كوچو ارض الرحيل ( الاخيرة) : صلاح حسن رفو

f

وثبَ وثبة الواثق من نفسهِ مُنطلقاً من أرض بابل ،ينطحُ كل قويٍ يعترض طريقهُ ،يُعلِن صاحبه أمام الملأ أنه الأبهى، والأولى بأن يُقدَم قرباناً للمعبد.

معبدُ الشمس منذ بزوغ أشعته المقدسة ينتظر على الدوام حبيباً مضحياً ودماً يسيل ، بوابة الشمس تستحق أن تـُرفع لها الصلوات، والثور أهلٌ لها، نيشانٌ منذ أن باركته آله القمر إلى أن قدمه “ميثرا “أيقونةً للتضحية ، ثورٌ يفتخر برمزيته من المعبودٌ المقدس ،العظيمٌ المُقلد ، يوهِبُ القوة لكل فارس و يـمنح الجمال لكل عاشق ، كيف لا؟ وهو مباركٌ من “إينانا” ورفيقٌ “لتموز” في كل حروبه .
الثور يعشق التضحية ودمه يجدد الحياة والرجال الأشداء يتأهبون واقفين بالمرصاد لكل من يحاول لمسه، فحظهم معه، واسمهم معه ،وتاريخهم معه. “القائديين*” يسبقونه بقليل و”الماموسيين والترك” يحيطون به من كل صوب، ودم “ميثرا” يغلي في أجسادهم.
الجماهير المحتشدة تحاول جاهدة رؤيته، ما أسعد مَنْ يحظى بلمسة منه تبركاً.
يحاول شابٌ نحيفٌ وسيم لمسه في أوطأ مكانٍ قرب جدار مزار (شيخ شمس) في معبد لالش يلتفت إليه الثور من دون الجميع، ويرفس برجله الأرض ويخاطبهُ قائلاً : ستأخذ مكاني هذه السنة أيها المختار، فأرضك محتاجة أن تُروى بالدماء، و أهلك ،وناسُكَ يحتاجون إلى الكثير من البكاء، بدمك وبدموعهم ستحيا سنابل القمح من جديد في تربة أجدادك المقدسة!.
يرتعب الشيخ “أحمد” ويفزُ من غفوته، ثم ينهضُ، وجسمه ، وبعض من فراشه قد تبللَ من شدة التعرق، ويناجي نفسه في وسن ذلك الصباحِ اللاهب الحزين: أيُ حلمٍ هذا ؟…وأيُ ثور يتكلم مع الإنس؟
هذا لايحدث سوى في الأحلام المؤجلة، والمؤجلة حقاً ، ولِمَ رأيتُ نفسي بهيئة الشاب في هذه الرؤيا بعد مضي كل هذه السنين؟ أهو القدر الذي كُتِبَ لي بعد هذه الأحداث، بأن أعود من (باعذرة) في كوردستان حيث الهدوء والأمان لكي أكون كبش فداءٍ لأهلي وناسي وتأريخ المنطقة؟!
على جناح السرعة ينادي الشيخ أحمد من حوله من الرجال، ويقررون كالمعتاد الذهاب إلى الحاتمية، للاطمئنان ونقل آخر شروط الهدنة بينهم وبين داعش وهم المحاصرون منذ أكثر من عشرة أيام.
استقبله الشيخ حسين بعينٍ مليئة بالتساؤلات والحيرة والقلق: هل لديك ما يفرح القلبَ، ويثلجَ قلوب المرعوبين، أم أنك تفكر مثلنا، و قررت للحظةٍ الهرب؟!
_كلا ، ليس في نيتي ترك المقعدين وكبار السن والرضع دون صاحب.
_ أمّا أنا فلن أضحي بالأصحاء، كي لا يُمحى نسلنا من الوجود، يا ابن العم لا داعيَ للمجادلة فهؤلاء سيقتلوننا لامحال.
إنهم مجموعة لصوص وشراذم دون مبدأ وضمير، لا يغريك تقيتهم، إنهم كذّابون وزائفون، ولا يُرجى منهم قول معروف أو فعلٌ حسن ، أترى ذلك النحيل ،يشير لأحد أمراء داعش الذي يتحدث لبعض الشباب لإقناعهم بعظمة دخول الإسلام ، هذا الذي كنّا نكرمه ببقشيشٍ مع كل أغنية جميلة وكل موال حزين يردده في أفراحنا ومناسباتنا، يطالبني اليوم بتحويل ديواني إلى مسجد بعد أن اهتدى!، انظر هناك إلى مرافقه المدجج بالسلاح ، إنه الرجل نفسهُ الذي كنا نتصدق عليه نهاية كل موسم بالحنطة والشعير عندما كان يأتينا هو وأولاده المعدومين من القرى المجاورة. جميع من يجاورنا يعرف حجم أملاكنا ، وأراضينا وعدد أطفالنا ونسائنا، تأكد أيها الغالي ، مع أي فرصة تتهيأ لي سآخذ كل من يستطيع المشي ونهرب الى الجبل، فالموت مع الأهل هناك أرحم، وإن لم نصل فإننا على الأقل نكون قد حاولنا التخلص من شرهم.
_ وهل تظن أنك ستنجح في مسعاك؟
_ سأحاول الليلة، وقد خططتُ لذلك.
_ قلبي معكم، وسأدعو ربي حتى الصباح بأن تنجوا بأرواحكم، لكن اسمي لن يغفر لي إن تركتُ بهيمة واحدة في هذه الأرض دون من يرعاها.

أخبر الشيخ حسين من معه من الرجال لحظة الحسم قائلا :سنخرج كل أسلحتنا المخبأة هذه الليلة، وسيحيط بنا شبابنا المسلحين وقد أخبرتهم في حال كُشِف أمرنا ، فسنقاوم بكل ما أوتينا من قوة ،وعلى قدر استطاعتنا ،وقد أبلغت الجميع ألاّ يطفئوا (المولدات الكهربائية) حتى الصباح، وابقوا البيوت مضيئة، ليتوهم داعش بأن القرية نائمة في هذه الأجواء الحارة، أما كبار السن وغير القادرين على السير سيلتحقون يوم غد بأهلنا في قرية كوچو حيث ينتظرهم الشيخ أحمد جاسو.
بعد أقل من ساعة من غسقٍ ذلك اليوم، ودعت ” ميان” أولادها وأحفادها وحثتهم على الوصول إلى الجبل، لكن إحدى حفيداتها الصغرى فضلت البقاء بقربها و ملازمتها مهما كانت العواقب، ورغم محاولات الجميع ولضيق الوقت وسرية الانطلاق، أصرت الطفلة ذات التسع سنوات المكوث والاحتماء بحضن الجدة.
بعد ساعاتٍ من المشي في جنح الظلام، وصل إلياس وناصر والأولاد مع أكثر من ستمئة شخص آخر من الحاتمية يتوسطهم الشيخ حسين إلى وادي “زليلي” الوعر والذي سيقودهم مع لحظات السحر الأولى بأمان إلى مزار ” أمادين”، الواقع في أولى الهضاب القريبة لجبل سنجار، والتي تضم هناك آلافا من الأيزيديين المسلحين مع عوائلهم الجائعة التي اتخذت صخور و تراب الجبل فراشاً لهم.

بعد هذه الأحداث بيومين أو ثلاثة ،كانت الطفلة ( روشان ) ذات الشعر القصير تسير مع مجموعة أطفالٍ آخرين في إحدى مدارس مدينة تلعفر التي أصبحت سجناً كبيراً للعوائل الأيزيدية، تستقبلها بصرخة لبؤة مسجونة ، أمها المختطفة وبعيونٍ حائرة مليئة بالدموع، تتكلم الطفلة قبل سؤال الأم عن مصير الجدة : وضعونا نحن الأطفال والنساء في سيارات حملٍ كبيرة ،ونقلونا من قرية كوچو، وأتوا بنا إلى منطقة صولاغ ، ثم فصلونا عن النساء كبيرات السن، وكانت هناك آلة حفر الأرض” شفل” تعمل هناك، بكى وتعب أغلبنا من الإرهاق ، لحين وصولي مع هؤلاء الأطفال إليكم . أنا متعبة يا أمي…أنا جائعة يا أمي، أريد أن أنام يا أمي إلى أن ينتهي هذا الحلم المزعج، بعدها بدقائق معدودة كانت روشان في نومٍ عميق في حضن أمها المسجونة ،كأنها قد ولِدتْ من جديد.

* ثلاثة عشائر ايزيدية

• في تاريخ 14.08.2014 قام داعش بعملية إعدام جماعية لكل الرجال في قرية كوچو، ثم وزعت النساء والأطفال بين مدن الخلافة المزعومة، بعد أخذ ما معهن من نقود وذهب.
• عدد المختطفين
من قرية كوچو في التاريخ أعلاه 1148،شخصا
عدد المختطفين من قرية كوچو في التاريخ أعلاه 1148،شخصا فضلا عن 150 شخصا من القرى الأخرى الذين احتموا بالقرية نفسها .
• بقي أبناء ميانا كوچو وأحفادها البالغ عددهم تسعة أشخاص بيد تنظيم داعش لمدة سبعة أشهر لحين هروبهم بواسطة مهربي وتجار البشر وبمبالغ طائلة.

• في تاريخ 14.12.2015 اكتُشِفَت مقبرة جماعية بالقرب من منطقة صولاغ تضم رفات نساء كبيرات في السن من بينهن والدة السيدة (نادية مراد)، ويرجح استناداً على وجود عكازة خشبية وبعض حبوب الأمراض المزمنة أن تكون رفات إحدى الجثث لـ”ميانا كوچو”.
• في تاريخ 27.2.2020 أكدت بيانات DNA عظام الشيخ أحمد جاسو و واحد وستين آخرين من الذين لقوا حتفهم في تلك المجزرة

• التصحيح والتدقيق اللغوي : ماجد أحمد عبدالله
صلاح حسن رفو

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*