هذه اليوميات وما فيها : صباح كنجي

المقدمة..

طلب مني الصديق الكاتب (بدل فقير حجي) كتابة تقديم مختصر ليومياته.. التي نشرها قبل عدة سنين تحت عنوان.. (يوميات سائق تكسي).. كنت قد قرأت الأجزاء التي نشرها في حينها وتطلب مني اعادة قراءتها مجدداً.. مع القسم الجديد الذي نشره قبل ايام.. ومن المؤمل طبع هذه اليوميات في كتاب قادم له..

تذكرت ما كتبه الناقد ياسين النصير تحت هذا العنوان بالضبط.. (يوميات سائق تكسي) وهي تجربة اضطر لخوضها والعمل فيها في فترة الاستبداد البعثي والحروب المتتالية في العراق.. وإذا كانت يوميات النصير كناقد.. مكتوبة بلغة بلاغة ترتكز لعمق التجربة والمحتوى الفلسفي ـ السياسي ـ الثقافي للحدث المشكل لنسيج اليوميات..

فإن تجربة الفقير بدل.. التي يسرد يومياته فيها بعفوية ولغة عربية بسيطة.. في قالب استذكاري لا يقل دهشة وانفعالية.. خاصة وانه يسترسل في سرده بعفوية نادرة وقائع حيّة تحتوي على قصص وحكايات ومحن وتجارب ومفاجآت حلت به وزملائه السواق.. وما مرّ عليهم من تجارب واحداث.. بعضها بأسلوب الفلاش.. إذ يستذكر من خلال جلوسه في التكسي.. الذي ينتظر فيه الزبائن.. ليالي أولدنبورك عبر شريط من ذكريات تعود به للعراق.. ليتوقف في محطات ومراحل عمره لينتقي منها موقفاً صعباً او حالة انسانية.. او حدثاً عابراً مؤلم.. كما هي آلام العراقيين وتعاسة حياتهم التي يعبث بها سفلة القوم ممن وصلوا لدست السلطة في فترات تتواصل وتنتج المهازل..

ها هو يختصر صور تلك الأيام وعذاباتها وآلامها.. من خلال نكتة لكردي (ساذج /حكيم).. حينما طلب منه ضابط الأمن الاقتصادي في بغداد.. حكاية نكتة في جلسة خمر.. لها علاقة بمشكلة المُنكت وتهريب شاحنة سكائر محتجزة ينتظر وساطة الضابط المرتشي وزميله لتخليص البضاعة المصادرة واحتمال تحويله للقضاء بتهمة التعاون مع المعارضة.. عبر صفقة بين الطرفين رتبت بتدخل من قبل شيخ لعشيرة.. فيلحان عليه طالبين منه رواية نكتة للرد على ما سردوه من نكات ساخرة تنتقص من الكرد..  يطلبون منه نكتة تستهدف العرب.. وكانت المفاجأة الصادمة..

انه يرد عليهم بنكتة ملخصها.. ان كردياً سعى لمتجر خضار وفواكه.. اخذ يقلب الصناديق ويعبث بها مما جعل البائع يستهزئ منه ويقول له بسخرية:

ـ ها كاكه.. عن ماذا تبحث بين الصناديق؟ عن الحكم الذاتي؟!  فرده:

ـ لا.. ابحث عن المحافظة التاسعة عشر..

هكذا تسير مع بدل في يومياته.. التي تعتمد على العفوية والسخرية والفكاهة في السرد.. بالرغم من أن محتواها تراجيدي ومؤلم.. وهذا ليس بعيداً عن شخصيته كانسان يميل للنكتة والمرح.. رغم احزانه ومعاناته النفسية والصحية.. التي يتحدث عنها بصراحة.. ناهيك عن تأملاته الفكرية.. وما يعانيه في مسعاه للاكتشاف الحقائق.. حقائق الوجود المغلفة بالميثولوجيا وأكاذيب السياسة دون أن يفقد ايمانه كانسان يبحث عن الخير والسلام والامان وحب مساعدة الاخرين والفرح معهم في المناسبات والاعياد التي تستوجب المشاركة والفرح..

كذلك هو الحال مع احزانهم التي تلتمس من يومياته كيف تتغلغل الأحزان لنفسه وهو يساعد عجوز هرمت أو شابة تعرضت لمرض او سكير تاهت ذاكرته ونسي عنوانه او مفاتيح داره او أجنبي وطأ ارض المانيا احتار بلغته.. في مفارقات وحكايا مواقف متداخلة أدرجها في يومياته عبر أسطر مختصرة غالبا ما تكون ساخرة تدفعك لمتابعة بقية نصوصه بشوق كأنك في سفر دائم..

هذا الجهد الإنساني.. مع تحولات الكاتب.. وانتقالاته.. يجعلك في جولة حول العالم.. لتكشف عبر عمله كسائق للتكسي في مدينة أولدنبورك وتعامله مع الزبائن من شتى الاصناف والالوان و بمخلف انتماءاتهم العرقية والدينية والفكرية وتعدد دولهم..

أمام لوحة انسكلوبيدية شاملة تجمع النقائض والأضداد.. هذا سائق وفنان.. وذلك شاعر مهاجر وبينهم العبثي والعنصري.. يسرد لقطات من حديث معهم.. قد يكون حديث حكمة وأمل.. وقد يكون عن اضطراب موقف ومفاجأة تخص حالة سكير أو سكيرة فاقدة للوعي.. او قفزة غزال بري في ليالي العمل تؤدي لحادث دهس وموت تحزن الكاتب وتترك تأثيرها النفسي عليه.. فتزداد احزانه وتتعقد لتنقله لأجواء الكآبة في محنة الغربة والمرض..

لكنه لا يستسلم يعيد اكتشاف ذاته.. يبحث عن عمل في النهار.. ويعيد حساباته الانسانية من جديد ليقارن بين منفاه وغربته وماضيه.. فتكون سفراته للأهل محطة جديدة يتوقف فيها عند قبري والديه ليتذكر أمه وأبيه.. 

بهذه الطاقة العاطفية.. يتعامل مع المعوقين.. وكبار السن ممن ينقلهم لبيوتهم.. ويسعى لحل مشاكل أصدقائه.. والعابرين معه صدفة.. في أحاديث تتناول مصائب بشرية.. وحالات خيانة.. وممارسات لها علاقة بالاستحواذ على ممتلكات البعض.. دون ان يغفل مشاكل اللجوء والعمل ومعاناة واستغلال المرأة.. 

وما يجري من صفقات بيع وشراء وهمية للتخلص من الضرائب.. كل ذلك في أسلوب لا يبتعد عن الفكاهة والسخرية.. يوميات تستحق أن تتوقف عندها وتمنحها جزء من وقتك.. تضاف لقائمة كتبه التي أنجزها سابقا عن الأديان.. واخص بالذكر.. كتابه الشامل عن معبد لالش الذي طبع مؤخراً تحت عنوان لالش نامه..

وأشير في ختام هذا التقديم.. الى نجاح الكاتب.. في تغيير مفهومنا عن مهنة السياقة.. وانطباعنا التقليدي عن السواق من خلال يومياته هذه.. 

 

ــــــــــــــــــــــ 

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*