كوجو ارض الرحيل(3_4) : صلاح حسن رفو

f

الماء هذه المادة العجيبة ،وهذا الأكليل الذي يزيّن وجه هذه الحياة بنقصانه في شرق الجبل آلاف الأجساد هالكة لا تقوى على الحركة، وأصبح المئات طعماً للـدودِ ،وقرباناً للأرض. المياه المتوفرةٌ منذ قرون في جزئه الشرقي، جعلت من تلك البقعة مرتعاً خصباً لاخضرار الأرض .
تتربع نبتة التبغ فيها كالملكة يتغلغلُ منتوجها من النيكوتين في أعماق تربة ” كرسي” التي تقوم بسحبه ببطء من النبتة، لتعطيها الروح والنكهة المميزة ، كأم ثكلى تمتصُ جرح ابنها المسموم بلدغة الأفعى، السم ينتقل و يسري في جسدها دون أن تدري والحياة تكتب ملحمة جديدة لطفل سنجاري قادم لها بثغرٍ باسم.
من ينابيع ” بيرخاييه” يتدفق الماء الزلال إلى أولى شتلات التبغ العذراء، يُقطع عنها الماء لأسبوع أو أكثر قليلاً، تنكمش النبتةُ على نفسها غاضبة إلى نهاية الصيف بعد أن قُلِمت وقُصِّرت للمرة الثانية، لتصبح حادة المزاج ،ثم مسدّها المزارع برفق وجعلها باقتين متناسقتين ليهدي في نهايةالموسم لآل جاسو وبرجس، لكل عائلة ” خليلية* واحدة، وقلادة تين.
رغم محاولته الحثيثة لترك التدخين، لكن الشيخ حسين برجس قام بعمل لفافة تبغ من تبوغ “كرسي” التي وصلت لديوانه ككل سنة.
ولعدم جدوى النوم في هذه الأجواء المضطربة بعد محاصرة قريته بمن فيها منذ يومين، يفكر بمماطلة أخرى أو فكرة جديدة مع ابن عمه الشيخ أحمد الحائر هو الآخر في كوچو داخل ديوانه المتعطشِ للخلاص .
لا ينسى الشيخ حسين أن يحلّق لحيته كل صباح ، ويتأنق كعادته دوماً حتى لا يضطرب أهالي القرية الذين يستمدون قوتهم منه، وخوفه من انهيارهم إن رأوه بهندامٍ غير لائق أو نظيف.
هو لا يتوقف عن الحديث معهم جميعاً، ويخبر النساء والأطفال بأن كل شيء سيكون على ما يرام_ وإن لم يكن الوضع كذلك _ رغم البؤس الذي يعشعشُ على وجوه الجميع.

مع بزوغ الفجر على تلك البيوت البيضاء الحائرة، صدحت في مشهد غير معتاد أصوات صبية يافعين، تصل إلى مسمع الشيخ حسين الذي يضحك بشكل هستيري من شدة التناقض. الأصوات تقترب وتصبح أكثر وضوحاً : “طماطة للبيع…طماطة حمرة للبيع”، يشاهد أبو سوار_ كما يناديه الأهالي_ من النافذة المطلة على الشارع الرئيسي مجموعة من السيارات الحديثة نوعية بيك أب التي تعود له ولأقاربه وقد مُلئت بالطماطة من مزارعه الشخصية المجاورة للقرية، ويقوم شباب القرى العربية المجاورة ببيعها لهم بعد أن صادروا معظم سيارات أهالي كوچو والحاتمية.
يلتمُ بعض الأهالي الذين لم يناموا منذ أيام من الخوف والحيرة حول شيخهم الذي يمازحهم دائما قائلا لهم : ماذا تريدون بعد؟
السيارات تدخل أزقتكم لإعطائكم الخضراوات دون عناء قطفها، وهذا يحدث لأول مرة في قريتنا.
يضحك البعض ساخراً ، ويبكي آخرون بحرقة ،لكنه كان يواسيهم كأخٍ كبير. في خضم هذا الحديث تدخل سيارتان مسرعتان لمرآب أحد البيوت القريبة مفتوحة الأبواب كأنهما هاربتان من فكِ الموت، يسرع كالمعتاد أبو سوار لتفقد المصيبة القادمة وهو رابط الجأش، محاولاً اختلاق الأعذار لعدم دخول الأهالي للإسلام ،
على الرغم من مرور يومين على مطالبة جنود دولة الخلافة بذلك .

_” داي* ميان” في ربوعنا بعد هذه السنين كلها، وفي هذه المأساة؟ّ! أهلا وسهلاً بأمنا الغالية، سيفرجها الخالق علينا مادام القدر قد بعثك هنا في محنة كهذه وصدفة كهذه وإن كنتِ تظنين أنها صدفة غير سعيدة.
_ أي فرج أيها الشيخ النبيل، الحثالة والقذرون يعبثون بمصائر الفقراء والمساكين، حال الأيزيديين لا يسرُّ صاحباً ولا صديقا.
_ لا عليك يا أمنا،المهم أن تستريحي أنت ِ ومن معكِ من هؤلاء المساكين ، وسنرى ماذا يحدث بعد ذلك.
طلب الشيخ حسين إفراغ أحد الدور لـ” ميانا كوچو” وأولادها وأحفادها، بعد قيامهم بإحضار الأكل. تجمع النساء والأطفال حول” ميان ” طالبين سرد ما تتذكره من ذكريات عن أولى أيام البناء في كوچو والحاتمية ، وذهب الرجال إلى الديوان بشكل منفرد من أجل القيام بمشاوراتٍ سرية بعدما بلغهم أن الشيخ أحمد جاسو قادمٌ من كوچو مع بعض الرجال من أجل المستجدات القادمة.

خليلية/2 كغ
داي/بمعنى الام

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*