العمل السري.. طابعة بحزاني في ذلك الزمن : صباح كنجي

اهداء الى المناضلة الشيوعية نرجس السيفي ـ ام ولسن وماكينة خياطتها

 

الكتابة عن بعض تفاصيل العمل السري.. في زمن الكفاح المسلح ومواجهة نظام القتلة البعثيين.. لا يخلو من طرائف.. رغم مرارة تلك الأيام وقسوتها..

  ومن بين المتواجدين في شعاب الجبال والمقرات.. كان عدد محدود من الأنصار والكوادر ممن كلفوا بالجمع بين العمل العسكري والسياسي ـ التنظيمي في آن واحد..

وهكذا بدأنا ندمج بين المهمتين من عام 1980.. واخذنا نوسع من رقعة تواجدنا في مدن سهل نينوى وأطراف الموصل.. معتمدين على عناصر شابة نشطة غير مترددة لديها الاستعداد لتحمل مشاق ومخاطر تلك المرحلة الصعبة.. التي كان الموت ينمو ليلاحقنا بين خطوة وأخرى..

وشمل هذا المعارضين للنظام ومن ثم لحق بهم.. جمهور من الرافضين للحرب الطاحنة.. من الذين تمكنوا من الإفلات والهروب من المعسكرات وخطوط الجبهة.. وشكلوا اعداد لا يستهان بها من الشباب الذين كانوا مهددين بالإعدام.. وبات يتكون منهم.. يوماً بعد آخر.. شريحة مهمة تجلب الاهتمام.. بدأنا بمساعدتهم.. بالقدر الذي تسمح به اوضاعنا وامكانياتنا الشحيحة في حينها..

وكانت قرى الكند.. ابتداء من دوغات.. سريجكه.. النفيرية.. ختارة.. خوشابا.. عين بقرة..من القرى والمدن التي نتمكن من الوصول اليها وندخلها في ساعات الليل فقط بحكم خطورتها وإمكانية تطويقها بسهولة بحكم قربها من الشارع العام الذي يربط الموصل بقضاء تلكيف وناحية تلسقف ومن ثم القوش وقضاء الشيخان ناهيك عن وجود مركز شرطة في باعذرة بالإضافة الى سلسلة ربايا الجيش العديدة التي تراقب المنطقة ليل نهار.. والتركيز على قرى..  خورزان.. كرساف.. طفطيان.. بوزان.. بيبان.. نصرية.. جراحية.. ديدفان .. ملاجبرا.. ايسيان.. التي كنا نتردد اليها بشكل علني.. بحكم قربها من الجبال وخلوها من التواجد العسكري والرسمي باستثناء شبكة العملاء “السرية ” التي كانت مكشوفة لنا ايضاً بحكم تعاون الأهالي معنا وتشخيصهم لمن يتجاوب مع ضغوطات السلطة وأجهزة القمع..

وشمل التواجد العلني فيها مفارز عسكرية للأنصار.. وشبكة الكادر المكلفين بالإشراف على الخلايا والصلات الحزبية السرية فيها..

أما المدن والقرى البعيدة كـ.. بعشيقة.. بحزاني.. تلسقف.. مجمع مهت.. وغيرها من البلدات.. فكان تفكيرنا وتركيزنا ينصب على خلق خطوط وحلقات حزبية فردية.. بحكم وجود مؤسسات قمعية للسلطة فيها.. تمثلت بمنظمات حزب البعث وعناصر الأمن.. باستثناء ناحيتي بعشيقة وتللسقف التي تواجدت فيهما مؤسسات للدولة شملت مراكز شرطة ودوائر أمن..

وحدها بحزاني تفردت بحالة خاصة الى اليوم.. فرغم نفوسها الذي يقترب من 20 ألف مواطن.. لا يوجد فيها لحد اليوم.. اية مؤسسة حكومية.. عدا المدارس الابتدائية والثانوية.. وما زالت خالية لليوم من مركز صحي.. او اية دائرة رسمية.. وهذه واحدة من “إنجازات” حزب البعث الكبرى في المنطقة لأكثر من أربعة عقود في السلطة..

وكانت التجربة الوحيدة في هذا المسعى.. منتصف السبعينات.. فتح مركز شرطة فيها لعدة أشهر.. سرعان ما تم غلقه وسحب من فيه باقتدار.. وجرى تحويل مبنى الشرطة الى مسكن لعائلة ما زالت تتواجد فيه لليوم..

والسبب يعود لطبيعة اهل بحزاني الثورية.. الرافضة للظلم والقهر.. الذين كانوا على استعداد لمواجهة اية سلطة.. أو وقوى تسعى للنيل منهم.. وكسر ارادتهم.. ويبدو ان هذه الصفة.. قد ورثتهم عناداً وطاقة تحمل اتصفوا بها.. وشكلت عنوانا لأهلها وساكنيها مع الزمن.. بحكم ما مرّ بهم من تجارب ومحن.. من مراحل الفرمانات الإسلامية.. التي كانت تطال القرى والمدن الإيزيدية وبقية المتواجدين في سهل نينوى من الآشوريين والسريان والكلدان المعتنقين للديانة المسيحية..

وهكذا كان حال المدينة في عهد حزب البعث.. في مرحلتيه.. من عام 1963 وما بعدها.. حيث بقيت بحزاني.. التي أعلن منها انطلاق اول مجموعة كفاح مسلح.. بعد انقلاب شباط مباشرة.. بساعات قليلة.. من خلال مجموعة ثوار تجمعوا في مزار الشيخ بكر..

ومن بعدها.. كانت لا تخلوا من مفارز الأنصار والبيشمركة.. وتميزت محلة البرافية.. القريبة من مدخل الجبل بوجود مفارز علنية للأنصار يكاد ان يكون مستمراً.. لغاية انقلاب 17 تموز 1968 وما تلاه من زمن سابق للحرب..

والمرحلة الأصعب كانت في عهد الطاغية ومجرم العصر صدام حسين.. الذي أشعل فتيل حرب مع إيران كان من نتيجتها مقتل العشرات من أهالي بحزاني.. في ساحات القتال.. خاصة في المراحل والأيام الأولى منها..

 ومع تواصلها واستمرارها برزت الى الوجود شريحة رافضي الحرب.. الذين تجاوزت اعدادهم المئات.. كنا نواجه مهمة دعمهم وتنظيمهم.. وكيفية مساعدتهم.. وحينما كثر العدد.. اخذنا نفرزهم كمجموعات صغيرة بين شعاب الجبل والبساتين.. وفي عدد من البيوت الامنة.. التي كانت توفر لهم فرص النوم وتنظيم الحراسة.. التي لم تقتصر عليهم واشترك فيها الرجال والنساء وحتى الأطفال.. الذين كانوا يراقبون تحركات عناصر الأمن والمخبرين السريين.. الذين تواجدوا في صفوف البعثيين.. كان بينهم عدداً من النساء والفتيات ممن تم الإيقاع بهن..

ومع الزمن أصبح إمكانية التحاق وانقاذ من يواجه المخاطر سهلا.. بحكم تواصل عدد من الأنصار وتواجدهم في جبل بحزاني.. وبقية قرى الكند.. في سهل نينوى.. الذين كانوا يتواصلون فيما بينهم وتمكنوا من التردد والبقاء في أماكن سرية خاصة غير مكشوفة حتى للرعاة..

لكن المشكلة الأكبر بقيت مع من لم يكن قادراً على الالتحاق ومغادرة المنطقة لأسباب شتى.. وهنا برزت الحاجة الى تسليحهم.. وتمكنا من خلال علاقاتنا توجيه البعض الموثوق منهم للانخراط في صفوف الأفواج الخفيفة ـ الجحوش ـ وتمّ حل مشكلة السلاح من خلالهم..

اما البقية.. فكانوا يعتمدون على صيغ نماذج لإجازات عسكرية مزورة.. ساهم في الحصول عليها من كانت له صلة قرابة بضباط وعسكريين يعملون في الجيش والقلم كما يسمى في الوحدات العسكرية.. وأصبحت هذه الاجازات مطلوبة بكثرة.. زاد الطلب عليها.. او على نموذج كتاب عسكري سري مغلق مكتوب عليه (سري للغاية) يمنح للجندي لمدة يومين.. ولا يجري فتحه في السيطرات.. ومكتوب عليه يسلم باليد..

مما دفع للتفكير بأهمية وضرورة الحصول على طابعة.. تكون تحت تصرفهم.. لا يجري استخدامها الاّ عند الضرورة القصوى وبشكل محدود.. وكانت تواجهنا مشكلتين:

ـ كيف نحصل على طابعة؟

ـ وكيف يمكن نقلها الى بحزاني.. ومن ثم اين نضعها؟..

فوجود هكذا آلة خطرة في حسابات ذلك الزمن.. ليس بالأمر السهل.. وعواقب اكتشافها لا تقبل التأويل في حالة العثور عليها..

ومع ذلك وبعد ان حسبنا كل الاحتمالات.. قررنا تنفيذ الخطوة.. وتعهدت بتوفيرها لهم بشرط انْ تنقل على الظهر ومشياً على الأقدام.. تجنباً لمخاطر تمريرها من السيطرات.. وضمان وضعها في مكان آمن.. وتم تشخيص بيت مهجور لتوضع فيه بعد ان تأكدنا من وجود فتحة في الجدار تسمى في بحزاني (اخشيم)..

كانت الخطوة الأولى قد نفذت بجدارة.. وفقاً لما كتبه لي المشرف على نقلها من مناطق الأنصار الى بحزاني حيث ورد في رسالته يوم أمس..

 (فلشنا الطابعة وفككناها بالقرب من مجمع مهت.. وادخلناها في مكان سري في سيارة لاند روفر.. وجئنا بها من الطريق الترابي ـ القجخ ـ الى بحزاني بدلاً من الطريق الجبلي المتفق عليه.. وتبين بعد وصولنا.. إن الطابعة قد تعرضت الى عطل بسبب اهتزازات السيارة وما فيها.. من جراء الحفر التي كانت في الطريق.. ولم يكن لدينا خبرة بتصليحها.. وساعدنا الفقيد ـ ماجد شيخوـ معتمداً على صديق له وجازف واخذها بسيارته اليه ليصلحها في الموصل واعادها الينا جاهزة)..

امّا تشغيلها واستخدامها للضرورة وكيفية الاستفادة منها فكان يجري ليلا.. ولا يعرف بذلك الا الطبّاع.. الذي كانت بذمته وتحمل مسؤوليتها.. بعد ان هيأنا له بقية المستلزمات الفنية من شرائط وحبر وقوالب اختام.. اذكر منها أختام لأفواج وفرق عسكرية ورئاسة الجمهورية ومحافظ الموصل.. واضن ان لم تخني الذاكرة تجاوز عدد الاختام (55) ختماً.. وكنا قد حصلنا على مستلزمات صنعها من سوريا لكيلا نجلب النظر.. وكانت عبارة عن مسّاحات بلاستيكية متعددة الاحجام جلبت عن طريق الأنصار..

وهكذا دارت الأيام.. وتم الاستفادة من طابعة بحزاني لفترة طويلة تجاوزت السنتين بعد الانتفاضة.. لحين حدوث مفاجأة غير سارة تمثلت بوجود شبح (جن) جلب انتباه امرأة.. كانت قد استمعت بعد منتصف الليل الى صوت جقجقة من ماكينة خياطة تأتي من البيت المهجور..

مما حدا بها لمراقبة مصدر الصوت.. وبعد أن تأكدت من سماع الصوت ثانية.. ارتعبت وفاتحت زوجها بوجود (جن) في البيت المجاور المهجور يشغل ماكينة خياطة.. ويحيك ملابس لأسياده الملائكة ليلا.. فما كان منه بعد ان سخر منها لمرتين.. الاّ الانصياع لها ليسمع في المرة الثالثة بنفسه.. صوت ماكينة الخياطة.. التي يشغلها الجن المتخفي في الجدار.. في تلك الساعة الحالكة من ذلك الليل الطويل..  

وهنا بدأ همساً الفصل الأول من حكاية ذلك الجن.. ينتقل من شخص لآخر.. لحين وصول الخبر للأمن الذين وضعوا في جدول عملهم مراقبة وملاحقة ذلك الجن.. وكانت المفاجأة عثورهم على الطابعة وكيس الأختام وبقية عدة مستلزمات الطبع..

مفاجأة من عيار ثقيل ينبغي السكوت عليها.. وعدم كشف السر.. لكيْ لا ينخدش حياء وجبروت السلطة البعثية.. وأصبح التستر على الموضوع هو القرار المعتمد.. مع البحث عن الجناة.. ومن يقف خلف هذا الاكتشاف ـ الفضيحة لدولة البعث..

والصفحة الأخيرة التالية كانت.. في اليوم الثاني على طاولة مدير أمن نينوى.. الذي استدعى المحافظ وعدد من المسؤولين والضباط واخذ يجرب الأختام امامهم..

هذا ختم محافظ الموصل..

 وذلك للفرقة الثانية للجيش

 والثالث للفوج الأول

وهذا ختم رئاسة الجمهورية

واصل وهو يصرخ:

ـ شوفوا.. شوفوا.. بشرفكم موْ أحسن من اختامنا؟

ومن باب الاحتياط.. انتقل المشرف على الطابعة.. الى مناطق الأنصار.. تجنباً من احتمالات كشفه واعتقاله.. ليبقى بعيداً عن أحكام الإعدام التي كانت تطال.. كل من يملك جهاز طابعة في ذلك الزمن المر..

مع بحزاني وغيرها من مدن سهل نينوى.. في اجواء العمل السري والانصار.. سيكون لنا وقفات مع حكايات أخرى إن سنحت لنا الفرصة في الأيام القادمة من الزمن المقبل..

ـــــــــــــــــــ 

صباح كنجي

20/9/2022

ـ مقتطف من حكايا الأنصار والجبل..

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*