ar

رفو صالح رفو الملهم…..رفو الهارب.

ذاكرتي التي فقدت بريقها بعد الثلاثين مازالت تحمل سحر تلك الخدع الساذجة لأقناع من حولي بانني لا اختلف عنهم كثيرا، خصوصا لـلذين لا يجيدون لغتي الام، فكما ان اسم (ماشو ) البابلي بمعنى الجميلة او (ميان) بمعنى الفاتنة فأن (رفو) يشير الى الملهم في اللغات العراقية القديمة وما عليكم يا رفاقي سوى بالبحث والتقصي ،لكن ما يجمح انتصاري ويبعثره هو هشاشة حجتي حتى مع نفسي، أن رفو الاسم ليس له علاقة بـبابل او اشور او سومر(على الاقل بالنسبة لأسم جدي)، فما عرفته من جدتي واحاديث والدي المتكررة قرب مواقد الشتاء بأن قصة الاسم جاءت ابان حملة العثمانيين بقيادة (بكر فريق باشا ) سنة 1894م على جبل سنجارالذي قام بقتل وسبي الايزيدية انذاك ، اذ تعرفت احد عوائل مريدينا على ذلك الطفل المتبقي في المهد، بعدها اطلق اسم ( رفو) عليه بمعنى الهارب من الموت.
الاوقات التي عشتها في اروقة الحياة الجامعية لم تكن تختلف بطابعها العام عن حياة الجندي الذي لايؤكل معه ” القصعة العسكرية” او حياة عامل بناء في احد مدن كوردستان.
جميعنا منبوذين باسم الاقلية بحكم شرع الاغلبية ، ابن الاغلبية الذي يشتري من نفس محل البقالة مثلي ، ويجلس معي علي نفس الرحلة الدراسية ، ووالده موظف كـوالدي او فلاح كعمي ، ونشتري نفس الملابس والاحذية ، موجبٌ علي ان اقنعه بانني لا اختلف عنه سلوكا وخلقا .
لكوني ابن الاقلية علي ان ابرهن كل مرة لصديق الصف وسائق التاكسي وموظف الكهرباء ومسؤؤل الجنسية باني لست نجسا كما يتصور ولا مختلف كما يظن، ولست عابد لالهة غير الذي يعرفه.
بعد مرور اكثر من 100 سنة على قصة ذلك الهارب من الموت لم تكن احداث الرواية مشوقة ومقنعة لأغلبنا وحكاية الحذر المفرط من قاعدة ظلم الاغلبية للاقلية كانت نصائح لا معنى لها في زمن العولمة، الا ان التاريخ اعاد المشهد بطريقة سريالية لا يستوعبها العقل …احفاد رفو واقاربهم وجيرانهم ومعارفهم يموتون عطشا وجوعا… يـُقتلون دون سابق انذار … يـُقتلون بدم بارد دون وجود ادنى مؤشر بأختلافهم مع احد …تسبى نسائهم وتباع كأنهن قطيع ماشية…لا احد يعرف شيئا عن هذا الشريط الفوضوي.
العراق صاحب الارث الحضاري الكبير بات يحكمه اناس كسالى عاجزون عن فعل ادنى شيء او اي شيء.
كوردستان (التي لم يعد احدا يعلم ان كانت هي جزءا من العراق او العكس حسب الاوراق الرسمية المعتمدة بين الدول )منخورة هي الاخرى في فساد العائلتين المالكتين ولا تستطيع ان تحاكم بعض الصعاليك برتبهم العسكرية المزورة وتجار الازمات من مَن استولوا على اسلحة الجيش العراقي بصفاتهم الحزبية وباعوها لداعش في وضح النهار وليهربوا بعد انقضاء المهمة ويسلموا بعدها حياة نصف مليون انسان لمخالب الارهاب .
الاقلية عليها ان تعي جيدا الدور المرسوم لها مستقبلا في هذه الرقعة الشطرنجية المحيرة، فالارضية باتت مهيئة لتصبح الاقليات الوقود الذي به سيحرق نار الخطوط الجديدة بين الاثنيات والاعراق في سهل نينوى.
القوميين الموتورين وملوك الطوائف يعدون العدة لتجنيد الاقلية ووضعها في الخطوط الاولى للمواجهة على حساب ارض جديدة واطماع جديدة ومكاسب وامجاد وهمية جديدة.
الخيارات المتاحة صعبة ومعقدة لكن يبقى الانسان القيمة العليا. بقاء اي فرد على قيد الحياة بطولة وانجاز في الوقت الراهن .الفرار والهروب من نيران ثلة الوحوش واعادة الحسابات لا يعتبرتقصير او جبن ،بل التخاذل الحقيقي هو معرفة الجناة الحقيقيين وعدم الثورة عليهم بحجة الخوف من الاسوء والاقلية بغالبيتها العظمى عبارة عن مجموعة نازحين في العراء.