يوميات تاكسيڤان : حاجي علو

صدر مؤخراً كتاب جديد للأخ الكاتب الفقير بدل فقير حجي بعنوان ( يوميات سائق تكسي) ضم فيه كل تجاربه في حياته المهنية كسائق , وما صادفه من مواقف الحياة المجتمعية , مع أصناف البشر على إختلاف ألوانهم وطبائعهم, فيأخذ بيدك في جولة سياحية مجانية بين الأفراد والشعوب أنت تراهم وهم لا يرونك , ترى دقائق الامور التي تحدث في حياة الناس بشكلٍ عفوي وصريح قلما نشهده في الكتابات المتكلّفة , يجعلك تزور الأقوام المختلفة في بيوتهم وتتعرف على صنوف الحياة في مجتمع أولدنبرك الألماني خاصةً وفي مختلف المجتمعات التي جاء منها زبائنه الأجانب الذين أصبحوا يملأون المجتمع الألماني ولا نزال نجهل الكثير عنهم فيعرّفنا بهم الأخ الفقير مجاناً ودون عناء . هكذا يكون السائق فيغطي عمره مساحةً كبيرة من الدهر في زمن قصير نسبياً كمن يعيش خمسين سنةً لكنه إختبر وعاش في 100 عام, وهذه نعمةً لا ينالها الكثيرون من أصحاب السنين الكثيرة , هكذا يكون السائق والسائح والمستكشف وبصورة جزئية المعلم أيضاً وقد لمست هذا مُؤخراً عندما وجدت أن كل مكان من العالم أذهب إليه أرى فيه أبناءً لي لم أنجبهم لكنني ربيتهم وهذه سعادةً لا تعادلها أية سعادة .
من الطبيعي جداً أن الإنسان عندما يمتهن مهنة يختص بها لمدد طولة يتكيّف لها جسمه بصورة ميكانيكية فترى بعض العضلات تتحمل العبء الأكثر في العمل فتتطوربحيث تتشوه بالمقارنة مع عضلة أخرى لا تحتاجها المهنة فتضمر وهكذا الجلوس الدائم في وضع معين قد يتسبب في آلام -كما قال الفقير – في العمود الفقري وضمور عضلات الورك والفخذ , بينما عضلات الزند والعضد والأصابع قد برزت, وكل إنسان يستطيع تشخيص مواطن الضعف في ماكينته وإداء تمارين تعوض النقص الناشئ من العمل الرتيب .
إنه كتاب أدبي عن المجتمع ويستحق خانة الآدب وليس التاريخ أو الدين , هذا النوع الذي تفتقر إليه االمكتبة الئيزدية , ولا أعلم كتاباً أخر صدر عن الئيزديين بهذا الحجم والمضمون بعيداً عن التاريخ أو الدين الئيزدي, إنه لا يُعالج أي موضوع إنما يأخذك في جولة ممتعة في مجتمع متعدد الألوان والأجناس والطبائع يجعلك تختبر الحياة وتتعلم العبر فإذن هو يُعطي دروساً في الحياة, وهذا في حد ذاته خبرة وعلاج .
أسلوب الكتابة فيه بسيط وسهل لكني لاحظت فيه ميلاً للإهتمام بالكلمات الفصحى البليغة المُنتقاة بإهتمام أكثر من اللازم, ربما يكون ذلك بتأثير نصيحة زميل آخر قد شجع الفقير في تنويع الكلمات وإنتقائها بعناية من ثنايا اللغة بتكلف غير ضروري وأنا لست مع هذا الإتجاه الذي إتبعَته الثقافة الكوردية البهدينانية الرسمية ففشلت فشلاً ذريعاً في تقديم النموذج الأدبي السليم للغة الشعب الكوردي للقارئ البهديناني يجذبه إلى الكتاب والتمتع بقراءة قصة أو تأليف, فترى حتى اليوم لا توجد بين الكورد قراءة من أجل القراءة ( متعة القراءة) والمطالعة الخارجية مفقودة بين البهدينان تماماً وهي الوسيلة الوحيدة التي تُطوِّر اللغة وتشجع الكتابة . المهم في الكتابة أن تكون الكلمات بسيطة ومعروفة, سليمة وسهلة الفهم وليس رصّ الكلمات تُبعد لغة الكتابة عن الشارع الكوردي , فنرى الآن اللغة البتية البهدينية ( ما يسمونها بالفصحى) في وادي والشعب الكوردي في وادي آخر بحيث لا يفهم الأمي كلمةً من نشرة الاخبار,
المهم في كتابة اللغة أن تخلو من الاخطاء النحوية أو الإملائية التي تؤثر في المعنى, أما السلاسة والجاذبية في الكتابة والأسلوب الشيّق فهي فن كبقية الفنون, هبة من الله وليست تعلُّماً يكسبه المجتهد, لا أبداً, سبحان الله السلاسة والطلاقة في الكلام عند الشخص موازية للكتابة عنده, يتمكن الكاتب من تحسينه من خلال الكلمات السهلة برويّة وإمعان فتكون واضحة المعني أفضل من الكلام, والكتاب الذي نحن بصدده جيد المستوى إذا أخذنا في الإعتبار أن العربية هي ليست لغة الفقير ولا إختصاصه وقد ترك العراق منذ مدة طويلة ومع ذلك فهو أفضل مني بكثير, وطالما راجعت كتاباتي مرات ومرات لأجد فيها أن الجملة الثالثة لا علاقة لها بالأولى فأعدل وأعيد عسى أن تكون مفهومة وتعبر عن المعنى السليم المطلوب, أما أن أجعلها شيّقة وجذابة فهو حلم لن يتحقق ولا أجهد نفسي فيه, المؤسف عندي أن الكلام أيضاً موازٍ للكتابة فأُعدل الكتابة وأترك الكلام للهواء .
الملاحظات التي تستحق الكتابة عنها كثيرة جداً لا قِبل لنا بالتطرق إليها كلها لكن بعضها ضروري كي لا نُتهم بعدم قراءته, فمثلاً صاحب الكومبيوتر شابوني الذي لاأعرفه ولا أعلم إسمه , إلتقيت به أنا أيضاً على سكة أولدنبرك كلوبن بورك, قبل حوالي 5ـ6 سنة فسألني عن عملى فقلت رنتي, فقال أنا ايضاً فقلت لماذا؟ أنت صحتك جيدة و لم تبلغ سن التقاعد حوالي (50 سنة )قال لي لم أتمكن من متابعة تغييرات برامج الكومبيوتر السريعة فتركت العمل ولا أجيد غيره) . موضوع الألقاب الألمانية عجبني كثيراً جداً وأتمنى من الئيزديين جميعاً الإطلاع عليها كي يفهمو معنى التراث الذي هو وحده هوية القوم والأسماء هي قلعة اللغة غير المرئية فإذا تهدمت ضاع القوم , عسى أن تكون لنا عبرة تساعدنا في التمسك بوجودنا وتراثنا, ما عاشت الأمم إلاّ التي تمسّكت بهويتها . في موضوع ذكر فيه إسم إبراهيم أدهم ضمن المتصوفة وهذا خطأٌ كبير هو لم يكن صوفياً من أي نوع, ولم يؤمن بذرة من الإسلام ولا حتى تقيةً بل عدو محارب مقاتل عنيف ضد الإسلام والعرب في حربٍ معلنة, وتعاونه مع العباسيين كان من أجل استغلال المعارضة الداخلية في الدولة العربية الإسلامية وقد إنقلب على العباسيين مباشرةً بعد القضاء على الدولة الأموية لكن المنصور ( وهو الرئيس الفعلي والمتشار للدعوة العباسية) حافظ على التواصل معه بكل الوسائل حتى تمكن منه بخدعة محكمة إستعمل فيها الخونة ( البرامكة) من أنصار إبراهيم أدهم/ مير براهيم الخورستاني / بهزاد هرمز / أبي مسلم الخراساني / أبو إسحق …..والخرقة هو ليس إختراع الصوفية هو حِداد لبسه ميربراهيم وجعله شعاراً لثورته إتخذه العباسيون رايةً لهم , ثم لبسه المسلمون الشكليون من الأصول الزرادشتية بعد أن إضطروا إلى ذلك حتى ترسخ فيهم الإسلام بعد قرون . أعتقد أن الروس لا يقلبون الهاء إلى الكاف بل إلى الخاء ومن الخاء إلى الكاف أحياناً قليلة مثل (Ich) تقرأ ئيخ في شرق إلمانيا فيقلبها الروس إلى ئيك أحياناً, وأخيراً شنو معنى الرحمة ؟ هذه الكلمة الزائفة التي إعتاد المجرمون إستخدامها لتلميع أفعالهم القاتلة , يقتل وهي رحمة , هكذا كل شيء مزيّف في الحياة .

حاجي علو
6 جريا ئيَكيَ 2020

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


3 تعليقات

  1. مراد سليمان علو

    في وقت سابق من هذا العام أهداني الكاتب بدل فقير حجي كتابه الفخم (لالش نامه) وسررت به جدا وأجبت الأخ بدل على سؤال له مطروح في الكتاب ولكن كمعظم الكتابات في بحزاني نت لا يهتم بفحواها الكثيرين..
    وقد قرأت معظم فصول يومياته كسائق تكسي في الحوار المتمدن التي أنا كاتب فيها وكما ذكر أستاذنا الفاضل حاجي علو فأسلوبه سلس وجميل ..
    أوافق باحثنا القدير العلو بوجود اخطاء غير مقصودة لغوية او أملائية هنا أو هناك ومن الضروري عند صدور كتاب أن يعرض الكاتب كتابه على مختص باللغة والنحو وكذلك على مختص في الشأن الذي كتب عنه الكتاب ..
    شكرا لحاجي علو على أشارته إلى هذا الكاتب والكتاب وشكرا لبدل فقير حجي على جهوده في تدوين ماهو ممتع ومفيد لنا ..
    مراد سليمان علو
    8 أوكتوبر أوسنابروك

  2. فعلا أستاذ حجي كتاب الفقير واسلوبه السلس والادبي يشجع القاريء بمتابعته ويتفهم مواضيعه بكل فقراته .لغته مفهومة ومواضيعه شيقة يسهل للقاريء التعرف على ثقافات متعددة .والفقير معروف بكتاباته ومقالاته منذ نعومة أظافره اضافة الى بساطة روحه وروعة انامله في الكتابة حيث لايتردد في البحث عن كلمة لعشرات المرات .كما أرى فيكم ايضا الاسلوب الشيق والمتعة في كتاباتكم وسردكم للتاريخ الايزيدي ومعلوماتكم القيمة تزيد من معنوياتنا وتسهل لنا البحث في ثنايا الكتب والمراجع لنقدم مافيه المنفعة لبني جلدتنا وابناءنا من الشباب والجيل القادم في البحث عن انتماءهم وتاريخهم الغابر والقديم .لكم ولجناب الفقير بدل وكل الكتاب والمهتمين والقراء الاعزاء،كل الاحترام والتقدير ولشبكة وموقع بحزاني الموقر التحية والسلام لمايبذله من جهد استثنائي في خدمة الثقافة والمعرفة

  3. تجية طيبة
    شكراً لكما الأخ مراد و الأخ غازي على ثنائكما لنا , وهو كثيرٌ علينا فنحن لم ننحز شيئاً مما هو واجبنا , تثقيف الئيزديين و البحث في تاريخهم و دينهم هو واجب كل ئيزدي ولا يُشكرُ عليه, وسنناضل من أجل تشجيع الجميع على البحث و المعرفة, وشكراً للفقير الكاتب أيضاً

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*