ar

قصة المقاتل الياباني الذي واصل القتال بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بـ29 عامًا !

نُصْدَمُ عادةً بكثيرٍ من القصص والأحداث الغريبة المُتعلِّقة بالحروب، وترتبط هذه الأحداث دائمًا بالمُقاتلين والمُتضرِّرين من الحروب لوقوعها في أماكن سكنهم، وربما تُخبرنا هذه القصص بشجاعة وبسالة جنود، وربما تكشف لنا جُبنهم وتخاذلهم، ولكن تبقى هذه القصص والأحداث مهمة ومُلهمة، ومنها قصة المقاتل الياباني في هذا المقال.

المقاتل ياباني في الحرب العالمية الثانية

هيرو أونودا

كان مجرد مُلازم ثانٍ بالجيش الياباني، ولكنه بات من أشهر الشخصيات التي تحدثت عنهم الحرب العالمية الثانية، وهو من الجنود التابعين للإمبراطورية اليابانية، حارب في الحرب العالمية الثانية ولكنه لم يستسلم حتى بعد استسلام اليابان، ويُذكر أنه ظلَّ مُتخفيًا حتى تسعة وعشرين عامًا من انطفاء وقود الحرب العالمية الثانية.

عن حياته قبل الحروب ومتاعبه لم يكُن هيرو أونودا سوى عامل في إحدى الشركات التجارية في الصين، ولم يتجاوز العشرين من عمره، وحين اندلعت نيران الحرب العالمية الثانية كان مُطالبًا بالالتحاق بالجيش الياباني ليذود عن الإمبراطورية، لم يتأخَّر المُقاتل الياباني واستجاب لنداء ساحات الحرب، فارتحل من الصين إلى اليابان وانضم للاستعدادات الحربية.

دخل الجندي الباسل التدريبات الخاصة بإحدى المدارس الاستخباراتية الخاضعة لسلطان الجيش الإمبراطوري الياباني، وتعلَّم بها جمع المعلومات والقُدرة على التغلب في حروب العصابات، وتلقى التعليمات بأن يكون في الصفوف الخلفية الخاصة بالخصم.

بعد ذلك ذهب إلى جزيرة لوبينج الفلبينية، حيث ساحة الحرب، وكانت أهم التعليمات التي عليه اتباعها أنه لا سبيل للموت، ولا بُدَّ من أن يتعدَّى المدة الموضوعة ويعود لوطنه سالمًا بالسلامة، حتى لو ماتت مجموعته فعليه أن يُواصل مهمته، حينها كان على رأس مجموعة من الجنود وجدوا في إحدى الجُزُر التي تسيطر عليها اليابان في هذا الوقت، رفض الجنود الانصياع للأوامر التي تم إعطاؤها له، وكانت الأوامر هي تدمير الميناء والمطار الموجود في المدينة، وقسما وقتها الجنود إلى مجموعات صغيرة وحاولوا التخفي.

اللجوء إلى المهاجمة من الغابات

كان الهدف من هذا التكتيك هو عرقلة القوات الأمريكية ومنعها من تثبيت أقدامها في المنطقة، ما يُؤخِّر كذلك من قابليتها على التقدم بشكل أسرع وأقرب نحو اليابان، ما يُعطي بدوره الجيش الياباني الإمبراطوري وقتًا أكثر لإعادة هيكلة نفسه والتَّجهُّز للهجمات المُحتملة، وقد كانت وحدات حرب العصابات هذه، التي ستعمل كذلك كعناصر تجسُّس لصالح الجيش الإمبراطوري، لتستمر في كونها شوكة في حلق قوات الحلفاء لمدة طويلة من الزمن.

عندما أُنزلت القوات الأمريكية على الجزيرة الصغيرة بتاريخ الثامن والعشرين من شهر فبراير سنة 1945، حاولت القوات اليابانية آنذاك مقاتلتها قتالًا مُباشرًا، ما تسبَّب في هزيمتها السريعة. وبمجرد أن استشعر (أونودا) هزيمة وحدة القوات التي كان يُقاتل في صفوفها، تقرَّب من ثلاثة جنود زملاء وأمرهم بالانسحاب إلى الغابات معه للشروع في تنفيذ هجمات حرب العصابات.

في شهر أغسطس من سنة 1945، وبعد أن وضعت الحرب بين الولايات المتحدة واليابان أوزارها، بدأ (أونودا) يُلاحظ انخفاضًا في حدَّة القتال، لكنه لم يكن ليشك في كون بلده الأم قد استسلم لقوات الحلفاء، لذا واصل حربه الخاصة بقتل المزارعين المحليين، وحتى الاشتباك في تبادل إطلاق النار مع الشرطة المحلية عندما كانت عناصرها تلاحقه لينسحب أحد قواته ويموت آخر فيبقى معه واحد لا أكثر.

قتال بلا حرب

ظلَّ الجندي الياباني وزميله الوحيد مُختبئين في الغابات، وفي هذا الوقت استمر في القتال وجمع المعلومات لمدة قاربت 17 عامًا، وكانا دائمًا في انتظار المدد من اليابان، وصولًا إلى عام 1972 تمَّ قتل الجندي الذي يُصاحب هيرو أونودا، وبقي هو وحده وقتها أيقنت اليابان أنه حتمًا قد قُتل، لذا أعلنوا عن خبر مقتله، أو حتى وفاته.

وصلت اليابان إلى معلومة أنه ما زال حيًّا، فقاموا بإرسال بعض الفرق البحثية للبحث عن هذا الجندي الباسل، حينها قد قام هو فعليًّا بإزهاق روح ثلاثين فلبينيًّا، فضلًا عن إصابة مئة آخرين.

اكتشاف المقاتل الياباني لحقيقة الأمر

اتصلت الحكومة بعد ذلك بالضابط الذي كان مُشرفًا على قيادة المقاتل الياباني (أونودا)، وهو الرائد (يوشيمي تانيغوشي)، الذي أصبح منذ انتهاء الحرب بائع كتب، ونقلوه إلى جزيرة (لوبانغ)، وفي التاسع من شهر مارس سنة 1974 وفي عُمر الثانية والخمسين، خرج (هيرو أونودا) أخيرًا من الغابة، وكان لا يزال مُرتديًا زيَّه الرسمي الرَّث وحاملًا بندقيته وسيفه اللذين كانا لا يزالان في وضع ممتاز لكونه كان يعتني بهما كثيرًا، وذلك من أجل أن يتلقَّى أمر الاستسلام ووضع السلاح من طرف قائده.

حتى في تلك اللحظة، لم يكُن مُتأكِّدًا من حقيقة الوضع، وكان مُرتابا بعض الشيء، فكان مُتحضرًا في حالة ما نصب له فخٌّ، لكنه عندما تلقَّى الأوامر من طرف قائده، خفض بندقيته ووضع خمسمئة رصاصة كانت بحوزته أرضًا، وسيفه الرسمي، وحزام السيف، وخنجره في غمده الأبيض، ثم قام بتحية العلم الوطني الياباني.

هجرة من بلد حارب لأجلها ما يزيد على ربع قرن

غير أن (أونودا) المقاتل الياباني لم يرتح أبدًا لواقع الحقيقة التي عرفها عن اليابان واستسلامها، وكذا اليابان الجديد الذي عاد إليه بعد تسع وعشرين سنة، فلم يُصدِّق أن أُمَّته اعترفت بكونها سبب افتعال الحروب في شرق آسيا وأنها سمحت لقوات الحلفاء بحل قوات جيشها الإمبراطوري.

في سنة 1975، انتقل إلى البرازيل، حيث أسس عائلة وعمل في تربية المواشي في مزرعة اقتناها هناك، وفي نهاية المطاف عاد مجددًا إلى اليابان من أجل إنشاء مخيم طبيعي لفائدة الأطفال، الذي كان يعتقد أنه سيُساعدهم أكثر على الاتصال مع الطبيعة من حولهم، وبناء قيم أخلاقية إيجابية، وتُوفِّي (هيرو أونودا) سنة 2014 بسبب نوبة قلبية عن عُمر ناهز الـ91 سنة، ولكن بقيت قصته مُلهمة ومُثيرة للإعجاب والتعجب إلى الآن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*