قراءة في رواية ( حاموت ) للاديبة وفاء عبدالرزاق : جمعة عبدالله

 
تملك الاديبة قدرة فائقة ومتمكنة  في جماليات السرد في المتن الروائي ,    بتعدد اشكال أسلوب  التقنيات في  الحبكة الفنية ,  في السرد الاحداث النص الروائي .  في براعة الصياغة الفنية والتعبيرية , في تآلف منسجم بين منصات الواقع والخيال المتخيل الفني  . في براعة الغوص في عمق الواقع وتجلي عتباته ومفرداته , بما  يحمل  من مضامين الفكرية ,  تجسد حقيقة الافعال الواقع التي تمشي على الارض ,  تسوقها في صياغة  بارعة في التشوق وشد الانتباه  الى  الحدث السردي في النص الروائي . الذي يكشف حقيقة الواقع العراقي بعد فترة  الاحتلال الامريكي , وبداية العهد الجديد , في مجيء نخبة سياسية هجينة  لا تملك مبادئ الشرف والاخلاق ,  وتتسلم السلطة والنفوذ والمال . كأنها جاءت من اقوام معادية للعراق  , لكي تفجر روح الاحقاد والانتقام والثار والخراب للوطن الذي يرمز له بتسمية ( حاموت ) . في الشهوة العدوانية لتحطيم والتخريب في كل ميادين الحياة في الواقع اليومي , وتحويل مدينة ( حاموت ) الى مدينة الظلام والكوابيس , تنشط فيها اشباح الظلام  عصابات الموت والدم والفساد , في غيومها الكثيفة . اي بكل بساطة تحويل ( حاموت ) الى مدينة ديستوبية بامتياز . مدينة تزرع الموت والرعب والفساد في كل مكان هذه المرامي الشيطانية من المحتل  الامريكي . وهي بمثابة جرائم ابادة وتخريب  وطن . بوضع الديناصورات المتوحشة  في اعلى هرم السلطة والنفوذ, بحجة الديموقراطية التي تحولت الى ديموقراطية الموت والدماء ,    في نخبة سياسية فاسدة تسلقت على اكتاف العراق , واطلقت شياطينها واشرارها في عصابات  واشباح الموت  , التي تتحرك في ظلام الليل  وتختفي في  النهار , لتخنق الحياة بالاحزان والاحباط  . أن تجعل ( حاموت ) مدينة الخراب المأساوية , مصابة بلوثة الموت المنتشر في كل مكان . أن المتن الروائي يغوص الى الاعماق في حالات الرعب المخيف في شكله الدراماتيكي , من خلال عمليات الرصد والمراقبة لما يجري  لمدينة ( حاموت ) التي هجمت عليها الغربان السوداء وحولتها الى مدينة ديستوبية . حطمت كل شيء حتى الحب . ووضعت ( حاموت ) في دائرة الرعب في طقوس وحشية وهجينة , من قبل اشباح الظلام , الذين يضعون بصمات ابهامهم على ابواب البيوت المرشحة للموت أو الحرق … الاديبة البارعة ( وفاء عبدالرزاق ) ملهمة في الابداع ( الشعري والروائي )  وفي هذا  النص الروائي تجسد الصورة التصويرية ملهمة في اظهار  مشاهد الرعب والموت التي اجتاحت ( حاموت ) في تجليات الاحداث المتلاحقة والمتسارعة في شكلها الدراماتيكي , لواقع حياة ( حاموت )الديستوبية في بصمات الموت الزقوم  . حتى الاشجار ارتوت الى حد التخمة والاشباع  من دماء الجثث ( شجرة ( حاموت ) تتغذى الآن على الجثث , على الجرحى والمجلودين وعرق المساجين ,المضروبة اعناقهم والشهداء ) ص22 . حاموت الديستوبية اصابها شر نذير , أو عقاب الهي بالجحيم . كما عوقب ( آدم ) بسبب تفاحة بطرده من الجنة , كذلك العقاب الالهي بطرد ( حاموت ) من الحياة الى الجحيم . هذا ما يسلط عليه السرد في المتن الروائي , بتقنيات مختلفة منها توضيف اسلوب المحاورة ( ديالوج / صوتان ) بين ( محمد ) الذي تيتم بعد موت والديه بشكل مجهول , وتبنت  تربيته خالته التي اطلقت عليه أسم ( عارف ) رغم ان شهادة ولادته تؤكد أسمه ( محمد ) يحاور الشبح ( عزيز )  الذي اصبح فيما  بعد صديقه . ينقل اخبار فواجع ( حاموت ) من خلال معايشته ورصده اليومي للاجداث الدراماتيكية التي تعصف ب ( حاموت ) . في كيفية اشباح الظلام يعملون ويتحركون ويضعون بصمات أبهامهم على ابواب البيوت المرشحة للموت أو الحرق. وهو الدليل  بأن ( حاموت ) اصبحت لعبة رقعة الشطرنج , لابد من رأس يدير بيادقها ويلعب بها وفق ما يريد ويرغب , لابد ان يكون هناك هناك زعيم على رأس هذه  الاشباح أو  البصامين ,  أو زعيم عصابات الموت , واشباحه يتحركون بأوامره  بالطاعة العمياء , هذا الزعيم  لابد انه ينتمي الى اركان الحكم والسلطة والنفوذ . لذلك يتحرك في إجرامه تحت مظلة الدولة والحكومة ومؤسساتها الامنية , اي باختصار العبارة وضع الدولة والحكومة ومؤسساتها العسكرية والمدنية في راحة يده , بأنه السيد الاعلى أو الرب الاعلي , الذي يرتدي الثياب السود وغطاء الرأس الاسود , يتحرك بذريعة حماية الدولة والشريعة والقانون والنظام والسيادة . وهو يزرع الرعب والموت بشهية عدوانية , في شيطنة متعطشة الى اراقة الدماء ( شره العتمة في قلوبهم الى مجون الموت .. ديمومتهم الصدئة تقتات على أرياق الاخرين …. شباب وشيب , أطفال ونساء ) ص53 . . وكان ( محمد ) يتطلع الى بصمات ألابهام  على ابواب البيوت الناس المرشحة للموت أو الحرق أو السلب  , ويسمع أنين الناس والامهات . أنين الجميع الذين اصابتهم الفواجع المأساوية التي وقعت على ( حاموت ) الديستوبية ويتألم بحزن وألم (  – يا لمصيبة ( حاموت ) وامصيبتاه … أولادي الاربعة . حكمتك يارب .. أنطلقت أصوات اخرى مخنوقة العبارات . واختفت في الزحام . أفواه ممزقة . أفواه حائرة . وافواه خنقها العويل ) ص17 . هذه نتيجة البصمات على البيوت . من الاشباح التي تتحرك في الليل وتختفي في النهار . تذكرنا هذه الاحداث , في بداية مجيء سلطة البعث في العراق . حين ارعبوا الناس في بغداد بحوادث القتل بأسم ( ابو طبر ) الذي ارعب الناس في الليل , يهجم بطبره على الضحايا ويمزقها ارباً , وكثرت حوادث القتل . مما تصاعد الاحتجاج الشعبي ضد السلطة , عندها اختفى فجأة ( أبو طبر ) ولكن اتضحت الحقيقة فيما بعد ,  بأن  ( ابو طبر ) هو من عناصر الامن مخول بتصفية المعارضين وقطع اجسادهم بالطبر . وهي مسرحية في اخماد صوت المعارضة. كذلك نفس الحال لعصابات الموت أو اشباح الموت في العهد الجديد , في تخويف الناس بالرعب والفزع . بالقتل بأسم الله والمذهب والطائفة , بأن هذه اشباح الظلام تتولى مسؤولية الثأر والانتقام , ولكن ضد منْ ؟ بكل تأكيد ضد البسطاء والفقراء والضعفاء . . بأن عصابات الموت تدعي بأنها  هي حامية الدين والمذهب والطائفة , وهم حراسها الامناء في اسلوب البطش والتنكيل. هذه عقلية الاصنام الجديدة التي جاء بها المحتل الامريكي . يقتلون ويذبحون الناس بأسم المقدس . واصبحت كلمة المقدس وحشية وبذيئة ومكروهة  يشمئز الناس منها , حتى الشواذ اصبحوا مقدسين بالقدسية العليا  ( صار الفاسد سيداً , والمعتوه إماماً , والحاقد مرشداً , والقاتل ورعاً , والشاذ رئيساً ) ص74 . هذه الوحوش السائبة جاءت من عمق صحارى الهمجية ,  تحمل روح الحقد والانتقام والعدوانية بالبطش والتنكيل , من اجل النفط والدولار , وحولوا ( حاموت ) الى زريبة أشباح الظلام والكوابيس . و( محمد ) يتألم لهذه الفواجع المأساوية . لذلك قرر عدم الزواج والبقاء بدون نسل , حتى لا يكونوا حطباً لوحشية الذئاب البشرية . رغم أنه احب جارته ( سعاد ) لكنها اهلها زوجوها الى رجل غني , واقسمت  بالقسم لو انجبت ولداً , لتسميه  ( محمد ) حتى تنادي بأسمه كل لحظة وطوال اليوم  . والمفارقة الغريبة  ( حاموت ) خلقت الفوارق الاجتماعية الصارخة في المجتمع  , بين النعيم والرخاء الباذخ والمجنون , والفقر المدقع . الفئة الاولى كونت امبراطوريات مالية من المال الحرام وارسلتها خارج ( حاموت ) في نعمة الفردوسية بخداع الناس بأنهم حماة الدين والمذهب, لذلك لم يتوانوا في ارتكاب جرائم القتل والسلب والسرقة , حتى في اقتحام مصارف الدولة ونهب خزينتها المالية وقتل الموظفين والحراس معاً , طالما يتحركون بأسم الدولة والسيادة. كما حدث في المصرف في الكرادة / الزوية في بغداد , حين اقتحمت حماية ( عادل عبدالمهدي ) مصرف الزوية ونهبت الخزينة المالية وقتلت الموظفين والحراس , حتى اطلق عليه الناس لقب ( عادل زوية ) ( اقتحمت جماعة مسلحة المصرف المركزي في عاصمة ( حاموت ) وسرقت الخزينة كلها ثم رشقت بالرصاص كل موظفي المصرف حتى الحراس )ص44 . بهذه الطريقة البشعة تدار الدولة وشؤون الناس . لهذا يتساءل ( محمد ) بجزع وقهر ( – لماذا ياربي أرسلت الاشباح ( لحاموت ) ؟ ) ص92 . هذه الفوضى العارمة التي تعيشها ( حاموت ) بكثرة الاشرار والشياطين وعصابات الموت . لابد ان تدير شؤونهم جهات متنفذة في السلطة , تمارس  الارهاب والقتل  تحت مظلة الدولة . وفي مواجهة كلامية بين ( محمد ) وصديقه الشبح (  عزيز ) , عن القسوة والبطش الوحشي ضد الناس من هذه العصابات  , ولماذا ينفذ أوامر الموت من الاعلى , والى اين يقود هذا الاجرام  والخراب البلاد  , فيقول الشبح ( عزيز ) :
( – نعم . أنا عبد مطيع , فلا تفرغ لومك علي .
– عبد ؟ عبد لمن أيها القاسي ؟
– أنا عبد لسيدي ( جليل )
– جليل ؟ منْ جليل الذي تتخفى بأسمه وتحت أمرته ؟
– ستعرف لاحقاً ليس الآن
– متى ؟ لقد أستفحلت المظالم , وبات القتل مثل شربة ماء …. ) ص41 .
 وفي احد الايام جاء الشبح ( عزيز ) حزيناً ومتألماً فأستفسر ( محمد ) عن حزنه , فقال :
( – كان المنظر مؤلماً جداً …. جداً … خمسة أطفال كانوا ذاهبين الى مدارسهم , فصاروا طعماً لذوي الضمائر العفنة , طعماً للنار ….. تمزقت أجسادهم أرباً بسبب دراجة مركونة الى جانب الشارع ملغمة ) ص67 .
ويصاب ( محمد ) بالسرطان من مناخ  ( حاموت ) الملوث بالاشعاعات السامة والخطيرة , فصار على الدوام تصيبه نوبات السعال الحاد والاختناق وضيق التنفس , حتى صار يبصق دماً , واصابه الوهن والهزال , وانتظر مجيء  الموت. مستسلماً  مثل مصير اهل  ( حاموت ) أما الموت من الاشباح أو الموت بالسرطان من الجو الملوث , هذه معالم ( حاموت ) الديستوبية في العهد الجديد , عهد الدخلاء الوحشيين الذين يزرعون الارهاب والموت على الهوية  ( دخل حياتنا كثيرون , سفلة وقتلة ومأجورين . وسادة اكثر سفاهة منهم … كم عرض التلفاز من مجرمين ومغتصبين . . وكم عرض من أسلحة ومتفجرات بحوزة عصابات , تم ألقاء القبض عليهم ومعرفة اوكارهم . لكن لم يعرض عن العقاب جرائمهم , ولم يعلق أحدهم شنقاً في الساحات العامة , ليكون عبرة لغيره … فهم على يقين أنهم سيهربون من سجنهم بسهولة , كي يعيدوا كرة الذبح ) ص115 .
لذلك يصرخ بألم وحزن واحباط الشبح ( عزيز ) :
( – أصبحت عبداً ..أصبحت عبداً يا محمد … أصبحت عبداً  للقوي … أصبحت عبداً )ص129 .
× الكتاب : رواية حاموت
× المؤلف : الاديبة وفاء عبدالرزاق
× الاصدار : مؤسسة المثقف العربي . سدني / أستراليا
       
الموضوع يعبر عن رأي الكاتب وبالضرورة لا يعبر عن راي بحزاني نت


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*