البيريسترويكا الايزيدية، تفكيك المقدسات وإعادة البناء : خيري ابراهيم كورو

f

مرت الديانة الايزيدية بمراحل كثيرة حتى وصلت الى ما وصلت اليه الان. وفي كل مرحلة من هذه المراحل ولتي غالبا ما كانت تبدا بعد فرمان من الفرمانات الكثيرة التي تعرض لها الايزيديون كانت هناك اعادة بناء للتكيف والتأقلم مع الواقع الجديد الذي نشأ. واعادة البناء هذه لم تكن بالأمر السهل إذ كانت تستوجب تفكيك الكثير المفاهيم والافكار حول الكثير من المقدسات والحقائق والبديهيات وإعادة صياغتها بما يتلاءم والوضع الجديد. والتي كثيرا ما كانت تفضي الى انشاء دين جديد تماما على انقاض الدين القديم.

نحن الآن في خضم بداية مرحلة جديدة، حيث كل شيء بدا يتغير، كل شيء اصبح مشكوك فيه، فالمقدس لم يعد مقدسا كما كان والمدنس لم يعد مدنسا كما كان، والمحترم لم يعد محترما كما كان والتافه لم يعد تافها كما كان. فعن طريق فيديولايف واحد او منشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن ان يتحول المقدس الى مدنس والمحترم الى تافه والبطل الى جبان وبالعكس، وحالة الصيرورة هذه التي يعيشها المجتمع الايزيدي الآن يمكن ان تفرز واقعا جديدا كليا في المستقبل بعيدا عن كل التوقعات والتكهنات.

فالبيريسترويكا الايزيدية الجديدة لا تعترف باي حدود ولا تتبع أي منطق ولا ترضخ لأي قانون، فهي حالة من الفوضى العارمة، حالة من الهدم والتفكيك والتشويه العشوائي لكل ما هو مقدس واعادة البناء بطريقة فوضوية في كل الاتجاهات والتي ستنتج عنها في المستقبل ديانة ايزيدية ذات جوهر وشكل مغاير تماما وتختلف اختلافا كليا عن الديانة الايزيدية التي كانت قبل 2014.

وبإلقاء نظرة سريعة على ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية وما يعرض في وسائل الاعلام أو ما يتداولونه في المجالس، نستطيع ان نميز خمسة توجهات او مجموعات او تيارات تعمل ضمن هذه البيريسترويكا او اعادة البناء وهي كالاتي:

1 – تيار المحافظين الجدد او ( المتشددين): يزعمون انهم متمسكون بكل ما جاء به الشيخادي وما جاء بعده من اولياء ومراسيم وشعائر ونصوص مقدسة ولكن على طريقتهم وحسب تفكيرهم ووجهة نظرهم الخاصة. وهم مغالون جدا في آرائهم. ويؤسسون لأفكار ومفاهيم غالبا ما تكون غير منطقية، لكنهم يزعمون انها تستند الى النصوص المقدسة طبعا حسب رؤيتهم وتفسيرهم لهذه النصوص، وكثيرا ما يسيسون المواضيع الدينية كعلاقتها بالقومية وما إلا ذلك. ويصفون كل من لا يتفق مع وجهة نظرهم بالخيانة والكفر والخروج عن دين الاباء والاجداد.

2- تيار الديزم او (الربوبيون) : وهو تيار حديث نسبيا ولكنه يشمل شريحة كبيرة من المجتمع الايزيدي. يرفضون كل المقدسات والمعجزات وبالتحديد كل ما جاء به الشيخادي وما جاء بعده من اولياء ومراسيم وشعائر ونصوص مقدسة ويؤسسون لمفاهيم عامة ترتبط بعبادة الله وحده وانكار كل الانبياء والاولياء والكتب المقدسة والمعجزات وما الى ذلك، ويهدفون الى تفريغ الديانة الايزيدية من العبادات والشعائر والمراسيم الدينية إلا ما ارتبط ببعض المعتقدات القديمة كالسومريين والميثرائيين وغيرهم. ويصفون كل من لا يتفق مع وجهة نظرهم بالغباء والجهل والتخلف.

3- تيار الفانتازيا أو (الخياليين): وهو تيار يعتمد في عرضه للايزيدياتي على الخيال او الفانتازيا. فعندما يتحدث هؤلاء عن الايزيدياتي او الشيخادي او النصوص المقدسة او الاعياد يخيل اليك انهم يتحدثون عن ديانة ما موجدة في المريخ او في كوكب آخر غير الارض او في عالم روحاني آخر فيما وراء الطبيعة. حيث نسمع مصطلحات غريبة عن موضوع الدين والمجتمع الايزيدي كالمستويات المقدسة والابعاد الوجودية والسفر عبر الزمن واناس غرباء من كواكب اخرى واشياء اخرى كثيرة من هذا القبيل تأخذك الى عالم غرائبي عجائبي مليء بالإبهار والغموض والاسرار التي لا يفهمها غيرهم. يتصف اتباع هذا التيار بالتبجح بانهم يعرفون كل شيء عن الايزيدياتي وهم خبراء في هذا المجال وان الاخرين لا يعرفون شيئا ويجب ان يتعلموا منهم.

4- تيار الواقعيين أو ( المنطقيين): وهو تيار ذو تفكير واقعي او منطقي كما يزعمون ويعتمدون في عرضهم للايزيدياتي على ما موجود او على ما بقي من النصوص الايزيدية المقدسة والمعلومات التاريخية المتوفرة عن الايزيدياتي، وهم يؤمنون بكل ما جاء به الشيخادي والنصوص المقدسة، طبعا حسب فهمهم وتفسيرهم( الواقعي) لهذه النصوص وتكيفيها مع المنطق، ويولون اهتماما كبيرا بما موجود من معلومات تاريخية عن الايزيدية قبل مجيء الشيخادي. ولكنهم يعتقدون ان الديانة الايزيدية ونصوصها المقدسة تعرضت الى تشويه وتغيير كبير نتيجة ما مرى به الايزيديون من كوارث وفرمانات خلال تاريخهم الطويل ويجب اعادة النضر في الكثير من المواضيع او البديهيات لوضع الامور في نصابها الصحيح بشكل يتلائم مع عصر العولمة الذي نعيش فيه. يصفون انفسهم بالاكاديميين او الباحثين ويعطون لأنفسهم بعض التميز عن الاخرين، لكنهم يحترمون كل الآراء ويناقشونها بأسلوب هادئ بعيدا عن التعصب والتكبر او تخوين الاخرين.

5- تيار المترددين او (السائرين مع التيار): طبعا هنا يجب نشير الى وجود شريحة كبيرة من المجتمع الايزيدي خارج نطاق هذه التيارات الاربعة، وهي شريحة نستطيع ان نقول انها مترددة فهي مع هذا التيار تارة ومع الأخر تارة اخرى، أي ليس لديها موقف ثابت من الدين او من الاحداث بصورة عامة. وغالبا ما تكون لهذه الشريحة مواقف ارتجالية تعتمد عل الوضع السياسي او الاحداث الاجتماعية. فهو تيار مع الجميع وضد الجميع.

الصراع بين هذه التيارات اصبح يتجذر شيئا فشيئا واعادة البناء ومحاولات التأسيس لرؤى وافكار وتوجهات دينية جديدة بدأت وتجاوزت خط الرجعة ولا احد يستطيع ايقافها، وستعيد بناء الايزيدياتي لتأخذ جوهرا وشكلا ووجها جديدا وفقا لما ستفرزه حالة الصراع بين التيارات التي ذكرناها. ما نحن بحاجة اليه الأن كديانة هو قيادة ايزيدية دينية تملك رؤى ووعي استراتيجي لإدارة هذا الصراع وتوجيهه بشكل يخدم الايزيديين والايزيدياتي. السؤال هنا: هل لدينا مثل هكذا قيادة او ستكون لدينا؟ ان كان الجواب لا! وهذا ما اتوقعه!!، فنتيجة البيريسترويكا او اعادة البناء هذه ستكون مذاهب وطوائف وفرق تتصارع فيما بينها كما يحدث الآن في الديانات الاخرى. فهل تتحمل الديانة الايزيدية هكذا انقسامات وصراعات طائفية وهي بعددها وحجمها المعروف؟!.

xerikoro@yahoo.com

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


3 تعليقات

  1. تحية طيبة
    الحقيقة نحن نريد مقاومة الإنصهار وتمسكنا بتقاليدنا – حتى غير الدينية منها – هو الإحتفاظ بهويتنا وتميزنا عن الآخرين كشعب مستقل كاللغة التي هي ليست الدين لكنها تعتبر أقدس من الدين في تعريف القوم وهويته بل وإنتمائه العرقي ثم الوطن ويجب التمسك بهما وإبرازهما والتقاليد الدينية هي الأخرى مهمة للتمسك بالبقاء والديمومة وليس لدخول الجنة بل للمحافظة على هوية القوم المميزة …….. ببساطة نحن نريد البقاء ويعرفنا العالم بأننا شعب مميز

  2. ما سميته بالبيرسترويكا،اذا تمت بهذا الشكل النتيجة ستكون مثل انهيار الإتحاد السوفياتي.هناك المثل القائل،لا ارعى الغنم إلا اقتل الراعي.
    أي تغيير أو اصلاح ضرورة الإبقاء على الصالح القديم وليس هدم البنيان من أساسه.
    هذا هو تاريخنا وعلينا الحفاظ عليه لغة ووطن
    واللغة تسير نحو الإنقراض.
    أرى كثيرين من الأبزيديين بتحدثون وخاصة من يدعون الثقافة بحاولون أن يكون ملكيين أكثر من الملوك،كثيرين منهم لا يلفظون حرف الواو أحدهم يقول ميسل عن مدينة الموصل،كاقرانه من الأخوة المسلمين من اهالي بهدينان وكأن فقدان مقومات لهجة أو شئت لغة الأيزيدية شيء تافه ولا يعرفون أو لا يريدون أن يعرفوا أن الضياع يبدأ بضياع اللغة والتي أحد اركان الرئيسية لأي قوم.
    الأخ حاجي علو اشار إلى ضرورة الحفاظ على لغتنا التي تميزنا عن الآخرين.

  3. أخي الأستاذ خيري نثمن جهودكم في كتابة المقال٠ فيما يخص التغيير في الدين كل دين أصبح واقع حال نتيجة التطور الحاصل في الأفكار والوسائل وفي مجال البحث العلمي .حيث أصبح من السهولة على كل فرد بالكتابة والتعليق والتعقيب عن أي موضوع ويعد حق شخصي له دون حسيب أو رقيب والكل يدعلو بدلوه وحسب تفكيره وقابلياته الدينية والعلمية دون الرجوع إلى أساسيات الموضوع أو حتى النصوص الدينية .وكما هو الحال عند تيار الديزم ( الربوبيين) كما تفضلت .فبين هذا التيار وذاك وهذا الفكر وذاك أصبح الجدال والصراع محتدم. وأن لم يكن هذا الجدل قديما كما كان عليه آبائنا أجدادنا . فهم كانوا على نمط واحد حيث ( الحد والسد) والعادات والتقاليد والنصوص متساوية ومقدسة لدى الجميع . فبتأكيد الأيزدياتي قبل الفرمان لم يكن كبعده فالتغيرات السياسية والجغرافية والثقافية والهجرة سوف يكون لها دور مهم بل مهم جدا ومأثرا في الدين شئنا أم أبينا ويجب القبول به سلبا أو أيجابا .وعلينا أن لاننسى الموضوع الأهم والذي أربك الشارع الأيزيدي بصغيره وكبيره وأصبح موضوع الساعة للمهتمين وغير المهتمتين ألا وهو موضوع ( الشيخ عدي) أو الشيخ عادي عليه السلام حيث أصبح كل من يفسر بحسب أهوائه دون الرجوع الى البحث والأستقصاء أو المصادر والنصوص ليستقروا عند راي معين. أما بخصوص القيادة الأيزيدية فهي بدون أدنى شك ضعيفة وغير قادرة لأدارة هذا الصراع بشكل علمي أكاديمي ولأسباب معلومة لدى القاصي والداني . فبرأي الخوف الأكبر على الديانة هو من الحركات الراديكالية المتطرفة كالسلفية والوهابية وغيرها من حركات الاسلام السياسي والذي أنتشر بشكل واسع في الشرق الاوسط كما هو معلوم وكذلك من الحكومات الغير المهتمة بالأقليات الدينية والعرقية كما هو الحال في العراق .فالأمل الوحيد بالخروج بما تسمى بالأزمة التي يفرزها البيرسترويكا في البحث والاستقصاء في ماهية الدين بشكل علمي مدروس ومراجعة النصوص الدينية وتعديل البعض منها وأقتراب وجهات النظر بالحوار والتفاهم وأشاعة التسامح وتشجيع ودعم الجيل الشاب في الأنخراط في المجال العلمي والجامعات والحصول على الشهادات وأيصال فكر وفلسفة الدين الى العالم والمحافل الدولية من قبل المهتمين ورجال الدين والتأكيد على سلمية وأنسانيته وكما أكدته نصوصنا الدينية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*