ar

كاظم حبيب: نادية مراد القدوة المشرفة والنموذج النبيل

 

كانت نادية مراد واحدة من بين 6700 امرأة إيزيدية تم أسرهن من قبل عصابات داعش الإرهابية التي اجتاحت الموصل وسهل نينوى بعد هروب انهزامي وانسحاب دون قتال أمام هذه العصابات من قبل القوات المسلحة العراقية بجميع أصنافها التي وجدت في محافظة نينوى وقوات البيشمركة بقرار من القائد العام للقوات المسلحة العراقية ورئيس الوزراء السابق نوري المالكيوراسة إقليم كردستان، حيث ترك بنات وأبناء الموصل وسهل نينوى، ومنها مناطق سكن الإيزيديين التاريخية، تحت رحمة هذه القوى الإجرامية من شُذّاذ الآفاق والممولين والمدعومين من دول رجعية واستبدادية عديدة في الشرق الأوسط والمدعومة بدورها من الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص. لم تكن نادية في بالها أو تنوي أن تكون بطلة، ولا أن تكون سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة، ولا أن تحصل على جوائز عالمية وإقليمية، ولاسيما جائزة نوبل للسلام، لولا أن فرض عليها واقع الحال بسبب ما تعرضت له مع أبناء شعبها من ويلات يشيب لها شعر الأطفال. وقعت، مع آلاف النسوة الإيزيديات، في أسر قوى وعناصر مشبعة بروح الجريمة والانتقام من أتباع الديانات الأخرى والتي تربت على أيدي شيوخ دين مسلمين متطرفين كارهين لأتباع جميع الديانات والمذاهب الأخرى، كارهين للإنسان السوّى والعقلاني، وراغبين في قتل كل من لا يؤيدهم أو لا يقف إلى جانبهم. عناصر فاسدة وحاقدة تكفر الجميع إلا نفسها، ولا تفهم غير لغة السيف وقطع الرؤوس، لغة الرصاص والدم والتخريب. وحين وجدت نفسها، والآلاف من بنات شعبها، في موقف الأسيرة المستباحة، أدركت بوعي واجبها الإنساني، فسعت للهروب، رغم تعرضها المستمر للتعذيب الوحشي والكوي بالسجائر والإساءات الكثيرة، بأمل الوصول إلى بر الأمان لتبدأ نضالها الجديد، نضالها المفعم بالإيمان بحقها وحق بنات وأبناء شعبها في العيش الآمن والكريم وحقها في الإيمان بحرية، لتبدأ نضالها في الدفاع عن المسبيات أمام شعوب العالم والأمم المتحدة وجميع المنظمات والهيئات الدولية لتطالب لا بالبكاء على بنات شعبها وأنباء الوطن، بل بالعمل من أجل انقاذهن وانقاذ الوطن من براثن هؤلاء الوحوش الكاسرة الغبية والمليئة بالإجرام والفسق والفجور. وقد تحقق لها الهروب بإرادتها القوية وصلابتها وإصرارها عل تنفيذ ما كانت تسعى إليه.

وقفت، وهي الفتاة التي تحملت عذابات الأسر والتعذيب والإساءة وجرح الكرامة، لتعلن من على منصة الأمم المتحدة بكل شجاعة وشرف وإباء عن الدور الذي ينبغي أن تنهض به لتحرك الرأي العام العالمي لإدانة كل هؤلاء القتلة، وكل الذين قدموا الدعم والتأييد لهم، وكل من سهل لهم المهمة الوقحة ليمارسوا القتل والفحش في بلاد الرافدين من حكام العراق والدول المجاورة، وتدعو العالم كله للنهوض بدوره في مواجهة هذه العصابات المجرمة التي لم تكتف بقتل وأسر واستباحة البشر، بل عملت على تدمير جزء أساسي من حضار وتراث وتاريخ بلاد وادي الرافدين وتدمير دور العبادة ومراقد الأولياء الصالحين لأتباع جميع الديانات والمذاهب في العراق.           

لقد ألّفت نادية مراد كتاباً نادراً وحيّاً بعنوان “الفتاة الأخيرة: قصتي في الأسر ومعركتي ضد تنظيم داعش”، يجسد ما عانته في أسر هذه القوى الخبيثة ومعاناة النساء والأطفال الإيزيديين الذين أسروا وبيعوا في سوق النخاسة “الإسلامي” أو تعرضوا للاغتصاب، إضافة إلى اسر واختطاف الأطفال الإيزيديين وتدريبهم في معسكرات تنظيم داعش الإجرامي على حمل السلاح وعلى الكراهية والحقد ضد الآخر. لقد منحت نادية مراد، بنشاطها ودابها وتجاوز آلامها النفسية بسبب معاناتها الذاتية، على فضح هذه القوى والدفاع عن بنات وأبناء العراق اللواتي تعرضن للأسر، جوائز تقديرية عدة منها: ** في سبتمبر 2016، عينتها الأمم المتحدة سفيرة للنوايا الحسنة لمكافحة المخدرات والجريمة، ** في عام 2016، حصلت على جائزة فاتسلاف هافيللحقوق الإنسان من مجلس أوروبا، ** في عام 2016، حازت على جائزة زخاروف لحرية الفكر مناصفة مع مواطنتها لمياء حجي بشار، ** في 5 أكتوبر 2018 أعلن عن فوزها بجائزة نوبل للسلام بالمشاركة مع الطبيب الكونغولي دينيس موكويغي. (قارن: الموسوعة الحرة، لتاريخ 15/12/2018).

وجائزة نوبل للسلام تقترن عادة بمنح مبلغ مالي تقديراً لهذا الدور الإنساني. ومرة أخرى عبرت السيدة الفاضلة نادية مراد عن نبلها وإنسانيتها وحبها لشعبها حين اعتبرت هذه الجائزة الكبيرة لا تعبر عن معاناتها ونضالها الشخصي فحسب، بل وبالأساس عن نضال جميع النساء الإيزيديات والأطفال الذين اختطفوا والذين لا زالوا في الأسر والمعاناة، وعن جميع النساء العراقيات اللواتي تعرضن للنزوح وأشكال من التمييز والقهر والعذاب والبؤس والفاقة أولاً، كما قدمت المبلغ لبناء مستشفى في المنطقة التي تعرضت لاجتياح الدواعش ثانيا.

والسؤال العادل: هل يمكن لهذا الموقف النبيل من نادية مراد أن يخجل السياسيات والسياسيين الفاسدين والمفسدين في العراق، وغالبية النخب الحاكمة وقادة الأحزاب السياسية الإسلامية والقومية ممن فقدوا الحياء كلية وراحوا يبتلعون أموال العراق كالوحوش الكاسرة وهم لا يختلفون في ذلك عن الدواعش، إذ في نهبهم للأموال سرقوا اللقمة من افواه الجائعين من الأطفال اليتامى والمشردين والأرامل البائسات اللواتي يعصرهن الجوع والحرمان والمرض والموت. هل أدرك عادل عبد المهدي، رئيس الوراء الجديد، وهو يستقبل نادية مراد، بأنه لا يقوم بالواجب الذي يفرضه عليه موقعه والقسم الذي أداه، في مكافحة الفساد فحسب، بل وإنه يشجع على الفساد فعلياً من خلال إصراره على تعيين فاسدين في حقيبتي الدفاع والداخلية ومن ذوي السوابق البعثية في وزارات أخرى ليمارسوا النهب والسلب وأكل السحت الحرام أيضاً. إن الشعب العراقي الذي استقبل نادية مراد بحرارة وحيوية لنضالها ودورها في فضح من تسبب في وقوع الموصل وسهل نينوى في أيدي الدواعش، ومعاناتهم تحت هيمنة الدواعش، مُطالب اليوم بتشديد النضال من أجل ذات الأهداف والخلاص من الفساد والفاسدين ووضع أموال الخزينة العراقية في خدمة الشعب العراقي ومنع وصولها لجيوب الفاسدين المترفين في العراق من مسؤولي الدولة والأحزاب السياسية الإسلامية والقومية. وليس هناك من خلاص للعراق من مستنقع الفساد والطائفية اللئيمة سوى نضال الشعب العراقي لإقامة الدولة الديمقراطية الحديثة والعلمانية التي تقف بحياد تام إزاء جميع الأديان واحترام أتباعها، وتفصل بوضوح ومسؤولية بين السلطات الثلاث واستقلال تام للقضاء، وبناء المجتمع المدني الديمقراطي ومكافحة الفساد والفاسدين ومن تسبب بكوارث نينوى وتقديمهم للقضاء العراقي لمحاكمتهم بعدل ومسؤولية.

لتكن السيدة نادية مراد قدوة لنساء ورجال العراق في الدفاع عن الإنسان وعن حقوقه وحريته وكرامته وعيشه الأمن والرغيد، لتكن نموذجاً يحتذى به في نشر الفضيلة وعزة النفس ومناهضة السقوط الأخلاقي والسياسي لأغلب النخب الحاكمة في العراق.       

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*