مقتطفات من مذكرات طفل يهودي شاهد على الفرهود

f
.
الفرهود هو ذلك الحدث الجلل في الذاكرة العراقية الذي افضى الى مقتل 179 من اليهود الابرياء واصابة ما لايقل عن حوالي 2000 جريح وحوادث اغتصاب ناهيك عن تضرر الآف المصالح اليهودية والمنازل التي تعرضت للنهب والسلب كما تمخض في وقت لاحق عن الهجرة الجماعية. اقرؤا حتى النهاية كيف نجا هذا الطفل من الموت مرتين!
مقتطفات من فصل الفرهود في كتاب “الف ليلة ويوم ..قصة الفرهود والصهيونية.” صدر عن دار النشر العراقية ميزوبوتاميا وهي مذكرات إيدي مور
كنتُ ابلغ الخامسة من العمر ، ابن لعائلة من طبقة متوسطة – تتكون من أب ، ام وثمانية أبناء . كان الأبن البكر يبلغ الخامسة عشرة من العمر والصغرى بنت تبلغ سنتين كانت العائلة تسكن في شارع ينصب بين احد الشوارع الرئيسة في بغداد ، انه شارع الملك غازي الاول . يقع بيتُنا في حي فرج الله ( الغوث من الله )….
تم وضع علامات على بيوت اليهود قبل ايام معدودة من الحدث ، المتمثل بيوم الفرهود (الذي يعني نهب وسلب ) ، بطبع كف اليد باللون الاحمر على أبوابهم ، ولوحظ نشاط غير اعتيادي في البيت رافقه محادثات عديدة بين والدَّي على حدة . واحيانا شارك في تلك المحادثات اخي البكر مردخاي ، الذي يبلغ الخامسة عشرة من عمره ، والبستاني ايضا ، وجُلبت بعد عدة ايام محل محتويات المحل والمخزن العائد لوالدي الى البيت ، اذ امتلئت فرغة الضيوف الكبيرة الكائنة في الطابق الأول الى سقفها . لم نفهم بالضبط ماذا يحدث ولكن اوضح لنا والدي بأحد اللقاءات العائلية في البيت بقوله أشيعت دعايات مفادها ان سراق سيقومون بأعمال سلب في سوق لأقمشة ، لذلك فقد افرغ المحل والمخزن من البضاعة الموجودة هناك بغية احباط سرقتها . وحكى لي والدي عند بلوغي ، ان المحتويات لم تكن مؤمن عليها ….
كانت عشية عيد الاسابيع احتفالية لها طابعها الخاص . فقد وصل خالي الذي يسكن آنذاك في القدس ، على حين غرة الى بغداد لزيارتنا واقام لدينا . ووجهت في تلك الامسية دعوة لجدي وجدتي مع اولادهم – اثنين من ابنائهم – ايضا ، اخوالي الشباب الذين كانوا من ابناء جيل اخي واختي الكبيرين فقد ربطتهما صداقة قرابة .
ترى ماذا جرى عشية العيد . لقد تم إنارة مصباح اللوكس والفوانيس وجرى تحضيرها قبل الموعد . زُين البيت وتم اعداده كما ينبغي استقبالا لعيد نزول التوارة . أعدت أطعمة عديدة ووضعت طاولة طعام كبيرة وحُضرت في فناء البيت . اقترح خالي على اخي البكر لمرافقته في زيارة اقرباء معروفين الساكنين في حي الباب الشرقي ، وقد اصطحباني معهما ، لانه كان لاولئك الأقارب المعروفين اطفال صغار في عمري الذين تعرفت عليهم خلال الزيارات العائلية . خرجنا ثلاثتنا الى الشارع الرئيسي – شارع غازي لكي نحظى بسيارة اجرة تقل اشخاص التي تُعد وسيلة نقل مألوفة . وتسير سيارات الاجرة تلك بخط يقودنا الى هدفنا . يبلغ ثمن الرحلة لشخص واحد في هذا الخط ، عانه وهي تسمية تطلق على العملة العراقية التي تعادل اربعة فلسان . وصلنا الى معارفنا بعد رحلة استغرقت حوالي عشرين دقيقة ، وصاحبن فرحة اللقاء . فرحة العيد وعززتها . واسرعنا قبل حلول العيد بساعتين تقريبا ، بالعودة الى موقف سيارات الاجرة التي تقل اشخاص بغية العودة الى البيت .
وقفت في الموقف على شكل رتل عدة سيارات اجرة فارغة الواحدة تلو الاخرى . وعندما تمتلئ احداها وتنطلق برحلتها تأتي الاخرى تعففت امامنا سيارة أجرة فارغة ، بيد انها بدت لي لسبب ما متأرجحة ، مطعوجة وغير نظيفة . رفضتُ الصعود فيها ، ولم تجد نفعا جميع إلحاحات خالي واخي الكبير ، أصررتُ على رأي وبقيت واقفا على الرغم من ضيق الوقت ودنو الغروب – الامر الذي جعل خالي واخي ينتابهما شيئا من الضغط والغضب . وبعد ان انصرفت سيارة لاجرة تلك ، وجاءت بدلها سيارة اخرى ، وافقتُ حينها الصعود فيها حسب . كانت هذه السيارة نظيفة ومتلألأة . شرع السائق برحلته وشعر بأننا تلكأنا بعض الشيء جراء سيارة الاجرة تلك القديمة التي انطلقت قبلنا .
احتشد في منتصف الطريق ، وفي مكان يسمى باب الشيخ ، وهو حي ساكنيه من المتدينين المتعصبين ، جمهور غاضب ومتحمس ، اغلق الشارع ومنع مرور السيارات . توقفت سيارة الاجرة رفضتُ الركوب فيها ، من لدن الرُعاع الذين ينتابهم السخط . وورد اغلب الاشخاص هتافات غضب ضد البريطانيين واليهود واخذوا يلوحون بحراب ، بسواطير وبسكاكين مطبخ . وقد افزعنا التشابك بالايدي وهتافات اشتباك الجمهور الغاضب . توقفت سيارة الاجرة التي امامنا ، فتوقفت خلفها سيارة الاجرة التي نستقلها . صعد بعض المتظاهرين الى سيارة الاجرة التي امامنا ، فتوقفت خلفها سيارة الاجرة التي نستقلها . صعد بعض المتظاهرين الى سيارة الاجرة التي امامنا ، واخذوا ينزلون ركابها اليهود بقوة ثم ذبحوهم امام انظارنا كان سائقنا مسلما ، الامر الذي جعله يتنبأ بالسوء لليهود الموجودين في سيارته . بيد انه باغتنا بعدم الانتظار مطلقا . فعند رؤيته ما حدث ، قاد سيادته الى الخلف دون تشخيص وعلى ما يبدو فقد دهس كثيرا من المتظاهرين . انسحب بعض الرعاع . قام السائق بدوران سيارة الاجرة بقطيعة ، فأصاب بعض المتظاهرين في كل استدارة . بدأ بعضهم الصعود الى سيارة الاجرة المتواجدين فيها بغية ِالاقتصاص منا .
لقد شاهدتُ نظرات غضب الجمهور الساخط والهائج الذي يحاول تصفيتنا . اخذ السائق يناور بسيارته دون تشخيص فواصل اصابة المتظاهرين . وبعد ان أتم دورانه بمائة وثمانين درجة اسرع بسيارته كالمجنون واوصلنا باقصى سرعة الى مركز الشرطة . استقبلنا افراد شرطة المركز وبقية ركاب سيارة الاجرة بسلوك متعاطف وحميمي .
واخذ ضجيج الرعاع الصاخب في الشوارع يزداد بعد مرور ساعات وتظاهرت في الشوارع موجات بشرية عارمة وحطمت كل ما يصادفها في طريقها . وقد ألحقوا الضرر باليهود وبممتلكاتهم . وقاموا بنهب المحال والبيوت ، وتحطيم تماثيل الاسرة الملكية ، وكان الارتباك مرعبا . امتلئ شارعنا بالمتظاهرين الذين يعتريهم الجنون . سُمعت طرقات قوية على باب البيت . صعد والدي على التراس الموضوع خلف الباب الرئيس ونظر الى الخارج . فشاهد جارنا المسلم الذي كان على صلة ودية معنا ، يحاول درأ الجمهور الذي حاول اختراق باب بيتنا . اسرع والدي الى الخزانة الكائنة في الغرفة الثانية واستل من مكان خفى مسدسا لم نكن نعلم بوجوده . وركض صوب الباب . ولم تجد ِنفعا جميع مناشدات أمي وجدتي له . خرج الى الشارع واطلق عدة اطلاقات في الهواء . وادخل بسرعة الى البيت جارنا العربي السيد علوان واغلق الباب . اقترح الجار على والدي ان تنتقل كل عائلتنا عبر السطح الى بيته ، وهناك يقوم باخفائنا ويحافظ علينا من الجمهور . جاء الرفض بكلمة كلا ، بيد ان كل فرد من افراد البيت ، صغيرا او كبيراً تحرك مسرعا الى دولاب ملابسه وحضّر رزمة صغيرة له . شاهدتُ عند صعودي الى السطح جمهوراً ساخطاً بعضهم يمسك بايديهم رؤوس مقطوعة لنساء ، لأولاد ولرجال ، أغلبهم هائمون على وجوههم تعتريهم الكراهية مع شيء من الغنائم بايديهم ، لقد نهبوا كل ما كان موجود في بيوت اليهود ، ادخلنا جارنا في غرفة صغيرة ، عائلة كاملة تضم عشرة اشخاص ، جد وجدة ايضا ، انه الجيل الذي وصل من القدس واخويهما خاليَّ الصغيرين .
رأينا بعد ايام على الفرهود جيراننا العرب يرتدون ملابسنا، تلك الملابس التي سرقوها من بيوتنا ، بيدان هنا كان الجزء البسيط في الاحداث . وتواردت على اسماعنا مجموعات مخيفة من الاحداث الواحدة تلو الاخرى . وعلمنا ان جيراننا القريبون من البيت المجاور – عائلة تضم عشرة اشخاص – قد ذُبحت كُلها . كذلك ذبحوا اكثر من مائة وخمسين يهوديا شيوخ ، نساء ، صبية واطفال صغار . لقد سُلبت محلات كاملة من الاحياء اليهودية ، وهدمت ثم أحرقت . ومن بالغ السخرية – ان سوق الاقمشة الذي تتواجد محال والدي فيه بقي دون احداث . ولو عرف والدي ماذا سيحدث في المستقبل ، كان سيبقي البضاعة في محاله .
وقد هيأت الطائفة التقليدية الدينية قبرا جماعيا عملاقا لجميع الضحايا ….
في الصورة عائلة ايدي مور
الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*