هل تعلم أن البشرية كادت أن تنقرض في عام 70 ألف قبل الميلاد

يزيد عدد سكان الكرة الأرضية اليوم عن 7 مليار شخص ونصف، ووفقاً لعالم الأحياء (إي أو ويلسون) من جامعة هارفرد، فالكتلة الحيوية للبشر أكبر من الكتلة الحيوية لأكبر حيوان سار على سطح على هذا الكوكب بـ 100 مرة، وفوق ذلك، لا يزال البشر يتكاثرون حتى هذه اللحظة. يقول الكثير من العلماء أن تعداد البشر سيبلغ ذروته عندما يصل إلى 9 مليار نسمة، لكن ماذا سيحصل بعد ذلك.

كي يحضر الإنسان نفسه للمستقبل، ربما عليه استحضار الماضي. في الحقيقة، انخفض تعداد البشر بشكل دراماتيكي، وفي عدة مناسبات، على مر تاريخنا، لدرجة أنه ربما وصل إلى رقم لا يزيد عن 10 آلاف شخص، أي في فترة ما من فترات التاريخ، كان هناك ما لا يزيد عن 10 آلاف بشري يصطادون الحيوانات ويجمعون الطعام من الأشجار لسنوات عديدة حتى العصر الحجري المتأخر، حيث شهد الأخير تعافي هذا الرقم ليبدأ تعداد البشر بالازدياد مجدداً.

إن الطبيعة بالدرجة الأولى هي المسؤولة عن انخفاض هذا العدد، وفي مقالتنا هذه، سنتحدث عن عاملٍ ربما أسهم بشكل أساسي في هذا الانخفاض، وهو بركان توبا في جزيرة سومطرة الإندونيسية، وهنا سنأتي على ذكر نظرية كارثة توبا.

هل يتعذر عليك إكمال قراءة كل المقال الآن؟ يمكنك حفظه في المفضلة والعودة إليه لاحقا..

البركان الأعظم

تصوير لما كان سيبدو عليه انفجار بركان توبا، حيث من المفترض أن تصل السحابة الدخانية لارتفاع 42 كلم. صورة: Wikipedia

نحو العام 70 ألف قبل الميلاد، انفجر بركان يُدعى توبا على جزيرة سومطرة في إندونيسيا اليوم، وكان واحداً من أضخم وأكبر البراكين الثائرة في تاريخ البشر، وهو أكبر بنحو 5000 مرة من ثوران جبل سانت هيلين سنة 1980 الذي سجّل قوة 5 على مؤشر التفجير البركاني.

ألقى انفجار توبا نحو 6 سنتمترات من الرماد –وهي الطبقة التي غطت الأرض المجاورة في جنوب آسيا، وكذلك وصلت إلى المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي. وفقًا لمؤشر التفجير البركاني، فعلى الأرجح أن قوة بركان توبا وصلت إلى 8، ما يعني أنه انفجار هائل الضخامة، وهو أضخم من أكبر انفجار بركاني حدث سابقًا في جبل تامبورا في إندونيسيا عام 1816، والذي سبب ما يُعرف بـ «سنة بلا صيف» عام 1816، حيث تغيرت درجات الحرارة وتلفت المحاصيل في نصف الكرة الشمالي.

تزامنًا مع وجود الكثير من الرماد والأبخرة في الهواء، فمن المرجح أن بركان توبا حجب ضوء الشمس لـ 6 سنوات، ما أدى إلى تخريب مواسم الأمطار وجفاف الجداول وتبعثر الرماد الحار والساخن ووصوله إلى النباتات. وفقًا لأقوال العالم (سام كين)، أصبحت النباتات والأشجار والحيوانات في شرق أفريقيا نادرة، وعلى الأرجح أن الناس الذين يعيشون هناك تعرضوا لخطر الموت جوعًا ما يفسر انخفاض تعداد السكان. غير أن دراسة أخرى تقول أنهم كانوا يعتمدون على محار البحر، ماسمح لهم بالبقاء أحياء ويفسر أيضاً في تكيفهم مع تغير النظم الإيكولوجية في العالم أجمع.

هناك أدلة علمية أخرى، فالأرض كانت تمر بفترة من البرودة أساساً، بالتالي صعّب ذلك الرماد العالق في الغلاف الجو وصول أشعة الشمس إلى الكوكب، وهناك دليل على انخفاض درجات الحرارة بنحو 3 درجة مئوية في بعض المواقع، لكن هذا «الشتاء البركاني» أدى إلى استمرار الوضع لـ 10 سنوات تقريباً، لا بل ساهم في تسريع عملية التبريد تلك –وفق ما قاله عالما الجيولوجيا (مايكل آر. رامبينو) و(ستيفن سيلف)– ما أدى إلى تحوّل نظام المناخ من الدافئ إلى البارد.

لا يثق جميع العلماء بأثر ذلك الانفجار البركاني، فوفقًا لـ (آلان روبوك)، لم يسهم انفجار توبا بالعصر الجليدي الأخير. رفوفقاً للتجارب التي أجراها والمحاكاة الحاسوبية، لوحظ أن درجات الحرارة انفخضت إلى نحو 15 درجة مئوية قبل 3 سنوات من الانفجار البركاني، ويعتقد أن هذه البرودة استمرت لعقود، وبالتالي أدت إلى تخريب الحياة.

في عام 2013، اكتشف مجموعة من علماء الآثار طبقة ميكروسكوبية من الرماد البركاني الزجاجي في رواسب بحيرة مالاوي، واستطاعوا ربط الرماد بالانفجار الذي وقع في بحيرة توبا قبل 75 ألف سنة، لكنهم لم يلحظوا تغيراً في نمط الأحافير التي كانت قريبة من طبقة الرماد، وهذا التغير يجب أن يحدث عقب الشتاء البركاني –الشتاء البركاني يشير إلى تأثيرات معينة وواضحة تطرأ علىالكرة الأرضية جراء انتشار الرماد البركاني وقطرات حمض الكبريتيد، فهي تسهم بحجب أشعة الشمس وبالتالي انخفاض درجات الحرارة، والتعافي من هذه الظاهرة يحتاج سنوات عديدة.

ظاهرة عنق الزجاجة

أدوات حجرية عُثر عليها في موقع دابا تتوافق زمنياً مع اندفاعات بركان توبا، وهي مشابهة لتلك التي كان يستخدمها البشر في أفريقيا. صورة: Chris Clarkson

تعني هذه الظاهرة انخفاضاً حاداً في تعداد البشر جراء كوارث طبيعية كالمجاعات والزلازل وغيرها، ورُبط بين انفجار بركان توبا وظاهرة عنق الزجاجة السكانية في تطور الإنسان منذ نحو 70 ألف عام، حيث اعتُقد أن الانخفاض الحاد في تعداد السكان ناجمٌ عن التغير المناخي الناجم بدوره عن الانفجار، ووفقاً لتلك النظرية، فقد انخفض تعداد سكان الأرض إلى نحو 10 آلاف شخص (مصادر أخرى تُرجع العدد إلى 3000 فقط) في الفترة الواقعة قبل 50 ألف إلى 100 ألف سنة مضت.

في المقابل، هناك أدلة أخرى تدحض هذا الادعاء تماماً، إذ أن الأدوات الحجرية التي عُثر عليها في أمكنة قريبة من الانفجار وكانت مغطاة بطبقة سميكة من رماد البركان جاءت مشابهة لبعضها، كما جاءت مشابهة لأدوات أخرى عُثر عليها في شرق أفريقيا، ما يعني أن سُحب الغبار لم تفنِ أولئك البشر، هناك دلائل أخرى من شمال وجنوب الهند تشير إلى نجاة السكان من الانفجار، ما يعني أن أثره على البشر والحيوانات كان محدوداً، ويخالف بشكل صريح فرضية عنق الزجاجة. وبشكل عام، يتفق العلماء أن انفجار بركان توبا دفع البشر إلى التكيف مع الظروف الجديدة، وبالتالي ابتكار استراتيجيات جديدة جعلتهم يحلّون محلّ إنسان النياندرتال والأنواع الأخرى من البشر البدائيين.

بعد تلك الحادثة، وصل تعداد البشر لمليار شخص عام 1804، وتلك فترة طويلة جداً، لكن تزايد أعداد البشر بدأ بالتسارع ليصل إلى 3 مليار عام 1960، وبدأ يزداد بمقدار مليار شخص تقريباً كل 13 سنة، وهكذا حتى وصلنا إلى عام 2011 وأصبح تعداد البشر 7 مليار رسمياً.

لكن مع تزايد عددنا، يبدو أننا أصبحنا أكثر هشاشة، وأكثر عرضة لمخاطر لم يكن أسلافنا معرضين لها، مثل تلك الفيروسات القابعة في الغابات والجبال البعيدة التي لا يُفترض أن تصل إلى البشر، لكنها فعلت ذلك. ناهيك عن التغير المناخي الذي قضى على كائنات بأكملها في السابق، وفوق ذلك، المخاطر المتعلقة بالبشر أنفسهم كالحروب حول مصادر الطاقة والغذاء والمياه.

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*