بعد 8 سنوات.. الإحباط والانتحار ما زالا يخيمان على الإيزيديات

بعد 8 سنوات.. الإحباط والانتحار ما زالا يخيمان على الإيزيديات

ما يزال أكثر من 250 ألف إيزيدي يعيشون في مخيمات إقليم كردستان العراق والتي تم إنشاؤها بالخصوص لهم ولمن هرب من تنظيم داعش خلال اجتياحه العراق وسيطرته على ثلث مساحته مرتكبا جرائم عدة ضد الإنسانية بحسب تصنيفات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية.

ومن الجرائم التي تم الاعتراف بها على أنها إبادة جماعية، هي ما فعله داعش بالإيزيديين العراقيين من قتل جماعي وسبي للنساء ودمار كبير أصاب كبرى مدنهم سنجار التي كانت شاهدة في الثالث من آب أغسطس 2014 على هذه المجازر.

وتعيش الناجيات الإيزيديات حالة إحباط عميق بسبب عدم وجود دعم حكومي لهن على الرغم من إقرار قانون خاص بهن قبل عامين، إذ ينتظرن تطبيق القانون الذي ينص على توفير الدعم المادي لهن وكذلك توفير علاج نفسي إضافة إلى فقرات أخرى.

مصير مجهول

تقول حلا سفيل، وهي ناجية إيزيدية احتفلت بذكرى تحريرها الخامسة قبل أيام بعد أن قضت 3 سنوات في الأسر لدى داعش، لـ”العالم الجديد”، إن “العديد من المختطفات الإيزيديات ما زلن مجهولات المصير، وعلى الرغم من ذلك، فإن حال المحررات ليس أفضل منهن وسط غياب الدعم الحكومي لنا وعدم العمل بقانون الناجيات الإيزيديات إلى الآن، وهن يعانين من وضع اقتصادي مزر وصعوبة في الحصول على فرص عمل”.

وتشير سفيل إلى أن “أكثر من 2800 امرأة وطفل من الإيزيديين لا زالوا في عداد المختطفين، ولا يوجد أي تحرك حكومي عراقي للبحث عنهم أو تشكيل لجنة بهذا الخصوص”.

وتعبر عن استيائها من “عدم تحرك الحكومة العراقية تجاه احتواء الناجيات الإيزيديات، حيث لم يحظين بأي دعم حكومي مادي أو معنوي لمساعدتهن على الاندماج في المجتمع مرة أخرى”، مضيفة “عندما تم تحريري قبل 5 أعوام، بدأت العمل كموظفة خدمات في إحدى المراكز الصحية الخاصة بالنازحين، واليوم أعمل كمديرة في منظمة يزدا العالمية والتي دعمتني بشكل كبير وتدعم الناجيات الإيزيديات”.

حالات انتحار

ارتفعت معدلات الانتحار في المجتمع الإيزيدي، وأغلبها تعود للنساء منهم، ويعزو متخصصون أسباب ذلك إلى عوامل نفسية نظرا للظروف التي يعيشها المجتمع الإيزيدي بعد الإبادة، وبحسب متابعة “العالم الجديد”، فإن عدد حالات الانتحار التي سجلت كانت 19 حالة منذ بداية العام 2022 منها 13 حالة تعود لنساء.

ويشكل توفير الدعم والعلاج النفسي جزءا رئيسا من قانون الناجيات الإيزيديات الذي أقره البرلمان العراقي في آذار 2021، فضلا عن تعويض الإيزيديات اللواتي اختطفن من قبل داعش وتعرضن لأشكال العنف ماديا ومعنويا، بهدف تأمين حياة كريمة لهن وإعادة دمجهن بالمجتمع، لذلك يطالب العديد من المتابعين للشأن الإيزيدي بتطبيق قانون الناجيات الإيزيديات، وفقا للصحفي الإيزيدي ذياب غانم.

ويصف غانم، خلال حديثه لـ”العالم الجديد”، أوضاع النازحين الإيزيديين بالصعبة، مبينا أنها “تزداد صعوبة على النساء، وخاصة الناجيات الإيزيديات لأنهن لا يتلقين أي دعم نفسي يذكر، وهذا الأمر جعل حياتهن صعبة للغاية، فكان الانتحار الطريق الأسهل لهن للخلاص”.

ويرى مدير المنظمة الإيزيدية للتوثيق في سنجار خيري علي إبراهيم، أن “أغلب المنتحرين من الجيل الشبابي، وهذا يدل على وجود مشاكل كثيرة تواجه هؤلاء”.

ولم ينف إبراهيم في حديثه لـ”العالم الجديد”، أن “الأمر لا يقتصر على أسباب نفسية وإنما هناك حالات ابتزاز أيضا دفعت ببعض الفتيات إلى الانتحار، وهن نسبة قليلة مقارنة بعدد المنتحرات لأسباب نفسية”.

أفكار كارثية

وتتحدث خجي، وهو اسم مستعار لفتاة إيزيدية تبلغ 19 عاما ونازحة إلى دهوك في كردستان، عن فكرة الانتحار التي كانت تريد تنفيذها، قائلة “لا أعرف من أين جاءتني هذه الفكرة الكارثية”.

وتشير خجي في حديثها لـ”العالم الجديد”، إلى أن “الفكرة راودتني مرارا للتخلص من جحيم النزوح والفقر الشديد للعائلة، وخاصة أني لا أستطيع أن أعيش كأية فتاة أخرى، ورأيت أن الانتحار هو الوسيلة الوحيدة لتخفيف معاناتي وكذلك تخفيف العبء على عائلتي”.

وتضيف “ساعدتني أختي كثيرا ونهتني عن فعل ذلك وأفهمتني أنه فعل خطير سيكون كارثيا على العائلة، لذلك كان يجب التوقف عن التفكير بالأمر”، معبرة عن أملها في “تغير الواقع الإيزيدي وانتهاء النزوح والعودة إلى سنجار ومنزلنا هناك”.

وتنوه إلى أن “أوضاعنا قبل الإبادة كانت جيدة نوعا ما بوجود منزل كبير لنا وغرفة خاصة بنا كفتيات، وعلى أي حال أشعر الآن بالراحة والسعادة لأنني تخليت عن فكرة الانتحار”.

تطلعات للتغيير

وبشأن تفاقم الحالات النفسية بين الناجيات، يؤكد مدير المنظمة الإيزيدية للتوثيق في سنجار خيري علي إبراهيم، أن “كل العوامل التي تحدثنا عنها تؤكد لنا أن الإبادة بحق الإيزيديين مستمرة ولا يمكن إخفاء ذلك”، مرجحا “ارتفاع حالات الانتحار بين الإيزيديين إذا استمرت الأوضاع بهذا الشكل من دون أي تغيير يذكر”.

فيما ترى الناجية حلا سفيل، أن “وجود دعم من الأسرة سيسهم كثيرا في تخفيف معاناة الذي يفكرون بالانتحار، ولكن مع الأسف فإن أوضاع النازحين صعبة في ظل استمرار معاناتهم مع النزوح وعدم وجود حلول سياسية لمشكلتهم”.

وتشيد بـ”استقبال الناجيات الإيزيديات من قبل المجتمع الإيزيدي وقرار بابا شيخ الراحل القاضي باستقبالنا، وهذا دليل على وجود احترام كبير للمرأة في المجتمع الإيزيدي”، لكنها تشكك في “انتهاء المسألة وعودة النازحين في الوقت الحالي بسبب الظروف السياسية للبلد وأيضا القصف التركي المتكرر على سنجار”.

وقد تعرض المكون الايزيدي في سنجار غربي نينوى، في 3 آب أغسطس 2014 الى اجتياح من قبل تنظيم داعش الذي قام بتنفيذ إبادة جماعية تمثلت بقتل الآباء والأبناء والنساء، من كبار السن والشباب من خلال عمليات إعدام جماعية، فضلا عن سبي (خطف) النساء والفتيات والأطفال.

يشار الى ان فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة، أعلن في 10 أيار مايو 2021، وفي احاطة له حول اجتياح داعش للعراق، إنه وجد “أدلة واضحة ومقنعة على أن الجرائم بحق الايزيديين تمثل بوضوح إبادة جماعية”، ونجح الفريق أيضاً في تحديد 1444 من الجناة المحتمل تورطهم في جريمة الإبادة الجماعية بحق المجتمع الايزيدي.

ومنذ سنوات حاولت الحكومة الاتحادية، البدء ببرنامج لإعادة النازحين الإيزيديين الى مدينة سنجار وإغلاق مخيمات النزوح، وفتحت باب العودة الطوعية، لكن المقومات والبنى التحتية لم تكن متوفرة في المدينة، خاصة بعد دخولها في الصراع الدائر بين اطراف عدة، داخلية وخارجية، إذ وقعت الحكومة الاتحادية في التاسع من تشرين الأول أكتوبر 2020، مع حكومة إقليم كردستان اتفاقا وصف بـ”التاريخي” حول سنجار، تضمن إخراج كافة الفصائل وعناصر حزب العمال الكردستاني منه، وإخضاعه لسيطرة القوات الأمنية الاتحادية، لكن هذا الاتفاق لم يطبق على أرض الواقع بسبب فشل بغداد وأربيل في تنفيذه بذريعة التحديات التي واجهتهما على ارض الواقع.

وقررت الولايات المتحدة الأمريكية في مرسوم، اعتبار ما حدث للإيزيديين والمسيحيين في العراق وسوريا إبادة جماعية، وذلك خلال مراسم مشروع القرار الموسوم  “HR390”والذي وقعه الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في البيت الأبيض، بحضور رئيس أساقفة “ايبارشيتنا” المطران مار بشار متي وردة، حيث أُقر بأن الجرائم المرتكبة من قبل تنظيم داعش ضد المسيحيين والإيزيديين في العراق وسوريا إبادة جماعية.

وتضمن القرار تعهداً من الحكومة الأمريكية بتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة لهم لإعادة إعمار مناطقهم المحررة وملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم.

وكان البرلمان البلجيكي، صادق بالإجماع في تموز يوليو 2021 على نص قرار يعترف فيه بتعرض الأقلية الإيزيدية في العراق إلى “الإبادة الجماعية” من قبل تنظيم “داعش”، وهو قرار غير الملزم يدعو الحكومة الفدرالية إلى ملاحقة ومعاقبة مرتكبي هذه الجرائم والسعي إلى تبني مجلس الأمن قرار إحالة هذه الجرائم إلى محكمة دولية.

أرقام وحقائق

ومن بين ما يقارب 1.5 مليون إيزيدي في العالم، يعيش العدد الأكبر -أكثر من 550 ألفا- في العراق، مع وجود أعداد أقل في تركيا وسوريا، إذ أسفرت عقود من الهجرة عن توجه أعداد كبيرة منهم للهجرة إلى أوروبا، وخصوصا ألمانيا التي تؤوي نحو 150 ألفا من أبناء هذه الديانة، إضافة إلى السويد وفرنسا وبلجيكا وروسيا.

ولكن منذ اجتياح تنظيم داعش سنجار عام 2014، هاجر ما يقارب 100 ألف إيزيدي من العراق إلى أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وكندا. ولا يزال نحو 360 ألفا يعيشون اليوم في مخيمات النازحين شمال غرب العراق. ولم يتمكن سوى بضعة آلاف فقط من العودة إلى سنجار، حيث لا تزال معظم المنازل أنقاضا والكهرباء والمياه النظيفة والمستشفيات شحيحة.

ويقول الإيزيديون إنهم تعرضوا لـ74 “إبادة جماعية” على مر التاريخ، كانت آخرها وأسوأها على الإطلاق تلك التي نجمت عن هجوم تنظيم داعش في 2014، وفقا للمجلس الروحاني الأعلى ..

العالم الجديد – سامان داود.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*