هل سينعم العراقيون في حزيران المقبل بقدر من النزاهة والشفافية في الإنتخابات؟ : عادل حبه

الديمقراطية هي نظام سياسي، أو نظام لصنع القرار داخل مؤسسة أو منظمة أو بلد، بل وحتى في المنظومة العائلية، حيث يتمتع جميع الأعضاء بنصيب متساو في إتخاذ القرار. عادة ما يتم مقارنة الحكومة الديمقراطية بنقيضاتها من أنظمة حكم الأوليغارشية والشمولية والملكية، والتي تحكمها أقلية وملك وحيد وديكتاتورعلى التوالي بواجهات قومية وعنصرية ودينية. لم تقم أنظمة الحكم الديمقراطية إلاّ في المجتمعات الحديثة حيث تتبلور القاعدة الاقتصادية والاجتماعية وتبرز بوادر متقدمة في الوعي والثقافة في المجتمع، وتتطور هذه الديمقراطية وترتقي بإستمرار إلى مستويات أرقى وأرقى بفعل المطالبات والحركات الشعبية التي أدت إلى قدر كبير من إستقرار هذا النمط من الحكم في الدول المتطورة. فهي في بداياتها إستثنت النساء والعبيد وعامة الناس واقتصرت على النخب، إلاّ أنها ارتقت في وقت لاحق لتشمل جميع البالغين في المجتمعات الحديثة اليوم. وسيستمر هذا الإرتقاء والتطور بإستمرار لمعالجة الثغرات في هذا النمط من الحكم. لقد واجهت الديمقراطية مساعي لإجهاضها حتى في بعض البلدان الأوربية، حيث قام هتلر بإسقاط جمهورية “وايمار” الديمقراطية وإعلان دولة الرايخ الثالث الفاشية،  وجرى الأمر نفسه في إيطاليا على يد موسليني وزمرته. وتعرضت الديمقراطية إلى التهديد من قبل حملة مكارثي بدعوى “مكافحة الشيوعية والنشاط المعادي للولايات المتحدة” في أوج فترة الحرب الباردة. واستمر هذا التهديد في الولايات المتحدة حتى الآن في ظل رئاسة دونالد ترامب بذريعة “إعادة العظمة لأمريكا”. بالطبع لم تنقل هذه الدول الديمقراطية إلى البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، فهي في مسعاها للسيطرة على النفوذ في العالم تقوم بالإعتماد على أكثر الفئات رجعية وتخلفاً واستبداداً وانتهاكاً للحريات العامة من أجل الحفاظ على نفوذها وسيطرتها في تلك البلدان، وهذا ما شهدناه من إنقلابات ضد حكومات منتخبة ديمقراطياً كما حدث في إيران وغواتيمالا وتشيلي على سبيل المثال، وفرض حكومات تابعة في بلداننا العربية. وقمع حكام مصر الديمقراطية الوليدة فيها بعد الإطاحة بالملكية برفعها شعار”الحزبية خيانة”، وقام نفس الحكم بتصفية لديمقراطية الوليدة في سوريا تحت ذريعة “الوحدة العربية” في عام 1958.

الجدول أدناه يوضح كيف لعبت الديمقراطية تاريخياً في الدول المتقدمة

      التسلسل                    الدول                        عمر الديمقراطية(سنة)

1                الولايات المتحدة                                 219

2                    سويسرا                                       171

3                   نيوزيلندا                                       162

4                      كندا                                          152

5               االمملكة المتحدة                                 134

6                  لوكسمبرغ                                     129

7                    بلجيكا                                         125

8                    هولندا                                        122

9                   النرويج                                       119

10                استراليا                                        118

يواجه العراقيون بعد إنهيار النظام الإستبدادي السابق نفس ما واجهته شعوباً سبقتنا عانت من نير الإستبداد والقهر، وطالبت بإشراك المواطن في إتخاذ القرار وإنتخاب ممثليه في إدارة الدولة. علماً أن العراقيين طوال سنوات تشكيل الدولة العراقية في عام 1920، حُجب عنهم هذا الحق وتم تزويره، ولم يمارسوه على أرض الواقع وبذلك لم تتبلور وتتكرس هذه الثقافة في المجتمع، مما أدى إلى تعرض البلاد إلى أسى أنواع القسر وتهميش المواطن وإضطهاده، خاصة في عهود حكم البعث الكارثية. والآن يمارس المواطن العراقي نتفاً من هذا الحق في وضع ملتبس جراء سعي طرف إلى حرمان العراقيين من هذا الحق من جهة، ومن جهة أخرى فإن تكريس هذا النمط من إدارة البلاد يحتاج إلى وقت وعملية إرتقائية وتطور ولا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل تدريجياً، وعبر الحراك الشعبي السلمي وليس العنفي.

إن أحد المطاليب التي طرحها الحراك الشعبي منذ عام 2019، هو مطلب إجراء انتخابات مبكرة بإعتبارها خطوة تتبعها خطوات صوب السير على سكة إرساء قواعد هذا النظام. وقد إستجابت الحكومة التي خلفت حكومة عبد المهدي إلى هذا المطلب، ولكنها أجلت أو تعثرت البت في الكثير من المطاليب التي رفعها المشاركون في حراك تشرين. والسؤال المطروح الآن هل ستحقق الإنتخابات  المبكرة التي ستجري في حزيران عام 2021  الخطوة الأولى في الشروع في أية تغييرات من شأنها البدء في إرساءأركان حكومة تمهد الطريق لإرساء قواعد مدنية ديمقراطية في العراق؟ بالطبع في ظل الأوضاع الراهنة، يلاحظ شكوك لدى الشارع العراقي ولدى المراقبين لتطور الأحداث في العراق أن تتمكن هذه الحكومة من إجراء إنتخابات تتحلى بقدر من النزاهة من شأن نتائجها أن تضع العراق على طريق الخروج من المأزق الخطير الذي يعيشه الآن.

والسبب يعود إلى الحكومة الحالية منذ تشكيلها قبل قرابة أربعة شهور لم تشرع ولو جزئياً أو بشكل تدريجي للتعامل مع أي من العوائق الجدية التي تواجه العراق وتمهد لإنتخابات بقدر من النزهة توفر الظروف للخروج من المأساة التي يعيشها العراقيون منذ الإطاحة بالنظام الديكتاتوري السابق. وهذه العوائق الجدية تندرج حسب أهميتها على النحو التالي:

1-لم تعمل القوى المتنفذة التي تولت الحكم، طائفية كانت أم قومية أم عشائرية، على إرساء أركان الدولة، بل عملت على تشظيها وإنهيارها بهدف سيطرة كل طرف على جزء من الغنيمة العراقية. فقد قامت هذه القوى نفسها بتفكيك أركان الدولة وتشكيل حكومات عميقة سواء في كل محافظة أو في الإقليم بحيث لم يعد للحكومة الإتحادية أية قدرة إدارية فعلية. وتبعاً لذلك تشكلت في كل بؤرة من العراق ميليشيات مسلحة مستقلة عن الدولة الإتحادية، رغم أن غالبيتها ممولة من قبل الدولة الإتحادية نفسها، تارة بواجهات حزبية أم طائفية أوعشائرية، بحيث بلغت المعدات العسكرية والذخيرة التي بحوزة تلك الأحزاب وأذرعها المسلحة والعشائر تتجاوز ما لدى الدولة المركزية منها. ويشير أحد نواب  المجلس إلى أن: “عدد الأحزاب السياسية التي تمتلك أجنحة عسكرية يصل إلى العشرات من مجموع الأحزاب المسجلة في مفوضية الانتخابات”.

 ولم تقتصر شؤون هذه الدول العميقة على الإحتفاظ بالسلاح  واستيراده، بل شمل حتى التسلل إلى جميع مرافق الدولة الأمنية والمدنية وأصابها التعثر والشلل والفساد، خاصة تلك التي تشكل مصادر مالية رئيسية من واردات الدولة كقطاع النفط والغاز والتجارة والسيطرة على المنافذ الحدودية دون أي تدخل أو رقابة من قبل الدولة الإتحادية. وهذا الأمر ينطبق على جميع المحافظات، خاصة المحاذية منها لدول الجوار، بما في ذلك إقليم كردستان العراق، أو التي  يوجد على أراضيها مصادر النفط والغاز أو تمر أنابيبها عبر تلك المحافظات.

 وهكذا إخترق العملية الإنتخابية التي يفترض أنها تشكل مظهراً من مظاهر الديمقراطية، عاملان خطيران هما المال السياسي والسلاح الذان لا يهددان الديمقراطية في الإنتخابات البرلمانية أو في مجالس المحافظات، بما في ذلك تعيين الوزراء أو الاستحواذ على المناصب المهمة في الإدارات المدنية أو العسكرية والأمنية. وعلى هذا المنوال جرى تهميش صوت المواطن العراقي وسرقته.

2-ومن المظاهر الخطيرة التي لا تبقي على أية سيادة للدولة العراقية ولا استقرار فيها، وهو ما يعرقل نمو بذور الديمقراطية، أن غالبية الأحزاب العراقي، بممارساتها وبرامجها، أصبحت رهينة أو توابع لإرادة دول إقليمية أو غير إقليمية، حيث تتدخل هذه الدول بشكل فض وصريح في كل كبيرة وصغيرة في شؤون العراق الداخلية عبر هذه الأحزاب الذيلية، من الشأن السياسي وتعيين الوزراء والتشكيلة الحكومية إلى الجانب الإقتصادي والأمني والعسكري. وشكلت هذه الدول أحزاب وميليشيات مسلحة تابعة لها، وتمارس الضغوط لتحقيق مآربها  في جعل العراق ساحة لبيع سلعها ومنتجاتها على حساب تدمير المرافق الصناعية والزراعية في البلاد. والدليل على ذلك أن النخب الحاكمة التي قفزت على السلطة منذ عام 2003 ولحد الآن لم  تعيد العمل بالمصانع والمزارع، ولم تفكر في إنشاء أي مصنع أو مؤسسات زراعية في بلد الخصب، بل وراحت تسارع سنة بعد أخرى في تفكيك وتشطب المصانع الموجودة وحتى نهبها، بحيث أصاب الركود جميع القطاعات الإقتصادية في البلاد، مما ترك آثاراً اقتصادية واجتماعية وسياسية خطيرة على البلاد. هذه الظاهرة جعلت من غالبية هذه الأحزاب أداة لتنقيذ مآرب تلك الدول الأجنبية، وتحويل العراق إلى ساحة اشتباك بين الدول المتصارعة لإبتلاع الغنيمة العراقية. والأمثلة لا تعد ولا تحصى، والأتباع العراقيون لا يتسترون على الولاء للخارج، ويرفعون صور مراجعهم الأجانب. فكيف يمكن إجراء إنتخابات شفافة ونزيهة في ظل هذه الحالة  الخطيرة؟.

3-ومما زاد من العوائق أمام الانتخابات، هو غياب دور السلطة الرابعة، الصحافة والمنابر الإعلامي الحرة والمستقلة وقدرتها عى التعبير عن مواقفها. فقد سيطر أصحاب المال والسلاح على غالبية المرافق الإعلامية من صحف وراديو وتلفزيون وبما فيها التلفزيون والإذاعة الرسمية للدولة من ناحية، ومن ناحية أخرى إستُخدم السلاح والعنف لكم أفواه كل منبر حر ومعارض وتدمير وحرق مؤسسات إذاعية وتلفزيونية، أو مطارة وملاحقة أرباب الأقلام الحرة من صحفيين ومقدمي برامج وإختطافهم وتغييبهم وسجنهم في سجون سرية إلى حد التجرء على إغتيالهم دون أن تقوم المؤسسة الرسمية التنفيذية بالعثور على القتلة والمجرمين، وأكتفت بتشكيل لجان تحقيقية لا تقدم ولا تؤخر  ولم تعثر على الجناة خلال العقدين المنصرمين. فكيف يمكن الحديث عن الإنتخابات والديمقراطية في بلد تهمش فيها وتلاحق الكلمة الحرة والسلطة الرابعة التي تعد الركن الأساسي في أي مجتمع ديمقراطي.

4- ومن الملاحظ أن السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية، لم تولي الإهتمام طبقاً لصلاحاياتها بتطبيق مواد الدستور العراق ولا القوانين التي سنتها السلطة التشريعية والمراسيم التي أصدرتها السلطة التنفيذية، ويبدو أنهاعاجزة، حول تأمين حقوق وواجبات الأحزاب السياسية كما نص قانون الأحزاب رغم ملابساته. فلا نسمع من غالبية هذه الأحزاب، وبعضها فضائية والتي بلغت قرابة 250 حزباً، أنها عقدت مؤتمراتها ولم تكشف عن مواردها المالية ومصادرها ولا عن  صلاتها الخارجية ولا عن عدد أعضائها. وبصراحة إن غالبية هذه الأحزاب لا تمارس حتى الديمقراطية في حياتها الداخلية. فكيف تقوم هذه الأحزاب بتطوير أسس الديمقراطية في المجتمع العراق وترسخها. إن شواهد السنوات التي مضت منذ إنهيار النظام الإستبدادي توضح أن هذه الأحزاب، ومن يمثلها في السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، لم تبق على أية شعرة من ملامح الديمقراطية في العراق. فكيف سيتمكن الناخب العراقي المشاركة في الإنتخابات في ظل هذا الوضع الملتبس المناقض للديمقراطية؟

5-ومن العوائق البالغة الأهمية هي مشكلة نسبة مشاركة المواطن العراقي في الإنتخابات ومستوى عزوفه عنها جراء ممارسات الأحزاب المتنفذة والمظاهر السلبية في سلوكها. لقد بلغت نسبة من يحق لهم المشاركة في الإنتخابات الأخيرة قرابة 20%، وهو أقل نسبة مشاركة في أي من المجتمعات الديمقراطية. ولا نرى من قبل الناخبين العراقيين أي تحرك لمواجهة هذه الظاهرة التي تلحق الضر بالديمقراطية الوليدة في العراق. كما وليس هناك أي تحرك سواء من قبل الحكومة أو من قبل الأحزاب لمعالجة هذه المشكلة الخطيرة التي تمس جوهر العملية الديمقراطية. فلا يمكن الحديث عن تكريس الديمقراطية في المجتمع في ظل هذه النسبة من العزوف عن المشاركة في الإنتخابات. فالمجتمع العراقي الذير أنهكته مظاهر الإستبداد وتداعياتها، والأفكار الظلامية والتقليدية التي عفا عنها الزمن، والموجة الشعبوية التي تصدرتها الأحزاب الطائفية والعشائرية والقومية، ولا يمكن أن نؤسس لديمقراطية بالإستناد إلى دعائم عفا عنها الزمن. فالمجتمع العراقي بحاجة إلى تنوير بقيم الثقافة والحداثة والعصرنة كي يرسي دعائم الديمقراطية.

6- ولا يمكن أن تجري انتخابات ديمقراطية حقة دون أن يتوجه الحراك الشعبي التشريني الذي إندلع في عام 2019 صوب مراجعة تجربة الشهور الماضية، وفي المقدمة إعلان مشروعه السياسي وإعتماد التنظيم والصلة الدائمة بجماهير الشعب عن طريق تنظيم فرق ميدانية هدفها التحضير للإنتخابات القادمة وتشجيع المواطنين للمشاركة فيها والشروع بتسمية ممثلين نزيهين من ذوي الخبرة والكفاية والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، وعدم الإكتفاء فقد بالتحشد في الساحات العامة. وإضافة إلى ذلك ينبغي التحلي بطول النفس والصبر والتخطيط وطرح ما هو ممكن تحقيقه والتخلي عن أي مظهر من مظاهر العنف والغلو أو رفع شعارات مخلة بالديمقراطية كشعار العداء للأحزاب بشكل مطلق. فبدون ترشيد هذا الحراك الشعبي وتطوير اساليبه السلمية وإستمراريته، الذي غير إلى حد ما موازين القوى خلال الشهور الماضية، والإستعداد للإنتخابات التي ستجري في العام القادم، فلا يمكن الحديث عن إجراء انتخابات تتميز بقدر من النزاهة وتشارك فيها الغالبية من الناخبين العراقيين، وتفتح الطريق أمام العراق للخروج من المأزق الخطير الذي يلف بخناقه الآن والشروع بوضع أولى أسس الديمقراطية في البلاد. وليس أمام الناخب العراقي والعراقيين من حل سوى في ظروف العراق الراهنة التركيز على تطوير الديمقراطية ووسائلها السلمية، وينبغي تثقيف جماهير الشعب بضرورة التمسك بهذا الخيار لتفادي الدهاليز المظلمة للخيارات الأخرى.

الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*