هكذا تدخل حكومة إقليم كردستان في منافسة الإسلاميين لأسلمة المجتمع الكردستاني : طه معروف

f

عقب الزيارة التي قام بها وزير أوقاف حكومة إقليم كردستان،محمد الشاكلي إلى مصر وبعد لقاءا ته مع أئمة جامعة الأزهر، طلب خلالها ترخيصا لفتح معهد إسلامي إخواني أزهري في مدينة أربيل –عاصمة إقليم كردستان .وقد تم قبول الطلب فورا و أعلن مصدر من جامعة الأزهر بعد ذلك ، بأنه سيفتتح معهد إسلامي في مدينة أربيل وسيقبل في العام الدراسي القادم العديد الطلبة الكرد في مختلف كلياته وأقسامه لنيل الشهادات العليا وزاد:إن أكثرية مقترحات ومطالب الوفد الذي ترأسه محمد الشاكلي وزير الأوقاف في حكومة إقليم كردستان ،قد تمت تلبيتها.
هذا هو أسلوب القوميين للتعامل مع الكيانات الدينية لدعم الإسلام السياسي.ألا يدرك هؤلاء بأن جميع العليه. الدينية، من المدارس والمعاهد وكليات الشريعة الإسلامية تعد من أهم الوسائل لترقية وترسيخ الإسلام السياسي ؟الجواب يكون واضحا لا غبار عليه .ولكن المسألة ليست مسألة إدراك أو الشكوك في نوايا الإسلاميين، بل المسألة الأهم هي حاجة القوميين لحماية سلطتهم الرجعية بالسيف الديني الإسلامي.هذا هو صلب الموضوع . فجميع الحكام القوميين في العالم العربي والشرق الأوسط عموما يلجئون دائما إلى فتح مثل هذه المؤسسات الدينية ولو على حساب كدح الجماهير بهدف احتواء وإبعاد خطر وتهديد هذه الحركات عن سلطتهم، من جهة، ولصد مطالب الحركات السياسية اليسارية العمالية والمدنية التي تطالب بالتقدم والرفاه وتوفير الحريات في المجتمع من جهة أخرى .
وبخصوص كردستان العراق، فإن اختيار مدينة أربيل لافتتاح هذا المعهد الإخواني الأزهري ،يكون اختيارا دقيقا حقا، كون المدينة منطقة نفوذ الإسلاميين ومعقلا أساسيا للإسلام السياسي في كردستان العراق .لقد أطلق الإسلاميين في الثمانينات من القرن الماضي رصاصتهم الأولى بوجه المفكرين والمثقفين في هذه المدينة ليخترق جسد الكاتب والمفكر الكردي، عبد الخالق معروف، على خلفية نشره لكتاب بعنوان (المرأة في الإسلام) حيث تدور مواضيعه حول النظرة الإسلامية الدونية للمرأة.وفي هذه المدينة بالذات تم اغتيال كادرين قياديين من الحزب الشيوعي العمالي العراقي في عام 1998م إثر الفتوى الخبيثة التي أطلقها احد المعممين من احد مساجدها. كانت جماعة شيخ زانا هي الأخرى قد اتخذت من قلب هذه المدينة مركزا لنشاطاتها الإجرامية. ولذا يبدو سيادة وزير الأوقاف خبيرا بارعا في مجال تقوية ركائز الإسلام السياسي في كردستان وإلا كيف يدرك أهمية و ضرورة افتتاح هذه الأوكار الإسلامية الأزهرية في اربيل في هذا الظرف بالذات الذي فيه تتعالى الأصوات في كردستان لرفض و إبعاد الشريعة الإسلامية عن حياة المجتمع الكردستاني .إن تشبث القوميين في كردستان بالدين الإسلامي انعكس سلبا على حياة الجماهير،اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ،وكيف لا ؛ في الوقت الذي تعاني الجماهير فيه أشد المعاناة من وطأة الفقر وتواجه أصعب حياة معيشية يومية، و هي في أمس الحاجة لمساعدات حكومة الإقليم لضمان حياتها المعيشية ،لكنها تجد “حكومتها” منهمكة بفتح المساجد والمعاهد الإسلامية وتخصص قسم كبير من دخولها(المسروقة والمقطعة من أموال الجماهير) لدفع وتسديد المستلزمات الدينية التافهة؛ كدفع رواتب أعضاء وكوادر الحركات الإسلامية أو الإغداق على الأئمة الجهلة في المساجد بالمال والعطايا لقاء نشاطهم في توزيع السموم الدينية أو تسخير حصة لا بأس بها لفتح المساجد والحسينيات والمعاهد كلما اقتضت الحاجة إليها .
فلتعلم جماهير كردستان بأن مهمة أسلمة المجتمع الكردستاني لم تكن مهمة الحركات الإسلامية فقط بل هي مهمة حيوية لحكومة الإقليم أيضا ،ولو بدرجة متفاوتة. إن زعماء الحركة القومية في كردستان يعتبرون أنفسهم مسلمين حقيقيين ، ويرددون تلك العبارة كلما شعروا بتفوق الإسلاميين عليهم نفوذا وقوة ، أو انتابتهم أي أزمة نشأت بينهم وبين الحركات الإسلامية .ولم لا؛ فطالباني يمدح سيستاني باعتبار “سماحته نعمة من الله نزلت على العراقيين”وكان يفتخر بلقبه ،آية الله طالباني، الذي منحه إياه رفسنجاني خلال وجوده في إيران في التسعينات التي زار خلالها أيضا قبر الخميني وكان يذرف له الدموع،وفي وضع حزين يرثى له .وأثناء كشف شبكة الشيخ زانا الإسلامية الإرهابية، أعلن مسعود بارزاني عن شكوكه من ولاء الإسلاميين لسلطاته، و إسلامهم الحقيقي، وأعتبر نفسه المدافع الحقيقي عن الإسلام وليس “هؤلاء الطلاب الإسلاميين الذين تلقوا دروسهم الدينية على أيدي أئمة المساجد”.
وبخصوص هذا المشروع الإخواني فهو ليس من اقتراح أي من الحركات الإسلامية الموجودة في الساحة الكردستانية المتمثلة ب: الحركة الإسلامية والجماعة الإسلامية وإتحاد الإسلامي الكردستاني(رغم أنها تصب في خانة مشروعها الإسلامي) ، بل كانت اقتراحا وطلبا رسميا من حكومة إقليم كردستان كي يتدخل من هذا المنفذ إلى ميدان المنافسة مع الحركات الإسلامية بهدف فرض وهيمنة الدين الإسلامي على حياة المجتمع .طبعا ،حماية الدين الإسلامي ضرورة حياتية لها لتغطية على سياساتها القومية العشائرية وإن الإسلام والقومية تؤمان لا ينفصلان كان أحدهما يكمل الآخر في مساعيهما الآثمة لغرق المجتمع في الجهل والظلم والتخلف .إن عقلية الرجولية ما كان ممكنا في أي مجتمع من المجتمعات إذا لم يغلف بالغلاف الديني.فالنظرة الدونية الإسلامية للمرأة هي وراء دعم ومساندة جرائم الشرف وغسل العار وفقا العقلية العشائرية والقومية الرجولية.ولذلك لا غرابة من محاولات المستمرة للقوميين في حماية ركائز الإسلام بأي ثمن من اجل أسلمة المجتمع. ولكن الغريب في الأمر هو سخائهم اللامحدود لصرف تلك الأموال الضخمة في مثل تلك المشاريع الإسلامية الإخوانية الإقليمية في هذه الظروف بالذات التي تعاني الجماهير من مصاعب اقتصادية جمة بدءا بشح الوقود والماء والكهرباء و انتهاء بارتفاع الجنوني في معدل الأسعار وخصوصا أسعار المواد الغذائية والعقارات وأجور الخيالي للسكن. ما المردود الاقتصادي لمعهد الأزهري والمؤسسات الدينية الأخرى الغير منتجة ومتطفلة على المجتمع في الوقت فإن المجتمع الكردستاني في أمس الحاجة لفتح مشاريع إنتاجية والخدمية لزيادة الإنتاج وتحسين مستوى المعيشة و لامتصاص تلك البطالة المتفشية في إقليم !!!! ففي حين تشتد الاعتراضات وتنظم الحملات الجماهيرية المدنية واليسارية والثقافية من الداخل وخارج كردستان لمطالبة حكومة إقليم للكف عن تشبثها بالإسلام في التعليم والتربية وقوانين الأحوال الشخصية وتقترح وتطالب بإزالة البند السابع من الدستور الإقليم وتنهال عليهم سيل من الرسائل والقوائم الموقعة بهذا الصدد ،لكنها بالمقابل نجد حكومة إقليم يتجاهل ويدير ظهرها عن تلك الأصوات الجماهيرية و يبعث بوزيرها ليطير إلى القاهرة مقصدا جامعة أزهر ليلتقي بأئمتها الإخوانية بغية دعمها لغرق كردستان في المدارس والمعاهد الإسلامية لكي يتم مواكبة ومنافسة الإسلاميين لأجل أسلمة المجتمع . يبدو أن وزارة الأوقاف كواجهة إسلامية لحكومة إقليم قد جن جنونه من تلك الحملات التي نظمت لكي تفرض التراجع على الدين الإسلامي في الحياة الاجتماعية حيث ترى فيه مصيرها الآثم، إذ كانت يتحول هذه الحملات والاحتجاجات إلى حركة جماهيرية ويدك معقل وأبواب الإسلاميين في المجتمع. ولتجنب هذا المصير وجدوا من أئمة جامعة أزهر أقرب الحلفاء لهم كي يساعدوهم في معاناتهم.إن التوجه الحكومة إلى الإسلاميين وعدم استجابة أو خضوع لمطالب تلك الحملات والاعتراضات الذي اتسعت ودخلت حتى برلمانها ، ستكون بمثابة التحدي لإرادة الجماهير كما انه عملا مشينا وخطيرا إذ تشير من ناحية على عدم إصغاء الحكومة لمطالب المعترضين الذين يطالبون بإلغاء الشريعة الإسلامية في الدستور بل إبعادها عن حياة المجتمع ، ومن الناحية أخرى، فإن موقفهم هذا يؤكد على تصميمهم من استمرار فرض الدين على حياة المجتمع وينافسون عليها الحركات الإسلامية ، لكي يدفعون بكردستان نحو شفا اقتتال قومي إسلامي في أي اللحظة كما حدث في السابق الذي كانت ينتهي دائما في مصلحة الإسلاميين .
إن الوقوف بوجه هذه المشاريع الإسلاموية القومية وبالأخص هذا المعهد الإسلامي الإخواني عمل ملح وضروري ، لدرء مخاطرها المستقبلية عن الجماهير. وفي حال افتتاح هذا المعهدالإسلامي الإخواني، سيتحول آنذاك إلى مصنع إسلامي لتفريخ الإرهاب ، لا تلبث تنتج آلافا من المعممين المتطفلين على المجتمع الذين سيصبح شغلهم الشاغل التفكير بالجهاد وإعداد الوسائل لتدمير حياة المجتمع وتحويل مساره نحو المستنقع الإسلامي الجهادي وبالتالي تحويل كردستان إلى ميدان الإرهاب الإسلامي كما هي الصومال وأفغانستان،أو كما هي الحال في أجزاء كثيرة من العراق.

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*