جعفر بن يحيى البرمكي، هل هو مير جعفر الداسني؟!ح4 : د.خليل جندي

البرامكة: هل من علاقة بالديلم/ الدوملية والايزيدية
شيء عن أصل القبيلة الدوملية:
لعبت هذه القبيلة/أو المجموعة البشرية الكبيرة القديمة والأصيلة، وغيرها من العشائر الكردية، دوراً بارزاً في تأريخ الشرق الأدني والأوسط بين القرنين (9-10) وما بعدهما. (البروفيسور أرشاك بولاديان، الأكراد في حقبة الخلافة العباسية، ترجمة عن الأرمنية الدكتور الكسندر كشيشيان، الفارابي/ آراس، الطبعة الأولى 2009، ص 8.). وظهر تعبير “كردستان” كاسم جغرافي وقومي للمرة الأولى في القرن 12م، وذكر هذا التعبير للمرة الأولى في المصادر الكتابية من قبل المؤلف الفارسي حمد الله القزويني من القرن 14م. إلاّ أن هذا التعبير قد دوّن في المصادر الأرمنية في وقت أبكر بين القرنين 11-12م في “حوليات” المؤرخ الأرمني متي الرهوي. (متي الرهوي، حوليات، يريفان 1991، ص 90-94. مقتبس من البروفيسور د. أرشاك بولاديان، مصدر سابق، ص 43). وشملت مناطق “كردستان” حسب المؤرخين حمد الله القزويني و متي الرهوي، على: (دينور وكرمنشاه وشهرزور ومناطق العراق العربية وخوزستان والعراق العجمية وأذربيجان وديار بكر، آمد وميافارقين)، ويقول ف. مينورسكي: “لا ريب أن الأكراد احتلوا قسماً من مملكة أرمينيا التي أنهارت تدريجياً في القرن 11م وتمركزوا في مواقع عديدة لم تدخل في مناطقهم الأصلية”. (أرشاك بولاديان، مصدر سابق، ص44). أما اسم الايزيديين الحاليين فقد جاء في ذلك الزمن تحت اسم (الداسنيين) عند المؤرخ ياقوت الحموي، تحت مادة (دَاسنُ) يقول فيه: “اسم جبل عظيم في شمال الموصل من جانب دجلة الشرقي، فيه خلق كثير من طوائف الأكراد يقال لهم الداسنية”. (الشيخ الإمام شهاب الدين أبي عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي الرومي البغدادي (و.1179- ت. 1229م)، معجم البلدان، الجزء الثاني، دار صادر/بيروت، ص432).
عودة لقبيلة الدوملي والتي جاء ذكرها في كتب التاريخ بأشكال وألفاظ متعددة منها: ديملي- دومبولي-دنبلان- دنبلي-دنابلة- دملي- دوملي- زازا- ديلم – ديلوم-ديليملي- ديلميلي، وقد اشتهر (البرامكة) بأنهم ينتمون إلى عشيرة “دنبلي” ويعيشون شمال دياربكر- بالو- درسيم وخوي وسلماس في إيران. وما زال هنالك عشيرة (دوملي) تدين بالديانة الايزيدية تتواجد بكثرة في قضاء الشيخان ومحافظة دهوك (رئيسهم عائلة دومان آغا) في قرية جروانه. كما قرأت في كتاب السيد بدل فقير حجي أن “صلاح الدين الأيوبي ينتمي بالأصل إلى العشيرة الايزيدية الدمبلية (الدوملية). (بدل فقير حجي، لالشنامه، ص 257، طبعة طهران 2019) من دون أن أعثر على المصدر الذي اعتمد عليه.
مما تقدم يمكن ملاحظة ان (دوملي، زازا، ديلم) وما ذكرناه أعلاه، أسماء لمسمى واحد. السؤال الذي يقفز للذهن أيضاً: هل من علاقة بين عشائر (الدليم) الذين يعودون باصلهم للعرب مع عشائر (الديلم، الدوملي والزازا) الكردية؟ هذا ما نتطرق اليه لاحقاً، لكن دعنا نتجول في بعض المصادر التاريخية لنطلح على الخيط الرابط بينهم، ونبدأ بالمستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي (1877-1966م) حيث يعتقد “بأن الزازا الذين يعيشون في شمال ديار بكر ولحد بالو ودرسيم يطلقون على أنفسهم اسم ديملي الذي يقابله F.C. Andereas بـ (الديلم).
(V. Minorsky., History of Shirvan. 1958, p.25-5) (Karl Hadak., Mundarten Der Zaza. Berlin 1932, p. 1)
ولا يزال الناطقون بلهجة الزازا الكردية الآن يطلقون على أنفسهم اسم (ديملي). يظهر بان قبيلة (دومبولي) في منطقة خوى (كردستان الإيرانية) مع بداية القرن التاسع عشر، تتصل بهؤلاء (الديملي) ين، واشتهر البرامكة بأنهم ينتمون إلى عشيرة (دنبلي) هذه. وأكدت المعلومات التي سجلت في النسخة الكاملة من تاريخ مدينة ميافارقين (كردستان تركيا) الموجودة الآن في المتحف البريطاني والتي ترجع كتابتها إلى 572 هجرية، ان حامية جنود تلك المدينة كانوا من الديلم. (H. F. Amedroz., Three Arabic MSS on the History of Mayyafariqin, J. R. A.S. 1902, p. 785)
إذا كانت عائلة البرامكة المشهورة والتي لعبت بارزاً في تأسيس الخلافة العباسية، تنتمي إلى العشيرة/القبيلة الدنبلي (دوملي) كما تؤكده أغلب المصادر، فان ذلك يقودنا إلى التوقف ومعرفة بعض النقاط الأساسية، منها أن عائلة البرامكة (نسبة إلى جدها برمك) وجدهم (برمك) هو السادن الأكبر لمعبد (نوبهار) في مدينة بلخ. المصادر وصفوهم بعبدة النار، ولم يقولوا عنهم زرادشتيين، بمعنى كانوا من بقايا الديانة المجوسية (وهي غير الزرادشتية) أو كانوا سدنة الديانة الميثرائية ومن أسلاف الديانة الايزيدية الحالية قبل أن يدخلوا الإسلام. حتى ان تزويج هارون الرشيد لأخته العباسة إلى جعفر بن يحيى البرمكي زواج اتفاق، وليس على سنّة الإسلام، ومن دون أن يدخل بها، يقودنا إلى الاعتقاد أن جعفر بن يحيى ما زال على معتقده ولم يدخل في الاسلام! الملاحظة الثانية الجديرة بالانتباه هو كون برمك الدوملية من سدنة ولاية بلخ، وولادة جعفر بن يحيى فيها. هذه المدينة الأثرية التاريخية تقع في الحدود الشمالية لأفغانستان الحالية والمجاورة لأوزبكستان وتاجيكستان، ويفصلها عن خراسان بايران وسمرقند وبخارى نهر جيحون، وتبعد عن مدينة الرّي التي ولد فيها هارون الرشيد حوالي 1100 كم. وتذكر المصادر التاريخية أن خالد البرمكي أعلن اسلامه وصار أحد الدعاة للدولة العباسية ومن يمهد له في بلاد فارس وتولي المناصب في عهد ابي العباس السفاح الخليفة الأول للدولة العباسية وتولى كذلك في عهد ابي جعفر المنصور الخليفة الثاني.
إذن العشيرة الدنبلية/الدوملية تحركت على مساحة جغرافية واسعة، وأنشأت حكومات في مناطق كثيرة من غرب آسيا وما اصطلحنا عليه الشرق الأدنى والأوسط، بدءاً ما يطلق عليه اليوم آذربيجان وكنجه ثاني أكبر مدنها، مروراً بميديا الصغرى (تبريز الحالية) وصولاً إلى إمارة الدنبلي والمحمودي في كردستان التابع لتركيا حالياً. نبدأ أولاً بـ :
* الحكومة السالارية بآذربيجان (300-420هجرية)
يقول (الصدفي) ان الحكومة السالارية كانت ديلمية (الصدفي، رزق الله منقاريوس، تاريخ دول الإسلام، مطبعة الهلال، (PDF) 2017)، في حين ان (دائرة المعارف الإسلامية) ليس لديها أدنى شك في أنها كانت كردية، وعلى هذا تكون (الديالمة) بمقاطعتي (كيلان وطبرستان) فرعاً من الأمة الكردية كما يقول (إسكندر منشى) في تاريخه (عالم آراى عباسى ص 762)، وكما ورد في كتاب (حمزة الاصفهاني) ان الإيرانيين كانوا يطلقون لفظ الديلم على أكراد طبرستان. (مقتبس من: محمد امين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان/تاريخ الدول والامارات الكردية في العهد الإسلامي، ج2، ترجمة محمد علي عوني، مطبعة السعادة/مصر 1948، ص57)
الحكومة الروادية (230-618هجرية) في تبريز
هي في الحقيقة أصل الحكومة السالارية في آذربيجان (المعروفة بميديا الصغرى)، وأن حوادث الحكومتين متداخلة بل واحدة. وكان هناك فترة فصلت بين الحكومتين، فقد انضوى إقليم آذربيجان تحت لواء أبي الساج محمد بن أفشين بن ديوداد عام 280 هجرية، وظل يتوارثه الخلف عن السلف من أحفاده حتى عام (317 هجريةـ) حيث قضى على حكم بني الساج بالزوال وأسدل على هذه الحكومة الستار. فخضعت منطقة (المراغة) بعدهم لسلطان الأمير (المفظر) وهو من أكراد الديلم أحفاد الرواديين القدماء. وتقول دائرة المعارف نفسها أن (مرزبان) وأخاه (وهسوذان) هما من الاسرة الروادية نفسها. (محمد أمين زكي، نفس المصدر، ص 29).
الحكومة الشدادية (340-468هجرية، عاصمتها أران:
التاريخ يفتقر إلى معلومات مسهبة شافية عن (بني شداد) الذين أسسوا حكومتهم في (أران). ظل بعض أبناء تلك الاسرة الحاكمة محتفظين بالسيادة في بعض الجهات مثل (كنجة- جنزة) و (آني) تحت حماية الدولة السلجوقية في زمن ملكشاه السلجوقي. وقد كانت مدن نخجوان، كنجة، تفليس، دميرقبو، قره باغ، من المدن الشهيرة التي كانت داخلة في نطاق هذه الحكومة التي كان معظم أهلوها ورعاياها من (اللكز- لزكى). (نفس المصدر السابق، ص90)
تتبع الحلقة الخامسة
امارة الدنابلة
الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*