ar

علي حاول بكو : الذهاب الى سورية والعودة منها

أود ان أوضح حول ما كتبته بأنها ليست قصة ولا هي رواية خيالية بقدر ما هو تعبير عن واقع الحال , المرير والظروف الصعبة التي فرضها النظام الفاشي على شعبنا العراقي بشكل عام وشعبنا الكوردي بشكل خاص , وكنت أحد ابناء هذا الشعب لذا أكتب للتاريخ والاجيال .
كان موقع مفرزة السرية الرابعة للفوج الاول للحزب الشيوعي العراقي في (وادي المراني) خلف جبل كارة، في منطقة البهدينان , كان الموقع يسمى بمنطقة (كفرى وزير ) انها منطقة جبلية وعرة فيها كهوف ويتفرع منها  العديد من الفروع والوديان المستعصية والعميقة وتكثر فيها ينابيع الماء، لذلك يمكن الاعتماد عليها للعيش فيها ، وكانت القرى مهجورة سكانها قسراً الى مجمعات سكنية , لذا كانت تعد منطقة محظورة أمنياً، كانت الطائرات السمتية  تحوم في الأجواء وبارتفاع منخفض ومقاتلات مخصصة لحرب العصابات في الجبال لمراقبة المنطقة ، حينذاك كان ذلك الموقع تستخدمه السرية الرابعة لانصار الحزب الشيوعي العراقي والذين لجؤا اليه أكثر من عشرون نصيراً اثناء محاصرتنا في جبل كارة ايام الانفال عام 1988وبعدها تمكننا في اختراق خطوط العدو والتحول الى الموقع المذكور ثم الأختباء به , بعدها انطلق أنصارالمحاصرين عبر مدينة الموصل وتلعفر والمنطقة الشمالية من سنجار الى سورية، فكنت أمتلك المعلومات الجغرافية عن المنطقة فترة نضالي في الجبال ومشاركاتي في حرب العصابات في الجبال . بالرغم من معاناتنا لقلة الاسلحة كنا نمتلك مسدس رقم 7  , حيث كان شقيقي يزدين قد استعاره من احد اصدقائه في خانك.
وصلنا هناك واصبح ملاذنا , لم يبقى لي سوى شقيقين من مجموع (30) فرد من (5) عوائل نتيجة الانفال، أجبرنا بالعيش في كهوف تلك الجبال الوعرة لمعالجة الظروف ؛ وكانت المنطقة تتغطى بالاشجار الجميلة على شكل غابات كثيفة على الرغم من هجرة الاهالي من قراهم ولم يبقى لها سوى أثارها تسكنها الحيوانات البرية مثل الخنازير، الدببة والذئاب وكذلك الافاعي القاتلة مع مجموعة أخرى من الحيوانات المفترسة.
حين وصولنا هناك لم اتمكن السير على الأقدام في الجبال لاني كنت سجيناً لأكثر من سنة ومعدوم الحركة فأصبحت شبه معاق من القدمين خاصة وكنت أعاني أثناء الصعود والنزول في الجبال لذا كان يسندني شقيقي يزدين  في مسك اليد وبعض الاحيان حملي على الاكتاف.
كان يزدين يحمل سكينة ، حيث قطع لي جذع من شجرة وعمل منه باكورة كنت اتكئ عليه , بعد ثلاثة أيام عادت القوة الى جسدي، وشفيت من وضعي الصحي المتدهور،  لذا تركت العصا ( الباكورة ) وعثرنا على حاجيات الطبخ مثل الجداري والمواعين لدى مفرزة الانصار للسرية الرابعة / فوج الاول .
حاولت العودة الى سورية مع بقاء يزدين في العراق باعتباره شخص سلم نفسه الى النظام بعد قدومه من ايران وأصبح تحت الإقامة الجبرية مع الاف العوائل التي تم تهجيرهم من قرى الجبال بسبب الأنفال سيئة الصيت الى (مجمع بحركى) في اربيل وكان يتردد الى خانك مع تسجيل حضوره كل اسبوع لدى دائرة امن المنطقة التي تتواجد بين خانك وبحركى في (دشت اربيل).
توجه شقيقي الى خانك للقاء مع احد امراء سرايا ابي الفراس الحمداني باعتباره اقرب شخص لنا لوضع خطة من اجل وصولي الى منطقة شمال قضاء سنجار بين مجمع دوكرى وخانة صور لكي التحق مجددا مع الحزب في سورية. كان الوصول من خانك اليها فيه الكثير من الصعوبات لوجود العديد من نقاط السيطرة والتفتيش بالإضافة الى معسكر في منطقة فايدة وغيرها من النقاط العسكرية ناهيك عن وجود كثافة العملاء تمكنا في الوصول الى خانك سيرا على الاقدام تحت جنح ظلام الليل وصلنا الى باب داره , رفض يزدين ان يرافقني في الدخول الى دار امر السرية قائلاً :
–       أدخل في بيته وترجى منه لعل ان يقدر موقفنا ويلبي الطلب-
–       حسنا، كنت مرتدياً نفس الملابس العسكرية الذي كنت ارتديها في السجن والتي هربت به من السجن
كان الوقت متأخراً من الليل دخلت الى داره كالعصفور الذي يلاحقه الصقور ودخلت في غرفة الضيوف شاهدت والدته مع اثنين من اولاده في الغرفة ،
–       مساء الخير يا ….
فاجئني الرجل بموقف معيب ومغزي، تغير ملامح وجهه، لم أكن اصدق سيكون بهذا الموقف،  لم يرد لي السلام ، وكنت واقفاً امامه على أقدامي , وقال لي
–       من قال لك ان تدخل داري ؟
–      جاوبته (بصوت خافت ومخجل) انا جئت الى دارك لكون لنا تاريخ مشترك في عهود آبأءنا واجدادنا .
–       (فقد اعصابه بسبب الخوف والرعب من الحكومة) وقال:  اخرج ….. اخرج من الدار بسرعة، هل تريد ان تعدمني الحكومة؟
طردني من داره . كان والدته نائمة ، لكنها استيقظت من النوم من أثر صوت ابنها وهو يطردني بغضب وصوت مرتفع ، فتوجهت اليه غاضباً قائلاً  :
–       هل تطرد ابن حاول من دارك ، وتنكر العشرة والزاد والملح يا بني ؟!
وحاولت الوالدة منحي مبلغاً من المال لكني رفضت رفضا قاطعا وخرجت من الدار مطرودا وأنا أذرف الدموع  .
–       سألني شقيقي يزدين : ماذا قال لك ؟
–      قلت : لقد طردني من داره !
لم يبقى من الوقت الا القليل على قدوم الفجر، وحينها كيف ساقضي النهار؟ ونحن في المنطقة التي تتواجد فيها مقرات لحزب البعث الفاشي اضافة على وجود اعداد من عملاء النظام في خانك ((حاليا هؤلاء العملاء تحولوا الى مناضلين ويستلمون الرواتب ومنهم في مناصب حكومية))
–        يزدين : عليك ان تختفي في زاوية منعزلة بالرغم من ظلام الليل وسأذهب الى السيد شيخ رشو من شيوخ خانك، اتمنى ان يستقبلك لأيام في داره.
–        حسناً .
ذهب وعاد على وجه السرعة فسألته :
–       ما موقف شيخنا ؟
–       لقد رحب بنا وسيتم ايواءك
دخلت  داره وهيأ لي مكان داخل كوخ الحطب ويستعمل كقن للدجاج أيضاً من اجل تجنب شك الاخرين وخوفا من عملاء النظام في الوقت نفسه كان موسم اغتيالات المعارضين من قبل النظام وبث الشائعات على وجود صاحب الكف الأسود وبحجته تقوم الجهات الامنية باغتيال كل من عليه ادنى شك في عدم ولائه للنظام وحكم الدكتاتور .
في اليوم الثالث كان بعض الاطفال الصغار يلعبون امام مدخل الكوخ ودخلوا فيه تفاجئوا بوجودي على الفراش خلف الحطب ثم لاذوا بالفرار، خرجوا الى الشارع مطلقين صيحات (هيا الى هنا لقد اكتشفنا صاحب الكف الاسود في داخل هذا الكوخ) , انها كانت المصيبة الكبرى بالنسبة لي كاد يتم الكشف عن اختفاء وجودي هناك .
جأءت زوجة الشيخ وطردت هؤلاء الاطفال ثم تحولت الى بيت احد اقربائي السيد (فندي ابراهيم) فقضيت هناك عدة ايام .
طلب يزدين من (عيسى خضر) ان يكلف نجله الاكبر (مصطفى ابو فرهاد) لإيصالي الى مجمع خانصور في شنكال للذهاب الى سورية. كان له موقف مشرف حينما أكد باننا ابناء العشيرة وسنكون في الخدمة.
أخذني مصطفى في اليوم التالي ليلاً بسيارة نوع برازيلي بيضاء اللون , حينما وصلنا بالقرب من قضاء سميل،. قال :
–        رجاءً اذ تحمل أي نوع من السلاح ان تتخلى عنها ؟ كما تعلم مرورنا سيكون عبر العديد من السيطرات.
–       (كنت احمل قنبلتين يدوية (رمانات) احداها هجومية تنقسم الى 36 شظية والثانية دفاعية تخرج منها دخان)  نعم لدي قنبلة دخان .
–       بإمكانك قذفها من خلال نافذة السيارة .
رميتها مع بقاء قنبلة أخرى التي تنقسم الى 36 شظية تحسباً لحالات طارئة فيما لزم الأمر يتم استخدامها للإقدام على الانتحار  من اجل عدم البقاء حياً في قبضة العدو لاسباب كثيرة منها الحفاظ على الاخرين وعدم الاعتراف على كل من قدم لي المساعدة او التعاون معي حفاظا على حياتهم وحياة عوائلهم . حقا كنا محظوظين لهبوب عاصفة هوجاء ولم نتوقف امام اية سيطرة حينما وصلنا بالقرب من (مجمع دوو كرى) حاولت أمنحه اجرته وكنت املك 90 دينارأ وضعتها في جيبه، لكنه قال :
–        هل تعتقد مساعدتنا لكم مقابل المال ونحن ابناء العشيرة الواحدة وانتم استجرتم بنا ، نحن لا نغامر من اجل المال، ثم قال مازحاً بعد مكوثك لفترة في سورية بإمكانك ان ترسل لي (يشماغ)
وهنا للتذكير في عام 1995 ارسلت له ( 2500) دولار وقال لي :
–        ما هذا المبلغ الذي ارسلته ،
ذكرته انت في حينها قلت ان العمر طويل لذلك هذا ردك ؟
حين الوصول الى مجمع دوو كرى توجهت الى دار (فارس بدران) الذي كان جندياً في مقر الفرقة التي هربت منها انتابه خوف شديد، شربنا الشاي وخرجت الى الحدود السورية وبعد تجاوزها سلمت نفسي الى نقطة حراسة الحدود في (هجانة) فاوصلوني الى (تل الحميس) وبعدها الى مكتب الحزب في قامشلي، جرى التحقيق المكثف من قبل المكتب  وليس هناك من يصدقني ، كيف تمكنت الهرب من قبضة النظام بل كانوا مشككين في الأمر وبالرغم من ذلك سمحوا ببقائي في سورية وطلبت سحب شقيقي (يزدين) انه الوحيد ما تبقى من العائلة في العراق، لكنهم رفضوا بسبب موقف يزدين السلبي تجاه الحزب ولذلك حصل الخلاف بيننا حول الموضوع وخيروني بين الاقامة أو العودة الى العراق
بعد شهرين في مدينة (عامودا) التابعة الى قضاء قامشلي قررت العودة من اجل شقيقي الوحيد في العراق ، فعدت من خلال مكتب الحزب مع المخابرات السورية ، عبرت الحدود سيراً على الأقدام وبواسطة سيارة وصلت الى الموصل ومن ثم الى قرية خانك التقيت بشقيقي يزدين في دار احد أقاربنا وقررنا العودة الى جبل القوش وقرية بوزان والعيش هناك والبقية في مقال آخر .

2 تعليقان

  1. تحياتي لك ابو جمال
    أتمنى ان اقرأ باستمرار هذه الأحداث التي حدثت معك ، لكثرة ما فيها من شوق ولذة
    وما يحمل في طياتها من صعوبات واجهتك وفِي الأخير تبقى كالأسد

  2. شكرا لك اخي العزيز عبدي وشكرا لقراء الكرام جميعا ومن طبيعي سأواصل واتمنى ان تنال اعجابكم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*