأن يكون دائم التقرب إليها بتقديم القرابين
على أن لا يكون فيها ماشية ضعيفة أو عمياء أو عرجاء أو هرمة أو عقيمة
“ناخيكيتا” الإبن الأصغر لـ “فايا سرافايا” عدّ نفسه مِلكاً لأبيه، ولما كانت الحقيقة، التي لا يعرفها الناس إلاّ في الكُتُب، قد أنارت قلبه، فكًر بينه وبين نفسه وقال:
مَن يقدّم حيوانات هزيلة كقرابين لن يعرف الضياء
وسيُحكُم عليه بالخلود في حلكة الظلام المدلهم
يا أبي، إنّي وهبتك نفسي لتفعل بها ما تريد
وستجدني من المطيعين الخاضعين، فلمن ستهبني؟
إلتزم الأب بالصمت ولم ينبس
ألحّ الإبن في السؤال، وأصرّ عليه
وأعاد سؤاله مراراً إلى أن فقد الأب زمام السيطرة على لسانه، فقال:
إلى آلهة الموت سأهبك
تسأل الإبن في نفسه:
إني أحسن أبناء أبي وأفضل تلاميذه وأكثرهم محبّة من الناس
فما جدوى أن أغدو قُرباناً لآلهة الموت؟!
فقد قرر الابن بأن يطيع أباه، وأن يتقبل ما يأمر به، وقال:
يا أبي لا تندم
لا تتردد بتنفيذ وعدك
فكر ملياً كيف مضت وانتهت حياة من عاش قبلنا
تأمل كيف تمضي حياة من يعيش الآن، وتنتهي
يا أبي، أنّ الإنسان ينضج كما تنضج الحبوب
وتسقط أجزاؤه كما تسقط البذور على الأرض
وعندما يحين الموعد نجد أن الذي سقط، نبت ونما من جديد.

في المقابل دعنا نقرأ في القصة المتداولة بين الايزيدية حول نمرود وإبراهيم إبن آزر عندما رموه بين النار، حينها دعا إبراهيم ربه أن ينجوه من النار مقابل أن يضحي بأغلى ما لديه. تمر الأيام والسنين يلتقي ابراهيم بإبنه اسماعيل الذي ولدته أمه هاجر المطرودة في مكان أطلق عليها (مكة)، فعندما تعانق الوالد مع ولده، حضر الملاك جبرائيل، حسب القصة، وطلب من إبراهيم الإيفاء بوعده في التضحية بإبنه إسماعيل، يأتي في نص (قه ولى براهيم خه ليل و نه بى سماييل= قول إبراهيم الخليل والنبي إسماعيل)، المقاطع (سبقات):

55- ئه مین جبراييل وه دكه گازی/ هكذا ينادي الأمين جبرائيل
یا براھیم! خودێ خۆ بحه ق بناسی/ يا إبراهيم! اعرف إلاهك حقاً
ئه و رۆژا مه نجه نیقێ، خودێ سه رێ نه بی سمايیل ژ ته دیخوازی!.وتذكر يوم رموك في النار، قدمت رأس اسماعيل قرباناً إلى الله!

56- براھیم خه لیل ما بوو دل بھوژی/ ظلّ ابراهيم مكسوف القلب
دلێ وی وه كه ئاگره كی دگورمژی/ يحترق قلبه كالنار
كێ دیتیه ، باب كورێ خۆ بده ستێ خۆ بكوژی!/ من شاهد الوالد يذبح ولده بيده!

57- براھیم خه لیل گۆ: یا ئه مینێ خودێ! من چیقاس مال ھه یه لباله/
قال ابراهيم الخليل: يا أمين الله، كل ما أملكه من مال
ھه موو دكم حه لاله/ أهبه حلالاً إلى الله
سه رێ نه بی سمايیل ناكمه حه لاله./ ولا أحلل تقديم رأس النبي إسماعيل!
٥٨- براھیم خه لیل گۆ: یا ئه مینێ خودێ! ئه ز وی كه م یه كی لسه ما/
وأضاف ابراهيم الخليل: يا أمين الله، أٌقسم برب السماء
من چیقاس زێرو مال لجه مه / كل ما أملك من ذهب ومال
ھه موو بته دده مه / سأعطيك أياها كلها
سه رێ نه بی سمایل ناده مه! / ولا أضحي برأس إسماعيل!

٥٩- نه بی سمايیل گۆ: یا بابۆ! ئه م دره وانه / قال النبي إسماعيل: يا أبي نحن أصلاء
خودێ ته عالا ئه م لوێ دانه / خلقنا الله تعالى في ذلك المكان
بقوربانیا خودێ ئه م شانه. / نحن سعداء بالتضحية إلى الله
٦٣- یا بابۆ! خه ما ھل مه گر/ يا أبي لا تكن مهموماً
ده ستو پێیێت من ژ خه نا برێژ/ زيّن يدي ورجلي بالحنّة
من قوربانیا خودێ بكه، زوو بكوژ!./ وقدمني قرباناً إلى الله، اذبحني حالاً
٦٨- یا بابۆ! مه گری مه نال / يا أبي ! لا تبكي ولا تتألم
ھێسترا ژ چاڤا بمال / وامسح الدموع من عينك
ته قدیرا خودێ قه ت نابت به تال!./ لا يمكن إبطال أمر الله أبداً
٧٩- جبرايیلۆ! مه ره،/ لا تذهب يا جبرائيل
سه رێ نه بی سمایل ژێ ڤه كه ژ ته ره/ أذبح إسماعيل وأسلمك رأسه
به لكی ناموسه كێ بكه م لگه ل خودێیێ خۆره./ عسى أعمل ناموساً وعهداً مع إلهي.

يبدو أن التضحية بالإبن كان طقساً قديماً مارستها بعض المجموعات البشرية والأديان للتقرب إلى الخالق. وهنا يلاحظ التشابه في قضية التضحية بالإبن كما في الديانة اليهودية إبراهيم وإسحاق، وكما في الإسلام إبراهيم وإسماعيل، وفي الايزيدية إبراهيم وإسماعيل أيضاً مثلما يرد في النص الديني الذي أشرنا اليه أعلاه، لكن الفارق بين النص الديني الهندوسي والايزيدي هو ما نجده في حوار الإبن “ناخيكيتا” مع نفسه، وتسائله: “ما جدوى أن أغدو قرباناً لآلهة الموت؟!”. لكنه مع ذلك يستسلم ويطيع قرار والده. أم في النص الديني الايزيدي، نلاحظ حوار إبراهيم الخليل مع نفسه كيف يقدم أعز ما عنده قرباناً، ويترجى من الملاك جبرائيل أن يقبل منه ما يملكه من مال وذهب وجاه عوضاً عن إبنه إسماعيل، لكن بدون جدوى!. حينها يلح عليه إبنه التضحية به لتنفيذ الوعد الذي قطعه أمام الله!… وتذكر القصة، كما يرد النص الديني، أن السكين ترفض ذبح رقبة إسماعيل كونه نبياً، لتنتهي في النهاية أن يأمر الله بإرسال (الكبش السماوي) كضحية مقابل رأس إسماعيل!.
هنا يتبادر إلى ذهني، سؤال رئيسي هو: هل أن هذا التقارب والتشابه هو صدفة، أو أن البيئة الجغرافية ومستوى التطور الاجتماعي والفكري للجماعات، وإن إبتعدت المسافات، خلقت وتخلق أفكاراً ورؤى دينية متقاربة؟ أو أن المشتركات والتقارب هو نتيجة للتأثر والتأثير؟ أو توجد هنالك وحدة في الأصول؟

قبل الإجابة عن السؤال الرئيسي أعلاه، أود الإشارة إلى ما يرد في المقاطع/”السبقات” 57 و 58 وأخريات في نص إبراهيم وإبنه إسماعيل حول الحوار الجاري بين إبراهيم والملاك جبرائيل ومحاولة إقناع الأخير قبول أية تضحية أخرى بدلاً عن رأس إسماعيل، لكن بدون جدوى!..ربما يمكن تفسير وتحليل ذلك من وجهة نظر علم النفس، الصراع القوي بين غريزة الحب لدى الانسان/حب إبراهيم لولده إسماعيل، وبين قوة تأثير العادات الاجتماعية آنئذ، وقناعاته الفكرية والدينية المكتسبة بما في ذلك إبداية إعتقاده بالله الخالق. وأمام جدلية هذا الصراع والشكّ، تنتصر إرادة الغريزة الانسانية (الحب الأبوي) الداخلية، إذا صح التعبير، على (حب الإله) الخارجية المكتسبة وذلك من خلال إيجاد مخرجات دينية متمثلة بـ: رفض السكين في قطع رقاب الأنبياء، والثاني نزول (الكبش السماوي) كقربان بدلاّ عن إسماعيل!!.

أما التفسير التاريخي والمنطقي، باعتقادي، حول عدم ذبح الإبن والتعويض عنه بتضحية حيوانية (الكبش) هو كونه يعكس الحد الفاصل بين مرحلتين تاريخيتين، مرحلة تاريخية قديمة كان الإنسان يقدم فيها أضاحي وقرابين بشرية، ومرحلة إبراهيم الخليل، إذا جاز لنا القول، تغيرت فيها بعض المفاهيم والطقوس الدينية وصارت تقدم الأضاحي الحيوانية عوضاً عن البشرية. فإذا كان نمرود وأتباعه لم يتوصلوا بعد لمفهوم التوحيد والإله الواحد، فان إبراهيم الخليل تدرج من تقديس (النجوم- القمر الشمس) إلى عبادة خالق كل هذه الأشياء…بمعنى أن مرحلة إبراهيم الخليل تعتبر مرحلة الصراع بين الأفكار الدينية القديمة والجديدة التي جاء بها.(ينظر كتابي:صفحات من الأدب الديني الايزيدي، بطبعتيه الأولى والثانية، الفصل المتعلق بقصة إبراهيم الخليل)

العودة إلى تكرار السؤال الرئيسي والأهم: هل أن هذا التقارب والتشابه بين ما ورد في النص الديني الهندوسي وبين النص الديني المعروف بإسم إبراهيم الخليل عند الايزيدية هو محض صدفة، أم أن البيئة الجغرافية وتطور المستوى الاجتماعي والفكري للجماعات، وإن إبتعدت المسافات بينهم، خلقت وتخلق أفكاراً ورؤى دينية متقاربة؟ أو أن المشتركات والتقارب هو نتيجة للتأثر والتأثير؟ أو توجد هنالك وحدة في الأصول؟

باختصار شديد، يقول العديد من علماء التاريخ وعلماء الانثروبولوجي أنه في العصور السحيقة كانت المنطقة ما بين نهري سيحون Oxus وجيحون Jaxartes شمال آفغانستان وغرب بامير Pamir والهندكوش Hindkush والمنطقة المحيطة ببحر قزوين في ميديا عبر جبال القوقاز حتى البحر الاسود مخزنٌ بشري أطلقوا عليها (البحر الآري)، تدفق منه عبر التاريخ وما قبل التاريخ موجات بشرية متعاقبة، وعديد من أقوام منطقة الشرق القديم (د. لويس عوض، مقدمة في فقه اللغة العربية، القاهرة 2005، ص55) نتيجة للجفاف الذي حل بالمنطقة تدريجياً عبر آلاف السنين، فجعل الحياة فيها صعبة أو مستحيلة. وكان هذا المستودع البشري يتكلم اللغة الآرية، وكان إتجاه موجاته جنوباً نحو سهول الهند وغرباً نحو هضبة أرمينيا والأناضول ثم أوروبا، وكل موجة تأتي كانت تدفع سابقتها في إتجاه الأطلسي. (محاضرة لآرثر كيث/العالم أنثروبولوجي بعنوان “النظرية الآرية ومكانتها اليوم” وقبله ماكس مولر/العالم الفيولوجي، ومحاضرات فريزر Frazer 1922-1932، لندن، ماكميلان 1932، ص 289-304. نقلاً عن: د. لويس عوض، مقدمة في فقه اللغة العربية، القاهرة 2005،ص 125). كما يضيف نفس المصدر في مكان آخر بالقول: “الأبحاث التاريخية والأثرية دلت على أن حضارة سومر Sumer في جنوب العراق، وهي أقدم حضارة معروفة في بلاد ما بين النهرين، كانت حضارة هندية أوروبية. وأن اللغة السومرية لغة ميدية سكيذية Medo-Scythic، وهذا يشير إلى موجات هجرة بشرية خرجت في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد من مراعي ميديا Medea في شمال إيران المتاخمة لبحر قزوين ومن مراعي سكيذيا في القوقاز، ومن مراعي “سيمريا Cirmmeriaحول البحر الأسود، وإستقرت هذه الموجات في بلاد ما بين النهرين وأعطتها لغتها الهندية الاوروبية وربما أعطتها إسم “سومر” أو “ثومر” من إسم “سيميريا” القديم.(د. لويس عوض، نفس المصدر السابق، ص55)

سقت هذه المقدمة لألفت نظر القارئ بأن موجات الهجرات البشرية القديمة بدأت من غرب آسيا “أوراسيا” باتجاه الجنوب والغرب. وأن تلك الهجرات تمت بين أقوام كانت تملك من مقومات القوة والحيوية والتنظيم ما أهلتها للخروج لتحل على أراضي أقوام أخرى أقل منها قوة وتنظيماً سواء عن طريق الغزو أو هجرات عادية. وأن تلك الموجات/الأقوام المهاجرة أخذت معها حتماً أسماء ألهتها، عباداتها، طقوسها وعاداتها الاجتماعية..الخ.
السؤال المثير للإنتباه، ماهو سبب هذا التشابه بين قصة “فايا سرافاسا” و “ابراهيم الخليل” وفكرة التضحية بالإبن؟ هل الظاهرة هي محض صدفة، أم تختبئ ورائه أسباب أخرى؟…الأقرب إلى المنطق هو أن المجموعات والأقوام الأكثر تطوراً، عندما تغزو أقواماً أقل تطوراً منها، أو تحل مناطقها من دون قتال، فأنها تنقل معها أسمائها وعاداتها وعباداتها وأفكارها الدينية للبيئة الجديدة ويحتمل، إما أن تفرض ثقافتها بالقوة على تلك الأقوام، أو أن الأقوام الضعيفة تأخذ وتتبنى ثقافة المنتصر بمحض إرادتها. بالمقابل لا يستبعد أن تتقبل الأقوام الغازية أو التي هاجرت وحلت في مناطق غيرها بدون قتال، بعضاً من عادات وأسماء وحتى آلهة الأقوام الضعيفة. وبما أن الموجات البشرية القديمة تدفقت من الشمال (اورآسيا) إلى الجنوب والغرب قبل آلاف السنين، حسب رأي العديد من علماء التاريخ والانثروبولوجيا وغيرهم، فأن الإحتمال الأقرب إلى المنطق والواقعية هو إنتقال فكرة (التضحية بالإبن) من المخزن البشري (البحر الآري) إلى بقية الحضارات في وادي الرافدين والهلال الخصيب والأناضول ومصر القديمة والحجاز. كما أني لا أستبعد هذا التشابة والتقارب إلى وحدة في الأصول. وبالنسبة إلى “إبراهيم الخليل” فان هنالك آراء تشك بوجود شخصية تاريخية بهذا الإسم، ولأنه لم يكشف ويعثر لحد الآن على دليل تاريخي مكتوب لا في مدينة أور كلدان التي تعتقد إنها مسقط رأسه، ولا في غيرها من المناطق الأثرية المكتشفة من وادي الرافدين وصولاً إلى مصر الفراعنة وإنتهاءً بمكة حيث مولد إبنه إسماعيل!!. وهنالك مراجع تربط (إبراهيم الخليل) بـ “براهما” الهندي، وتقول: ربما كان “براهما” الذي نسمع صداه في “ابراهام” أو “إبراهيم” هو “الايونيم Eponym”-إسم رمزي طوطمي لجِماع عرقية من موجة ايرانية استقرت في (اور) عبر لورستان في ايران ثم هاجرت إلى حرّان في عهد الكاسيين (1800ق.م.) (د. لويس عوض، مصدر سابق، ص23)…وحرّان كانت تعبد الإله (سن Sin) رب القمر، وثار إبراهيم على عبادة قومه ودعاهم للتوحيد ، وهاجر غرباً إلى كنعان مع مريديه، وكان إسم الإله الذي عبده إبراهيم (شداي Shaddai)أي “إله الجبل”. (نفس المصدر السابق، ص20).

تتبع الحلقة -2- (دارا غه وا= شجرة المعرفة أو شجرة الذات)

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*