ar

تأملات فكرية -3- مغزى بعض الأرقام في النص الديني قه ولى به حرا= البحور : : د. خليل جندي

f

 

الحوار الفلسفي الديني الشيق بين (ملكة الموت)”*” و (ناخيكيتا) إبن الكاهن الهندوسي (فايا سرافاسا) في “سرّ الموت” من كتاب (أوبا نيشاد)”*” يشبه في جوانب فكرية كثيرة النص الديني الايزيدي الحواري بين (شيخ و ئاقوب= الشيخ ويعقوب)، وهو عبارة عن أسئلة يطرحه التلميذ على استاذه لينهل من علمه ويتلقى المذهب السرّي الباطني الذي يحتوي أفكاراً لا يستوعبها إلاّ من بلغ مرحلة متقدمة من النضج الروحي. وفي هذه الحالة يقوم الشيخ/الأستاذ بالإجابة عن أسئلة تلميذه. يسير (ناخيكيتا) نحو بيت آلهة الموت وينتظرها ثلاث ليالٍ وبعد ذلك تستقبله كـ (براهمن) في بيتها، وتطلب منه مقابل ذلك التأخير أن يقدم لها ثلاث طلبات ليلبيه له، فكان طلبه الأول:

“أرجو منك ألا يهلع أبي من أجلي
وأن يزول غضبه عنّي
وأن يعرفني ويستقبلني في اليوم الذي ترُدًينني إليه..”

أما طلبه الثاني:
أن تعلمه ملكة الموت كيف يستعمل النّار كقربان، وقال لها:
“أنت تعرفين النار التي تُقُدَم كقربان للوصول إلى السماء
فعلّميني كيف أستعمل هذه النار
إني أهبُك نفسي وأنا مفعم بالإيمان..”
وافقت آلهة الموت على طلبه، وعلّمت “ناخيكيتا” كل ما يتعلق بتقديم النّار كقُربان.

أما طلبه الثالث الأصعب والأعقد والذي يدور عن سبب الموت ويحمل في عين الوقت فلسفة الحياة والموت، حيث قال “ناخيكيتا”:
أن ترفعي الريبة والشك الذي يصاحب الناس عند الموت
فمنهم من يقول بالبعث والحياة بعد الموت
ومنهم من يقول بعدم الحياة بعده
إفهميني ما تعرفين من حقيقة هذه المسألة..”
ردًت آلهة الموت قائلة:
“الآلهة ذاتُها احتارت حول هذا الحدث الغامض
ولذلك من الصعب الحصول على هذه الحقيقة أو فهمها…”
تمسك “ناخيكيتا” بطلبه وقال:
“تقولين، يا موتُ، أن الآلهة احتارت في هذا الأمر الغامض
وأنه ليس من السهل فهم الموت
ولكنني واثق أنّه لا يوجد مُعلّم غيركِ يستطيع تعليمي هذه المسألة
ويشرح لي هذا الحدث الغامض
كما أنني واثق أيضاً أنّه لا توجد هديَة أثمن من الجواب عن هذا السؤال
وهل يوجد طلب آخر يعادل ثمنه تفويت الإجابة عن هذه المعضلة؟..”

رغم أن ملكة الموت حاولت أن يحيد “ناخيكيتا” عن السؤال عن “سرّ الموت” إلاً أنه أصرّ على طلبه، وأمام ذلك الإصرار بدأت “ملكة الموت” تلقين ذلك السرّ إلى تلميذها “ناخيكيتا”. وهنا دخلت في شرح فلسفة عدم الموت والخلود وذكر صفات الحكيم في التعامل مع: {كيفية إشباع الرغبات والشهوات الحسية وبين الخير الأسمى ، فهم وإدراك حقيقة الذات الواحدة الأبدية التي لا تموت والمتغلغلة في كل شئ والتي مسكنها أعماق القلب ، درجات الذات منها الذات الكبرى/براهمن- الذات الخاصة- الوعي-العقل- الحواس ، أصل الروح ، ما الذي وراء الخير والشرّ ، معنى “أوم” باعتبارها هي صورة حواس الذات وهي الله وهي الأصل ، تكرر الولادات/التناسخ ، النفس الجسد ، وحدة الوجود/الله موجود في كل مكان،…}. ويطول شرح “ملكة الموت” لتلميذها “ناخيكيتا” عن الذات إلى أن تقول له:

“إنّه الذات التي لا تموت
مَنْ يرى التعددية في الذات
يتعرض للولادة تلو الأخرى
مثل المطر الذي يهطل على قمَة الجبل
ثم ينحدر إلى أسفله
الذات مثل الماء النقي
إن وضعته مع الماء النقي ، يبقى نقياً
الذات تبقى نقيةً عندما تتوحّد مع البراهمن
المدينة التي لها أحدى عشر باباً
هي المدينة التي تنتمي للذي لم يولد وفي وعيه نُور
يبرق إلى الأبد.
من يرى حاكم هذه المدينة
لن يشعر بالحزن
يصل إلى التحرر
ولن يبعث بعد ذلك أو يموت…”

مَنْ وماهي تلك المدينة ، وماهي أبوابها الأحد عشر ، ومن هو حاكمها؟!. يجيب النص الديني الهندوسي عن هذه الأسئلة بالقول:

“حاكم هذه المدينة الذي لا يفنى هو: الذات
هي بمثابة الشمس التي تجري في السماء
هي الريح التي تدوي في الفضاء
هي النَار التي تُشِعٌ في المِحراب
هي الضيف الذي يحل بالمنزل
هي كل الناس
هي السمك الذي يتكاثر في الماء
هي العشب الذي ينمو على الأرض
هي النهر الذي يُلقي بنفسه من أعلى الجبل
هي التي لا تتغيَر
هي الحقيقة التي لا تنتهي
موجودة في الآلهة
موجودة في كل مكان
موجودة أينما تُوجد الحقيقة…”
(الدكتور منذر الحايك، فيدا/نصوص هندوسية مقدسة، مصدر سابق، من ص 37-55)

إجمالاً، الذات، بالرغم من أنها واحدة، فهي تأخذ شكل كل شئ تسكنه، ولا يسمها شرّ الكون، وهي أسمى من كل شئ، لها شكل وخلقت كل الأشياء، وهي الخالدة بين كل ما هو فانٍ.
إن الذي جلب إنتباهي هي (الذات) حاكم المدينة الذي لا يفنى، والمدينة التي لها أحد عشر باباً: الشمس والريح والنار، والضيف والسمك، النهر، الحقيقة،..الخ.، وما قرأته في النص الديني الايزيدي (قه ولى به حرا = قول البحور) المقطعين (سه به قه) الخامس عشر والثاني والعشرين، علماً هنالك (سبقات) تشير إلى الأرقام (1، 2، 3، 4، 6 ، 7 و 11 )، ويبدأ:

١- رۆژه كى ئه ز فكریم / فكرت أنا يوماً
داما بووم، حه یریم / كنت تائهاً، حائراً
لبه حره كه كوور سه یریم / متأملاً في بحر عميق

٤- چی به حره كه مه زنه / أي بحر عظيم
قه ندیله كه نورانی دئیسيى لبنه /يتلألأ تحتها قنديل نورانيٌ
چار جۆ ژێ دچنه. /تخرج منه أربع جداول.

٥- چی به حره كه خاسه /أي بحر متكامل
ئا كووره بى قیاسه /عميق من دون قياس
ركنه كه و چار ئه ساسه /فيه ركن واحد وأربع أسس
١٥- باجاره كه و چار شورن /مدينة ذو أربعة أسوار
تى هه یه یانزده خه نده كيت كورن/وفيها إحدى عشر خندقاً عميقاً
هه فت دتارینه، چار بنورن. /مظلم سبعة منهم، وأربعة منهم منورة

١٧- ده رگه هه كی عه یانه /باب ظاهر المعالم
كورسیه كه بشه ش پيیانه /كرسي ذو ست أرجل
قه ندیله كه و چار چرانه /قنديل و أربع سراج

١٨- چار چراو فتیله ك /سراجات أربعة بفتيلة واحدة
دوو مه نبه رو قه ندیله ك /منبران وقنديل واحد
هه فت ده رگه و كلیله ك. /سبعة أبواب ومفتاح واحد!

٢٢- هه رچار یاريت ته بانه /أربعة خلان متآلفين
حه رفه كه لناڤ یانزده حه رفانه /حرف بين أحد عشر حرفاً
ددۆ رونشتنه، دایم یه ك ژ پيیانه./إثنان منهم جالسان، وواحد واقف على رجليه دائماً
واحد لقه ھار یه ك ژ وانه. /الواحد القهار واحد من بينهم.

مما لا شكّ ان الأرقام الواردة في هذا النص هي رموز إلى قوى وأفكار غيبية وأشخاص وظواهر. هنا أتوقف عند تفسيرات رجالات الدين الأيزيدي، مع إبداء ملاحظاتي ورؤيتي من خلال الشرح والمقارنة.

فالرقم أربعة (چار جو= الجداول الأربعة) في المقطع 4، و(الأربع خلان) في المقطع 22، يفسر من وجهتين، الأول: إما يقصد به (سلالة آديان = مالا ئادیان) وتشمل (الآدانية + الشمسانية + القاتانية + الپیرانیة)، الثاني: أو يقصد به الديانات الأربع (الأيزيدية + اليهودية + المسيحية + الإسلام). وتكرار الرقم أربعة (ركن وأربع أسس) في المقطع 5 يمكن تفسيرة إرتباطاً بالمقطع 4 الذي يسبقه، فإذا كان ما قيل أن المقصود بـ (الجداول الأربع) هي (سلالة آديان)، فان الـ (مقطع/سه به قه 5) يظهر الأصل الواحد المشترك لهذه السلالة إلاّ أنها تفرعت إلى أربعة فروع. أما إذا أخذنا بالتفسير الثاني كون (الجداول الأربع) تشير إلى الأديان الأربع، حينها يفهم بالأصل المشترك لتلك الأديان سواء من ناحية فكرة الإيمان بالله، أو تأسيس هذه الأديان على الأفكار الدينية الإبراهيمية!!. وهناك من يفسر الرمز 4 في (مقطع22) بأنه إشارة إلى (الشيخ آدي+الشيخ حسن+الشيخ سجادين+الشيخ ناصرالدين)!. كما لا يمكن إستبعاد فكرة أن الرقم 4 هو إشارة إلى العناصر الأربعة: (الماء، الهواء ، النار ، والتراب) المتصلة بالذات الخاصة.

يتم إعادة الرقم أربعة و أحد عشر في المقطع 15، ويذهب رجال الدين الأيزيدي إلى القول أن المقصود هنا هو بيت الشيخ أبو البركات آدي الثاني، حيث كان لديه أحد عشر ولداً (= أحد عشر خندق)، وكان أربعة من أبنائه بارزين واصحاب كرامات، والسبعة الآخرين منسيين لا ذكر لهم!

سبقه 17: هنالك تفسيرين لهذا المقطع، الأول: تفسير رجال الدين بأن المقصود بـ (قنديل/أو الفتيل، السراجات الأربع) هو الشيخ أبو البركات صخر بن صخر وأولاده الأربع، وآخرون من رجال الدين يقولون أن القصد من (الخنادق الأربعة) هي (الشيخ آدي + الشيخ أبو بكر+ الشيخ اسماعيل + الشيخ عبدالقادر) باعتبارهم أخوة!. أما التفسير الثاني: يمكن أن تشير هذه الرموز إلى نور الله (فتیل). وفي نفس هذا المقطع الذي يقول:

“ كورسیه كه بشه ش پيیانه / كرسي ذو ستة أرجل
قه ندیله كه و چار چرانه./ قنديل و أربع سراج ”

أغلب الظن المقصود بـ (الكرسي) هو (العرش الإلهي)، والأرجل الستة إشارة إلى الملائكة.
وفي (سه به قه 18 و 22) فأن (المنبرين) حسب تفسير رجال الدين، إشارة إلى عائلة (الآدانية والشمسانية) و (القنديل الواحد) إشارة إلى عودتهما للأصل المشترك الواحد. كما أن (السبعة أبواب ومفتاح واحد) إشارة، كما يرويها رجال الدين، إلى أسرار الله/ايزي السبعة (الشيخ آدي ، الشيخ حسن، الشيخ الأمير ايزدين، الشيخ شمس، الشيخ فخرالدين، الشيخ ناصرالدين، والشيخ سجادالدين) بالاستناد إلى (سه به قه) التي تقول:
شیخادی، شيخ حه سه ن، ئيزدینه میر، شيشمس، فه خره دین، ناسردین و سجادینه /
الشيخ آدي، الشيخ حسن، الأمير ايزدين، الشيخ شمس، فخرالدين، ناصرالدين و سجادالدين
ئه وان ئه ڤ دنیا بكار تینا /هم الذين قاموا بترتيب هذه الدنيا
ئه وان چو سوحبه ت بێ یه ك نینه /لم يكن لهم حديث من دون الآخر!

ويأتي النص الديني ليجعل من الشيخ آدي المنبع والمصدر الأولي لجميع الأسرار والعلوم والمعارف، الرقم (الواحد) ومنه تتفرع الأرقام الأخرى، وهو البحر الذي تنبع منه العيون والجداول:

” شیخ ئادی به حره، ژێ دچون جو و كانی /الشيخ آدي بحر، كانت تنبع منه العيون والجداول!.”

وهنا ينظر إليه كـ(إله البحر) أو رمز (المياه الأولية)، وحسب ميثولوجيا الإنسان القديم فان المياة/البحر هي أصل التكوين والخليقة. أن (البحر) يرمز في الأدب الديني الايزيدي، كما عند شعوب وأديان أخرى، إلى العلم والمعرفة وعلم الباطن. ومعروف أيضاً من خلال المصادر التاريخية والتراثية، كان الشيخ آدي متصوفاً وعالما كبيراً صاحب علم ومعرفة وقُبلةً لجميع الشيوخ وطلاب العلم والمريدين. (لمزيد من التفاصيل ينظر كتابي: صفحات من الأدب الديني الايزيدي، الطبعة الثانية 2013، قول البحور)

حاولت من جانبي بنقل شروحات بعض مقاطع النص الديني (قول البحور) على ضوء فهم وتفسيرات رجال الدين الايزيدي. وما دام يؤمن ويركز المعتقد الديني الايزيدي في أحد جوانبه على دور (السرّ والكرامات) وعلم الغيب، ووحدة الوجود، والولادة المتجددة “التناسخ”..الخ، فإننا حتماً سنواجه أسماءً ونصوصاً وظواهراً وأرقاماً مشفرة عابرةً لحدود الزمان والمكان، وترتبط بالتالي بالزمن السرمدي والنطفة الأولى التي تكونت منها جميع الأكوان.

كما أشرت اليه في أعلاه، استوقفني تكرار الرقم (أحد عشر) مرتين في النص الديني (قول البحور) المقطعين 15 و 22، كما في النص الديني الهندوسي، ومع احترامي وتقدريري لتفاسير رجال الدين الايزيدي، كون هذا الرقم يشير إلى أبناء أبو البركات أدي الثاني، إلاّ أنني أرى في الرقم (أحد عشر) صدى موروث فكري ديني قادم من أعماق التاريخ، أقدم من القرن الحادي عشر والثاني عشر. وأن الأرقام المذكورة في النص الديني الايزيدي من (واحد إلى أحد عشر) وربما أبعد من تلك الأرقام، جميعها رموز تنتمي إلى (البيت الكوني المقدس)، أو كما يسميه النص الهندوسي “حاكم المدينة، و (الذات الأعلى) الواحد الأزلي الذي لا يموت ولا يفنى، تلك (الذات) التي تنتقل بأشكال متعددة ومختلفة إلى أشياء أخرى، ومنه: الشمس، الريح، النار، الماء، السمك، النباتات، الضيف/البشر، الحقيقة، التراب..الخ. هذه هي فكرة وحدة الوجود، وهذا هو مفهوم الخالق لدى هاتين الديانتين. وهنا أرى تناغماً وتقارباً بين النصيين الدينيين الهندوسي أوبا نيشاد “سرّ الموت” و “قول البحور” وإن بلغتين مختلفتين، وبأدوات من زمانيين متباعدين.

(* في منشور لاحق سوف نعالج فلسفة الخير والشرّ من خلال النص الديني الايزيدي (ق. النفس واللسان والعقل) مقارنة مع النص الديني الهندوسي.)

الهوامش:
* ملكة الموت: يأتي هذا الاسم لدى الايزيدية بـ “مه لكه موت Melke mot”.
* اوبا نيشاد: تعني حرفياً الجلوس بخشوع قرب شيخ لتلقي العلم. كما يقال أنها تعني تلقّي المذهب السرّي/الباطني الذي يحتوي أفكاراً لا يستوعبها إلاّ منْ بلغ مرحلة متقدمة من النضج الروحي. وقد وجد أكثر من 200 نص للأوبا نيشاد، ونشر منها في الهند 71 كتاباً باسم اوبا نيشاد، لكن الكتب المعترف عليها من قبل علماء الهندوس هي 12 كتاباً فقط.
خليل جندي / مانيلا في 17/شباط/2020

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*