العدو يرى في عدوه جميع الصفات الرديئة!! الحلقة الأولى (1-4) : د. خليل جندي

* الصراع بين الجهل العلم والسياسة تطمس الحقائق…

سقوط الأنظمة الدكتاتورية (كما هو الحال في العراق عام 2003) تخلّف أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتنهار مؤسسات الدولة ويضعف القانون، فتلجأ الناس إلى الاحتماء بالدين وسلطة العشيرة والآغا، ويتراجع الفكر الحر لصالح الإيمان بالخرافات والفكر الغيبي وكذلك الفلتان في معظم المجالات، وفقدان الثقة والتنكر للكثير من القيم بما فيها المحسوبة على (المقدس)، والمكون الايزيدي في العراق لا يشذ عن هذه القاعدة، بل كان نصيبه أكثر من بقية مكونات الشعب وشرائج المجتمع العراقي نتيجة ما تعرض له من إبادة على يدي عصابات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الاجرامية بتاريخ 3/آب/2014. وأضافت (نعمة) الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي من قبل البعض، عاملاً آخراً من عوامل تشوية الحقائق، وزرع بذور التفرقة وعدم الثقة والتهجم على رموز دينية من دون حق ومن دون دراية بحركة التاريخ، وبدل أن يعمل هؤلاء من معالجة جراحات ومخلفات الإبادة المدمرة، وإيجاد حلول لانتشال المجتمع الايزيدي المشتت حالياً من وضعه المأساوي، نجد على وسائل التواصل الاجتماعي تعليقات وفيديوهات وندوات على (البالتوك)، وفي الجانب الورقي اصدار كتب بألوان مختلفة وتحت عناوين لا تمت إلى الحقيقة بصلة بتاتاً، تأتي جلّ تلك المحاولات تحت ردود انفعالية وفجّة للنيل بالدرجة الأولى من دور ومكانة الشيخ آدي بن مسافر الهكاري وعائلته وخلفائه من بعده خاصة والسلالة الآدانية عامةً، ذلك الشيخ الجليل الذي أجمع المؤرخون وأصحاب كتب السير على صلاحه وزهده وورعه، ذلك الشيخ الذي قال بحقة الشيخ عبد القادر الكيلاني “لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عدي بن مسافر”. (الشيخ محمد الحنبلي، قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني، ص85).

لا أريد الاطالة هنا، ولست في معرض الدفاع عن هذا الشيخ الجليل باعتباره جدنا الأعلى، فتاريخه معروف للقاصي والداني، مكانته ودوره قائمتان في الديانة الايزيدية، إلاّ أن وقفتي هنا هو كمطلع متواضع على تأريخ الديانة لصد حملات التشوية والتحامل ولوي الحقائق وتزوير التاريخ القائمة من قبل البعض بحق الشيخ آدي بن مسافر وبحق سلالته. مما يثير الاستغراب أن يأتي البعض من رافعي رايات التشويه الاستهانة بأكبر رمز ديني ووصفه بـ (اللاجئ) تارة و (لائذ) تارة أخرى!! ومستغرباً “كيف استطاع عربي- يقصد به الشيخ عدي بن مسافر-منفرد لائذ ان يستقطب اهتمام الايزديين واسترشادهم به مهما يكن له من الصلاح وسعة العلم..؟!” حتى أن أولئك في أحاديثهم أو كتاباتهم عن الشيخ آدي لا يراعون عبارات الاحترام في حين يكثرون من حروف (ص) و (ع) و (رع) عندما يأتي ذكر أسماء أنبياء وأولياء آخرين! علماً أنا مع أسلوب الاحترام ولست ضدها.

نشرت قبل ثمانية عشر عاماً، بالضبط بتاريخ (31/آب/2002) مقالاً من (24) صفحة تحت عنوان: (الشيخ آدي مجدد الديانة الايزيدية وليس مؤسسها/ الايزيدية ليست بطائفة إسلامية) في معرض الرد على مقال للسيد نزار آغري حينها تحت عنوان (الشيخ عدي وطاووس ملك). بما أن عناصر حملات التهجم والتشوية هي واحدة تقريباً رغم فارق السنين، أرى من الضروري نقل فقرات ضافية من ذلك المقال ووضعها أمام أنظار القارئات الكريمات والقراء الكرام وكذلك أمام عيون الفرسان الايزيديين رافعي راية معاداة الشيخ آدي الأول وخلفائه وإلغاء دورهم وتشوية تاريخهم والتاريخ الايزيدي:

” الشيخ آدي بن مسافر ليس بنبي ولا بمؤسس الديانة الأيزيدية، بل مجددها، ولولا الضوابط والتعاليم التي رسمها لهم في تلك الحقبة من صراع الأديان والمذاهب، ولولا تقبله ولو شكلياً لبعض العقائد الإسلامية من باب التقية، لذابت الأيزيدية فعلاً في بحر الإسلام ولم نكن نلمس عنهم من أثر اليوم!..فالشيخ آدي هو الذي رص صفوف الأيزيديين وأعاد تنظيمهم روحياً واجتماعياً بفضل علمه الغزير ومعرفته الواسعة وكراماته وقوة تأثيره، ووصلهم إلى برّ الأمان ليومنا هذا وعليه احتل مكانته العظيمة بين الأيزيديين ونظروا إليه بعين التبجيل وأصبحت العديد من الطقوس والرموز باسمه، مثل:( طاووسا شيخادى، قه واليت شيخادى، مالا شيخادى” لالش”، جلى شيخادى..)

ولم يكن هذا الشيخ الكبير، رغم ولادته في بيت فار- شوف الأكراد- بعلبك، غريباً عن أهله وجذوره وانتمائه القومي وجبله الشامخ (هكار)، (راجع بهذا الشأن: الشيخ آدي بن مسافر…بين سندان الحقيقة ومطرقة الكتّاب، بقلم صقر شنكالي، مجلة لالش/ دهوك، العدد17، كانون الثاني/2002). حتى أن اسم والد الشيخ آدي (مسافر) يوحي أنه ليس اسماً بل صفة، أي (المهاجر)، لكن من أين؟ بالطبع لقبه (الهكاري) يجيب عن السؤال. فأن الاحتمال الكبير والمنطقي يدور حول سفر أو هجرة أجداد الشيخ آدي في زمن يعتقد أنه ليس بالبعيد، من منطقة (هكار) إلى الشام والاستقرار في منطقة بعلبك حيث ولادة الشيخ آدي والذي يعرف ليومنا هذا بـ “شوف الأكراد”. وليس صدفة أن يردد الكرد ليومنا هذا في إحدى أمثالهم الشعبية: (شام شه كره، وه لات شيرينتره = ما معناه: بلاد الشام حلوة أما الوطن فأحلى!) أليس هذا حنين إلى الوطن وأرض الأجداد؟..إلاّ أن السؤال: متى ولماذا تمت هذه الهجرة ولماذا من هكار إلى الشام؟ فهذا ما يحتاج إلى المزيد من البحث والتنقيب، (هذا ما سأناقشه في حلقة أخرى). وأن آراء بعض الكتّاب الذين يقولون ان (أحمد) كان اسم والد الشيخ عدي وكان من الأكراد التيراهية، رأي لم ينبع من فراغ وينبغي ان لا يهمل عند دراسة حياة وظاهرة الشيخ آدي.

ولو كان الشيخ آدي مسلماً ومتصوفاً عربياً- حسب رأي السيد نزار وغيره من الكتّاب- وقدم إلى معبد لالش هرباً من ملاحقة العباسيين لآل البيت الأموي واحياء خلافتهم (تم أول مبايعة أبو العباس السفاح عام 132هجرية، فأبو جعفر المنصور عام 137 هجرية)، أي أن هنالك حوالي 200 سنة بين استلام العباسيين للخلافة ومجيء الشيخ آدي إلى لالش. إذن نظرية هروب الشيخ آدي من العباسيين واحياء الخلافة الأموية بعد مائتي عام، نظرية مشكوك فيها، غرضها الإساءة لمكانة الشيخ آدي.

وإذا كان الشيخ آدي يبحث لنفسه عن المجد الشخصي ويتنكر لدين آبائه، لماذا “يسير ذكره في الآفاق ويتبعه خلق كثير ويتجاوز اعتقادهم فيه الحد الذي جعلوه قبلتهم التي يصلون اليها وذخرهم في الآخرة التي يعولون عليها(…) وينقطع إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل، ويبني له هناك زاوية، ويميل إليه أهل تلك النواحي كلها ميلاً لم يسمع لأرباب الزوايا مثله” (ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، المجلد3، ص415)

نقول إذا كان “مسلماً ومتصوفاً عربياً” كيف يحتل بهذه السهولة مكانته وشهرته بين أهل تلك النواحي كلها- حسب شهادة ابن خلكان- وكيف يقبلون تعاليمه دون ردّ فعل يذكر، إذا لم يكن هنالك نسيجاً روحياً يربط تعاليم الشيخ آدي مع عقيدة أهل المنطقة التي عاد اليها. وبشأن مكانة الشيخ آدي في نص ديني في غاية الأهمية، يمكن مراجعة كتابي: “نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية، طبعة السويد، رابوون 1998، ص265″.

ظاهرة التصوف ظهرت قبل الإسلام، وهي تتصل بشكل قوي بالأديان الهندوسية والزرادشتية والمانوية والبوذية وكذلك الأيزيدية، وأن الإسلام الأصولي يحارب ظاهرة التصوف ويعتبره هرطقة وكفر وإلحاد. ودخلت هذه الظاهرة إلى الإسلام من خلال الشعوب الهندو إيرانية التي انضوت تحت لواء الإسلام في فترة الغزوات وفتح البلدان بقوة السيف وإجبار معتنقي الأديان الأخرى الدخول في الدين الجديد. وما أن ملأت بيوت مال المسلمين وخزائن الخلفاء والولاة والأمراء من أموال ومجوهرات بلاد فارس وسمرقند و بخارى والهند والصين شرقاً إلى اسبانيا غرباً وبلاد الروم شمالاً، وهدأت صهيل الخيول وصليل السيوف في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز(681-720م)، الذي دعا إلى الإصلاحات الإدارية والمالية والدينية وترتيب البيت الإسلامي، برزت بين الشعوب والقوميات غير العربية شخصيات ورموز تحن إلى معتقدات وطقوس أجدادها التي تحمل البراءة وتعشق الطبيعة وتشّد الفرد إلى السّماء من دون وسيط ولا نبي يدلهم إلى خالقهم؛ ما دام الخالق قد أهداهم، أو ترك عندهم وكيله المسمى” العقل” بحيث يستطيعون بواسطته البحث عن الحقيقة الإلهية وحقيقة الوجود والعدالة وتمييز الخير والشّر عن بعضهما…الخ.

نعم بين القوميات غير العربية ظهرت رموز كبار المتصوفين أمثال: الحسين بن منصور الحلاج (828-922م) من عشيرة حلاجيان بكردستان إيران، الشيخ عبد القادر الكيلاني (ت 561هجرية/1166م)، إبراهيم بن أدهم” براهيمى ئاده ما- مير براهيم” في الأدب الديني الأيزيدي (ت 161هجرية/778م) أصله من مدينة بلخ، شهاب الدين السهروردي (ت 587هجرية/1191م) اتّهم بالإلحاد وقتل في حلب. الشيخ بايزيد البسطامي، جلال الدين الرومي (1207-1273م)، فريد الدين مسعود (1175-1265) ولي صوفي هندي جشتيّ، يؤمه المسلمون والهندوس والسيخ. الشيخ أدي بن مسافر(1078-1161م) هكاري الأصل. فريد الدين العطّار (ت 1230م)، شمس الدين التبريزي، قضيب البان الموصلي (ولد بالموصل عام 1078م) وهو كردي من قرية تربه سبي/القوش.”

نعم قدم الشيخ آدي بن مسافر ومن معه آنذاك إلى لالش المقام من دون ان يكن على رأس جيش أو يكن لديه طائرات ولا دبابات ولا صواريخ، ولم يأت ويقطع أكثر من الف كيلومتر من بيت فار/بعلبك بلبنان إلى لالش من أجل نزهة سياحية، بل يفترض أن يكون قدومه من وجود أرضية وعلاقة مع جماعة بانتظاره (المسيرة والأقوال والسبقات التي تتحدث عن مجيئه: علي الهكاري الذي كان يسكن قرية كلي خديدا، وقصته معروفة بين الايزيديين، مع قصة محمدي ربن وغنمه/قول “بير شرف”..)، بمعنى أنه قدم بين أهله وأبناء جلدته، أحبهم وأحبوه وآمنوا به واعتقدوا بأفكاره، والموروث الديني المتداول لحد الآن خير دليل.

كوتنكن في 22/10/2020

تتبع الحلقة الثانية

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


2 تعليقان

  1. شيخنا الغالي النيل من رموز الايزيدياتي افلاس وفشل لصاحبها الشيخ عدى تاج الاولين والاخرين ولابديل وكريم وانساني يحل محله وقدرته عظيمة في غرس اثبات اركان بقاء الايزيدية …جاء الى لالش الايزيدية بمحض ارادته وقناعته وخلعه ربه ..ولايتفق بانه خلق دين الايزيدية الموجود وقتها انما حافظ عليه وطوره وطعمه بلاوزم حركات العصر حينها حتى لاينتهي مع قوة انتشار الاديان الاخرى . …..ومرات هدموا قبره لو كان منهم لصانوه ….اكثر الاديان الاخرى احتارت في كرمه وخلعته الالهائية بحيث لم يمسه بسوء كبار فقهاء الاسلام والمسيحية .. الشيخ ادي باق كالشمس والقمر في سماءنا ومن لم يقبل عنده الخلل والملل في حياته وكما علينا عدم الرد على الجاهل والسفيه لكي لانكبره بجهله بل تركه يهضم غله لحين سقمه ..

  2. مما يثير الاستغراب أن يأتي البعض من رافعي رايات التشويه الاستهانة بأكبر رمز ديني ووصفه بـ (اللاجئ) تارة و (لائذ) تارة أخرى!! ومستغرباً “كيف استطاع عربي- يقصد به الشيخ عدي بن مسافر-منفرد لائذ ان يستقطب اهتمام الايزديين واسترشادهم به مهما يكن له من الصلاح وسعة العلم..؟!”

    ولولا الضوابط والتعاليم التي رسمها لهم في تلك الحقبة من صراع الأديان والمذاهب،

    .فالشيخ آدي هو الذي رص صفوف الأيزيديين وأعاد تنظيمهم روحياً واجتماعياً بفضل علمه الغزير ومعرفته

    تحيةًطيّبة

    الفقرة القاسية الأولى هي من كتابي المنتظر نصاً, وإلاّ ما كنت أضيع وقتاً في التعليق , لكن عجبي هو أنها أين كانت طوال هذه المدة وقد نشرت قبل 16 عاماً, فما المناسبة لعودتها إلى الواجهة بعد سبات طويل؟ أولاً أنا لم أنكر الشيخ عدي وفضله في نهضة الئيزديين أبداً بل أنا أُقرّق بين الشيخ عديّين والئيزديون يدمجونهما في الأول فقط وأن أختصرهما في الثاني فقط وكل النهضة على يده وقيادته الحكيمة وهو الذي رصّ صفوف الئيزديين والتعليمات الصارمة بعده من إبنه الشيخ حسن والشيخ شمس , أي أنّ ديننا قد ولد بعد صلاح الدين , ونحن نبحث عن الحقيقة ومعرفة ما جرى ولا نطمح في الجنة ولا المناصب , لدينا ما يكفينا والحمد لله .
    لوكانت التعليمات الدينية من الشيخ عدي الأول فيكون هو أول من طعن فيها وإنتهكها فزوج إبن أخيه من بيرة ( قريبة هاجيال) وتبعه أب الآباء ئيزدينةمير فتزوج من شيخته أخت عدي الثاني وكان هو بيراً آنذاك, ولم يكن هناك شيوخ رسم إطلاقاً
    التصوف لم يكن قبل الإسلام أبداً , المتدينون موجودون في كل الأزمنة لكن التصوف لم بسيق الإسلام فهو تصدُّع ديني في من فرض عليه الإسلام بحد السيف دون الإيمان به وجميعهم بدون لإستثناء من أصول إيرانية والقليل من أصول أجنبية أخرى بعد إنتشار التصوف الزرادشتي بقرون , وقد إستقر فيهم الإسلام بعد قرونٍ وقرون من الذبح فيهم , ليس قبل إبن تيمية كأقرب وقت
    وشكراً

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*