ar

تأمـــــلات فكريــــــــــة -2- دارا غـــــــــه وا! : د. خليل جندي

f

 

وضمن النصوص المختارة/اوبا نيشاد “سرّ الموت” يأتي ذكر “الشجرة/الذات” حيث يسأل الإبن “ناخيكيتا” ملكة الموت:

يا ملكة الموت،
أين أجد هذه الذات الممتلئة بالسعادة السامية التي عايشها الحكماء؟
أيتها الملكة
هل هذه الذات تشع بنورها؟ أم أنها مشعة بنور شئ آخر؟
أجابت ملكة الموت:
لا الشمس ولا القمر
ولا النجوم ولا البرق
ولا النيران التي نُشعلها بالأرض تنيرها
إنها النور الذي ينير كل شئ
أشعّتها الباهرة تغمر كلً الأشياء
هذا الكون هو شجرة حياتها الأبدية
جذورها تمتد إلى الأعلى
أغصانها تغلغل في الأسفل
جذور الشجرة الطاهر هو البراهمن الذي لا يفنى
وبه تسكن الأكوان الثلاثة.
(فيدا/نصوص هندوسية مقدسة، نصوص مختارة/اوبا نيشاد “سرّ الموت” ص56)

وفي النص الديني الايزيدي المعروف بـ (قول العلم النادر= قه ولى علمى نادر) المقطعين “سه به قه” السادس والسابع يأتي بالنص:

6- ئه بوو دارا بناڤ غه وا / تلك هي الشجرة المعروفة بـ (غه وا)
سه ری لخوار، ره هيت وێ لهه وا! / رأسها في الأسفل وجذورها في الأعلى
مه له كا راهشت نورا لسه رێ سه را / أخذت الملائكة النور من رأس الخالق
په دشا، ئيك ژێ ئه وه./ الله “السلطان” كان واحد منهم.
٧- ئه و بوو دارا بناڤ غه واره / تلك الشجرة المسماة بـ (شجرة غوار!)
كوك لهه وا، سه ری لخواره / جذورها في الأعلى ورأسها إلى الأسفل!
ژ قودره تى ئاڤ ڤه دخواره / تشرب الماء بالقدرة الالهية
بباوريى خه رقه كرن نژیاره. / بالإعتقاد وضعوا بنيان الخرقة!.

ماذا تعني (دارا غه وا)؟..(دار) بالتأكيد المقصود بها الشجرة، أما (غه وا) فقد بحثت عنها في العديد من قواميس اللغة الكردية والفارسية فلم أجد لها من وجود، فلجأت بالسؤال إلى اثنين من علماء الدين الايزيدي البارزين وهما المرحوم ( فقير حجي فقير شمو) و (فقير بركات كسو) حول تفسير مفهوم (دارا غه وا)؟. فقد فكان تفسير المرحوم (فقير حجي) بالشكل التالي:

“دارا غه وا” هو رمز (لالش). متجلياً في العلاقة السرّانية بين قوة الشیخ آدی (السماوي) وقوة الشيخ حسن (الأرضي)، وأن هنالك (لالشان) ، (لالش) السماء يمثله سرّ الشيخ آدي، و (لالش) الأرض يمثله سرّ الشيخ حسن. وتعتبر (لالش) السماوي أقدم ، ولم تهدأ الأرض وتظهر عليها الحياة إلاّ بنزول (لالش السماوي)!. ولهذا السبب يعقد الايزيديون بوجود (لالشين). مستندين إلى الـمقطعين (سه به قتين 30 و 31) من النص الديني (زه بوونى مكسور=الناسك المتعبد):

30- لالش كو دنه زلی / حالما نزلت لالش
شاخا موحبه تێ ھنگاڤته سه ری / اشرقت فيها نور المحبة
عه رش بره نگا خه ملی! / ابتهجت الارض وتزينت بالالوان .
31- لالش كو دھاته / حالما أتت لالش
لعه ردێ شین دبوو نه باته / نبتت الارض
پێ زه ینی بوو چقاس كنیاته. / ازدانت بها كل الاكوان .

وذهب المرحوم فقير حجي في تفسيره، أن (جذور الشجرة) التي تمثل (لالش السماوي) معلقة في السماء، أما (أوراق وأغصان الشجرة) فهي متدلية على الأرض وتمثل (لالش الأرضي)!.
أما تفسير (فقیر خدر بركات كسو) كان بالشكل التالي: ان الـ (سبقات) المؤشرة أزائها في النص الديني المذكور حول (دارا غه وا) هي دلالة على العلم والمعرفة والحقيقة المطلقة المبتدئ والمنطلق من الخالق، هي الذات الإلهية يتعرف عليه الانسان عن طريق العرفانية وعلم الباطن. جذور شجرة ذلك العلم وتلك المعرفة معلق في السماء تنبع من ذات الخالق، تتدلى جذع الشجرة وأغصانها وأوراقها إلى الأسفل لتصل الأرض!!.

تفسير العالمين الموقرين المرحوم (فقير حجي شمو) و (فقير خدر كسو) يقودان إلى نفس الدلالة تقريباً، وتتشابه الدلالة الايزيدية لـ (دارا غه وا) التي يمكن ترجمتها إلى (شجرة المعرفة/أو شجرة الذات الإلهية)، مع مفهوم الشجرة الواردة في النص الهندوسي المقدس. (لمزيد من التفاصيل حول تحليل هذا الموضوع يمكن مراجعة كتابي: صفحات من الأدب الديني الايزيدي، الطبعة الثانية 2013، “قول علمى نادر”).

فالذات هي الخالقة الواحدة التي تسكن في كل شئ، (وبالرغم من أنها واحدة، فهي تأخذ شكل كل شئ تسكنه، وتأخذ شكل كل شئ تحلّ به، مثل الشمس للمبصِر، تكشف له كل شئ..الذات لها شكل وخلقت كل الأشكال،..الذات هي النور الذي ينير كل شئ..) ، بالنتيجة فان (هذا الكون هو شجرة حياتها الأبدية، جذورها تمتد إلى الأعلى، أغصانها تغلغل في الأسفل، جذور الشجرة الطاهر هو البراهمن الذي لا يفنى، وبه تسكن الأكوان الثلاثة…) (دكتور منذر الحائك، فييدا،..مصدر سابق ص56).

أن مفهوم دلالة (شجرة الذات/أو شجرة المعرفة) يعكس لنا فلسفة (وحدة الوجود) لدي الديانتين الهندوسية والايزيدية أيضاً، كون أن جذور هذه الشجرة/الذات هو الـ (براهمِن) عند الهندوسية و (خودى) عند الايزيدية، وبما أن الكون كله خرج من (البراهمِن/أو خودى) ويتحرّك (البراهمِن) فيه، فان روحه يتغلغل في كل شئ لكنه مع ذلك غير مرتبطة بشئ.

تتبع الحلقة  “مغزى بعض الأرقام في النص الديني (قه ولى به حرا= قول البحور)

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*