الجمعة, يناير 27, 2023
Homeمقالاتأصابع الموت :  عبدو بليبل

أصابع الموت :  عبدو بليبل

 

وسار الموت شكساً بجسده الأسود المقيت في ليلة ظلماء، حيث كانت تثور فيها العواصف وتجلجل الرياح. فتتململ الأشجار مرتاعة، وتوصد الأبواب والنوافذ في تلك الأكواخ المتصدعة. الجالسة جلوس خاسر بين الهضاب والأودية.
فتتساقط الأمطار في تلك الساعة المريبة، كأنها أنهار تتدفق من السماء فتغمر المنخفضات بالمياه وتغرق الدروب والأزقة. ثم تجري محملة بالأغصان والوحول نحو الوهاد والشقوق.

في تلك الهنيهة المفعمة بالصخب والضوضاء، حيث يهجع الناس فيها بارحين الحياة، وهي تضج وتصيح والعواصف تلعلع وتزمجر، كأنها الساعة شاءت أن تقوم. أما هم فمنصرفون عنها غارقين في النوم والأحلام.

غير أن فتى في مقتبل العمر ظل وحده قرب مدفأة تصارع النار فيها نفخ الرياح الجائرة، فتمحقها تارةً وتارةً أخرى تسحق أمام جبروتها. فتخمد وتتحول جثة باردة. لكن الفتى ظل يجول بأفكاره البريئة، فيخاطب العاصفة طوراً وينصت إليها طوراً آخر. كأنه يفهم لغتها فيجاريها الأحاديث، ثم يقف أمامها كوقوف مقاتل شرس أمام عدو لا يفقه سوى لغة الحروب.

فالحياة في هذا الكوخ تتمايز عن حياة الآخرين هنا شمعة واحدة وغرفة واحدة، هنا كوخ صغير يقبع بين الأشجار الشامخة، هنا عتمة قائمة تعانق عتمة الليل فتختلط به. ولكن في تلك العتمة وبين ثناياها نور ضعيف، يهمهم بصمت عن مأساة موجعة وآلام لا تنتهي تأن وتصدح لكن لا أحد يسمع الأنين، ولا أحد ينصت إلى الصراخ، لأن نوافذ الحياة الرحبة موصدة، والريح في الخارج نادبة ومتأوهة.

هنا ليل يلوح في الصباح ولا يتلاشى أبداً، لأنه ليل مغشى بالأحزان والدموع فمطر الطبيعة يختلف كثيراً عن مطر العيون، فهو مطر بارد يخترق تربة دافئة فيدفأ، أما مطر العيون فمطر ساخن ينحدر على خدين باردين، فيصبح بارداً كما الجليد. وبين أمطار ضاحكة ودموع باكية مسافة شاسعة لا حدود لها، فهناك أمطار تتغلغل في البذور فتحييها وتعيدها إلى الحياة راقصة، وهنا دموع تسيل متعرجة فتحرق القلب وتميته ثم تنثر الحياة فيه ظلمة وكآبة.

فإن القلوب المرتجفة والمرتعشة لا تحيا أمام النور هانئة، ولا تهرول في الحقول باسمة، ولا تستمتع بنور الشمس وضحكات الأزهار. إنما تجثو في ركن بعيد تلمح وترمق حلقات الحياة وابتسامات النسائم ورفرفة الطيور وهي أبداً تقطن في الظلمة غارقة بالدموع والرطوبة تعاني البرد والصقيع والجوع، وتحدق من خلال كوة صغيرة إلى الأحلام النائية، ترنو إلى فرح وتحلم بأمل ترفرف نحو الغيم وتطير بجناحين. لكن بعض الأحلام تهور متهاوية، فتهجد في هوة الحزن حيث تحجبها أوراق الشتاء وتفنيها.

فكلما تاقت للحياة وحلقت، غارت في الأعماق وزالت. كلما حاولت النهوض أقبلت الريح الهوجاء وأسقطتها. كلما سعت وبجهد وحماسة جاءت إليها يد خبيثة فقتلتها، فمن يبحث عن الوميض في مغارة اللصوص لن يجد سوى الخفافيش، ومن يبحث عن الحب في الصلد لن يجد إلا الظلم والإضطهاد لا من أمل في الأفق سوى الضباب. والضباب رفيق الوديان. الضباب حالة منفردة غربية عجيبة، فهو يغمر بيديه ويردي، وهو يمحي كل شيء وبخفة ويمضي. الضباب شبح غامض يحيط بالأشياء فيميتها، بل هو وحش ضخم أعمى يدهس بقدميه الزهور ويخفيها، لكن الاختلاف كل الاختلاف بأن الضباب أعمى، فيما الآخرون يبصرون ولكنهم وللأسف الشديد لا يرون ولا يشاهدون سوى صورهم، وسوى أشكالهم المفعمة بالهواء ومشاهد الموت.
ومن يتأمل مندهشاً في صورته المنمقة، لن يرى صور الآخرين التعسة، ومن يرمق النضارة في وجهه، لن يرى التعاسة في وجوه الآخرين لأن حب البعض لذواتهم يجعلهم لا يبصرون ذوات الآخرين ومن يضع يديه بالماء لا كمن يدسها بالنار. ومن يبترك في القصور لا كمن يقبع في الكهوف.

تلك الحياة الجائرة التي تطعم من يشبع وتزيد من جوع جائع، وتقتل مقتولاً وتُحي قاتلاً، تميت ميتاً وتُحيي حياً، كمن يملأ البحر بالماء وهو ممتلئ بالماء، ويجفف الصحراء وهي عطشى.

تلك عدالة لا تشبهها أي عدالة وتلك نواميس الطبيعة التي لا تفهم تقلباتها

وحماقتها، وتلك لا حكمة تسير في غابة فتظن أن الأسد ملكاً فتطيعه، وأن الغزال عبد ضعيف فتقتله.

يقولون بأن العدالة عندهم ستاراً أبيضاً لجسد أسود، وأن العدالة في فهمهم هو حماية لشجرة عملاقة ودهس لزهرة لصيقة في أديم الأرض  وهو أيضاً إضاءة القصور بكثير من المصابيح وجعل كوخاً حقيراً بلا وميض. تلك عدالة الأغبياء بل عدالة اللصوص الذين يهرعون بأقدام فولاذية ولا يسمعون القلقلة، ويدجون على الرؤوس ولا يبصرون غير الجماجم
يدعون الحب ثم يسكبون في قلوبهم بدل الحب حقداً، ويرقصون في حفلات اللهو، لكن على الأجساد الواهنة والعليلة. وهكذا تخطو الحياة فتعطي لمن لا يستحق ذهباً، ولمن يستحق تبناً هكذا يهرول الخطأ ضاحكاً منتصراً، وهكذا يدبُّ الحق مكتئباً خاسراً

وكلما بذرنا بذور الخير لننتج زهرة رائعة الجمال نرى شوكة تشمخ وتتألق كأنها الحق.

☆☆☆☆

لأن المقلوب منشود، لأن الأشباح أقمار والليل نهار، لأن الظلمة أضواء ولأن الفكر غباء. نهدج جميعنا في متاهة. ولأن المحبة بغض، ولأن الحق باطل، والبعد قرب والقمة غور، والغور ذاته قمة. وهكذا تجري الحياة غير آبهة وتدج الجموع متدافعة في سباق نحو الأنا والذات. فيه يدهس هذا ذاك، ويقتل ذلك أولئك، في غابة لا مثيل لها. ومجتمع منمق الشكل فاسد المضمون جميل الطلة باسم الشفتين. لكنه كالأسد الرابض بين السهوب، وكالذئب المتخفي في دجى الليل، وكالحية المختبئة في التبن. والمنتظرون جميعاً لحظة الوثوب، فينقضون على الحق ويقتلونه.

كل يمشي عكس القانون والنظام، ويتهم أصحابه بالمخالفين المذنبين  ولكننا لا نتعلم أبداً فنحب سارق ونكره أمين ونعشق مجرماً ونبتعد عن بريء.
وهكذا ثم هكذا تجري الحياة عكس ما يجب أن تكون عليه من حق وعدالة ومحبة وصدق وإخلاص وعطاء وخير هكذا هي الحياة في غابة تظن نفسها في قمة الحضارة والرقي والازدهار.

☆☆☆☆

ثم غاص الليل عميقاً في الظلمات، فسكت كل شيء العاصفة والريح والمطر والحياة.

في تلك الليلة العمياء دخل الموت من شقوق النافذة، فحمل روحاً نائمة قرب مدفأة لا حياة فيها، وظلمة تغمر جسداً مسلوب الحركة والإرادة فتى تبددت أحلامه وخانته الأقدار، فسلبت منه الحياة كما سلبت منه الدفئ والحنان.

في تلك اللحظة المقيتة حلّق الموت مقهقهاً فرحاً، وطار نحو أفق مجهول. تاركاً كوخاً خالياً من كل شيئ إلا البرد والصقيع وهو.

عبدو بليبل

RELATED ARTICLES

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Most Popular