ar

حسو هورمي : قراءة في  قصة طفل أيزيدي مجند

إسم الطفل الأيزيدي الناجي: سفيان رشيد  حجي
تأريخ الميلاد : 20/09/2000
الديانة: أيزيدي
مكانه أثناء وقت الإختطاف: قرية صولاغ – قضاء سنجار (شنكال) ـــ محافظة الموصل, العراق.
تأريخ الإختطاف: 04-08-2014
تأريخ الهروب من قبضة داعش: 25 – 12-2017
عمره أثناء وقت الإختطاف:  14 سنة
فترة الأسر في قبضة داعش:  3 سنوات و 5 أشهر
الكنية التي أطلقها عليه تنظيم داعش: أبو عائشة السنجاري.
الحدث: تم إختطافه مع شقيقه، والذي لايزال بقبضة داعش.
السكن الحالي: قرية صولاغ – قضاء سنجار (شنكال) ـــ محافظة نينوى -العراق.

تبدأ قصة الطفل الأيزيدي (سفيان) البالغ من العمر أربعة عشر سنة، عندما إختطفوه مسلحوا تنظيم “داعش” الارهابي، مع مجموعة من الأطفال الأيزيديين، وذلك بعد يوم واحد من إجتياح التنظيم الإجرامي لمنطقة شنكال في 03 أغسطس عام 2014م.
حالياً ما تزال ذاكرة الشاب الأيزيدي سفيان رشيد حجي، مليئة ببشاعة الصور المؤلمة، التي عاشها بين جدران سجون “داعش” ومعسكراته، والتي يصعب عليه نسيانها على المدى القريب، وخاصة أنه تعرض إلى قصف صاروخي للقوات العراقية، بالقرب من الحدود العراقية السورية، التي أدت إلى بتر ساقه اليمنى؛ وبهذا أصبح معوقاً.
بعد عزل الطفل سفيان عن عائلته؛ وإحتجازه بسجون التنظيم في بادوش والموصل وتلعفر، وتجنيده في معسكرات تدريب “أشبال الخلافة” في سوريا مع أطفال أيزيديين آخرين، وإدخاله في دورات شرعية مكثفة في الموصل والتلعفر والرقة والطبقة ودير الزور، لدراسة الدروس الإسلامية الدينية العقائدية، التي تركز في مضامينها كما يقول سفيان، على أهمية إخضاع الكتابيين للحكم الإسلامي، وقتال المشركين والمرتدين وتطبيق حكم الله فيهم؛ بقتل رجالهم وسبي نسائهم وأطفالهم، وسلب أموالهم كغنائم للمسلمين، وبما أن الديانة الإيزيدية وفق مفهوم الداعشيين؛ هي ديانة شركية(مُشركة، تُشرك بالله)؛ لذا فينبغي إرغام أتباعها على الدخول في الإسلام وإتباع تعاليمه وشريعته، أو قتلهم إذا رفضوا ذلك.

لا شك أن مشهد تفريق بنات عمه وبنات خالته عن عوائلهنَّ، في إحدى مدارس حي الكفاح في مدينة تلعفر، سيظل عالقاً في ذاكرة سفيان لامدٍ طويل، كونه لم يلتقي بهن لاحقاً، ويجهل مصيرهنَّ، وهذا ما دفعه للإستفسار الدائم عنهنَّ، وعن حدث ولماذا؟
أما إحتجازه في تلك المدرسة لمدة شهرين كاملين تحت حراسة مشددة من قبل عناصر الدواعش، ضمن مناخ مشبع بالمعاناة والألم والإهانة، فلقد ولدَّ لدى”سفيان ” نوع من الكره والبغض لكل ما يمتُّ للمدرسة بأي صلة، رغم أنه من المفروض أن تكون مؤسسة نظامية إجتماعية تربوية، تعمل على تنمية القدرات والأفكار الإبداعية والسلوكية على أسسٍ علمية ومعرفية؛ لإعداد الطفل ليكون نافعاً صالحاً وإيجابياً في المجتمع.
في سجن قلعة تلعفر عانى سفيان لمدة شهرين مع باقي أصدقائه الأطفال من إنتهاك حقوقهم، تعرضهم للتعذيب والتحقير، والإيذاء البدني والنفسي، وهذه كانت بداية قاتمة لمسيرة جديدة لطفل فُرِضَتْ عليه، ورسمت له خارطة حياة متخمة بأشكال وأنواع الإساءة الجسدية، والعاطفية، واللفظية، والنفسية، وعليه أصبح سفيان يُدرك بأن مصيره يتجه نحو المجهول، وأيقن ذلك تماماً؛ حينما شاهد عناصر داعش في قرية (كسر المحراب) يأخذون النساء من أقربائه، وخاصةً الجميلات منهنَّ لإشباع رغباتهم المقيتة، بغية إغتصابهنَّ وإستغلالهنَّ جنسياً.
لقد نزل هذا المشهد العنيف على رأس الطفل سفيان كالصاعقة دون إنذار، فكان وقعه في نفس سفيان قاسياً مذلاً ومرعباً في نفس الوقت؛ ما جعله يتضاءل أمام نفسه؛ فيغرق في حزن داخلي عميق وينتابه شعور من الخوف والأسى والحيرة والارتباك الشعوري وفقدان الثقة بكل شيء.
لم يستطع سفيان من محو مشاهد القتل والذبح من مُخيلته، ولم تفارقه بعد صور ذلك الرجل التركي، حين رموه إرهابيي التنظيم من فوق بناية السايلو “مجمع الحبوب”، فهو ما زال يتذكر تلك اللحظة الرهيبة، التي يصفها بالمرعبة جداً، ويضيف قائلاً : ” أنا أحلم بمسلحي داعش وأفعالهم في منامي كل ليلة، وتأتيني دائماً كوابيس فضيعة، لا أستطيع التخلص منها، حتى بتُّ أكره النوم”.
أما منهاج التدريب اليومي في معسكرات الدواعش، فكان وكما يتذكر المجند سفيان ويقول: يبدأ يومنا بأن يوقظ عناصر داعش الأطفال الإيزيديين مبكر جداً لأداء صلاة الفجر، ثم يسمح لهم بالعودة إلى النوم لوقتٍ قصير، قبل الإستيقاظ مرة أخرى لغرض التوجه إلى قاعات التدريب العقائدي ودروس تلاوة القرآن وتفسيره، مع شرح أركان الإسلام والإيمان وقصص الصحابة، والحث على الجهاد، وكل ما يتعلق بالقتال والجنة والحور العين، ومُعاداة كل من لا ينهج عقيدتهم.

فكل ما مر من مشاهد عنيفة في حياة الأطفال الأيزيديين المجندين قسراً وتحت التهديد بالقتل لدى داعش، ينقشُ آثاره في نفوس الأطفال بشكلٍ عميق، ومن ضمنهم صاحب قصتنا الطفل سفيان هذه.
عزيزي القاريء الكريم لابد ومن باب الإنصاف القول بأن هول وحجم هذه المعاناة؛ التي كان يمكنها أن تُسقط جبلا كبيراً من شدتها وقسوتها في حال مشاهدتك لها كفلم سينمائي، فما بالك بشعور وأحاسيس مَن عاش هذه المأساة من الأطفال عن قرب، لدرجة أنه مهما كتبنا عنها، وعن تداعيات فترة تجنيد الأطفال من قبل داعش على مسيرة حياتهم حتى بعد النجاة ومستقبلهم، فلن نستطيع الوصول إطلاقاً الوصول إلى عمق شعور الأطفال ومعاناتهم مأساتهم.
لن يستطيع أي مُدون أن يصف بدقة معاناة الأطفال وما عايشوه وما يعيشونه حالياً، حتى وبعد تحررهم من قبضة داعش، وكيف ستسير حياتهم في المستقبل، كون الواقع المعاش أشد تعقيداً، وأكثر قسوة من كل النظريات والتحليلات.

وأمام شريط الذكريات حول الدّمار الهائل غير المسبوق، الذي يتردد أمام أعين الناجين من الأطفال في كل دقيقة، وصور القتلى والجثث المشوهة والأطراف المبتورة، صفارات الإنذار وصوت الدبابات، والمنازل المدمَّرة أمام كل هذا لك أن تتخيل حجم المشاكل النفسية التي تواجه البالغين فما بالك بالأطفال، من إكتئاب وإضطراب في النوم والخوف “الفوبيا”بجميع أنواعه، والإضطرابات النفسية، لا تتوقف بتوقّف صوت الطائرات ولا دويّ المدافع بل تترسخ فيهم أعواماً بعد ذلك.
ويلفت سفيان أثناء سرده لقصته الحزينة، إلى أنه تعرض هو مع بعض من أصدقائه في عام 2017م لهجوم صاروخي نفذته القوات العراقية قرب الحدود السورية، وتسببت ببتر قدمه اليمنى، مُضيفاً: أن داعش وبعد تحملي الآلام الفظيعة نتيجة إصابتي الجسيمة ولمدة ثلاثة أيام عصيبة، نقلني سراً إلى مستشفى مدينة الحسكة، ومن هناك تمكنت من الهرب بمساعدة قوات الحماية الشعبية الكردية السورية إلى اقليم كوردستان العراق، حيث أعيش الآن.
وكثيراً ما يتحدث سفيان عن موضوع إختطافه الفاجع، ويركز بقوة على مسألة بتر ساقه، التي سبّبت له إضافةً إلى العوق الجسدي الجسيم، إضطراباً نفسياً حاداً، وتركت في داخله جرحاً لن يبرئ منه أبداً، بل أحدثت أثراً بالغاً في شخصيته وسلوكه طوال عمره.
ان مسألة بتر ساق سفيان أصبحت بالنسبة له معضلةً متلازمة ودائمة، وأنها بلا شك سترهق حياته بما يؤثر بشكلٍ حاد على نموه النفسي والجسدي، وأن نتائجها بالتأكيد ستثقل عليه مسيرة حياته المستقبلية، التي أصبحت فعلياً غير طبيعية، كما وستزداد عدد المعوقات العملية التي ستحرمه من  التمتع بفترة الطفولة الأساسية.
أن العوق الجسدي في مجتمعاتنا الشرقية في ظلِّ ظاهرة عدم الإكتراث الحكومي ونقص الرعاية الصحية، يُزيد من التاثيرات السلبية الحياتية في نفس المعوق، وهذا يظهر جلياً في موضوع العمل وصعوبة حصول المعوق على عمل مناسب وحتى إستحالته، ناهيك عن نظرة المجتمع القاسية، التي تنظر إلى الإنسان المعوق بشكل دوني وغير إنساني.
ان العوق الحسدي بؤدي بالضرورة إلى تأصل وتعميق تأثير متلازمة الصدمة النفسية، التي من المحتمل أن تتطور إلى حالة إكتئاب قد تكون عنيفة وكذلك مشاكل سلوكية غير صحية أخرى.
وبعد أن تلقى سفيان، حاله حال بقية الأطفال المجندين سواء المسلمين منهم أو من أبناء دينه؛ الذين إختطفهم داعش، تدريبات عسكرية عنيفة ومكثفة؛ تمثلت في كيفية إستخدام الأسلحة، وصناعة العبوات الناسفة وتفخيخ السيارات، تشاط التجسس والإستخبارات على الناس وفي جبهات القتال، وأيضاً تنفيذ عمليات الإعدام بالرمي أو الذبح، وأخيراً زجهم في معارك حقيقية خاضها التنظيم الإرهابي ضد القوات العراقية والسورية بكافة تشكيلاتها، وضد كل من كان يخالف قواعد وشريعة داعش، فإن كل هذا سيبقى راسخاً في عقل الطفل سفيان إلى أمدٍ غير قصير، مما يزيد من حالة السلوك العنفي في تصرفاته.
وبحسب مصادر موثوقة؛ بأن التنظيم كان يعدم بإستمرار، العشرات من الأطفال، الذين كانوا يحاولون الهروب من معسكرات تدريب أشبال الخلافة، والمعاهد الشرعية للتنظيم في سورية والعراق، وبالرغم من كل ذلك كانت محاولات الإنقاذ والتحرير والهروب مستمرة، وأن الذكريات الأليمة عن عمليات الإعدام هذه، قد تزيد من أعراض الإكتئاب النفسي المصاحب للتوتر والعزلة لدى الأطفال الناجين من قبضة داعش، لاسيما وأنهم عانوا من أبشع أنواع التعذيب والعنف الحسّي والبدني من قبل داعش، الذي عمل على إجبارهم كي يتبعوا أفكاره المتشددة.
أن مباديء داعش وعقيدته المتمثلة بالكراهية، ولكل ما لا يتفق وفكره المتطرف، وعداءه اللامحدود لغير المسلمين، وتفضيله الموت على الحياة، والتي طبقها في واحدة من أكبر معارك خلافته المزعومة؛ إنعكست بشكلٍ واضح على الحالة النفسية للأطفال الأيزديين الأسرى لديه، ولذلك إنغرزت فيهم نزعة الكراهية، وترسخت لديهم الصفات العدوانية في التعامل مع الآخرين، ناهيك عن السلوك غير المتزن في تصرفاتهم من حيث الأكل، الشرب، المظهر الخارجي، وقدر غير قليل من الإضطراب في الإدراك والفهم والتعلُّم.
إستناداً إلى كل ما أدرجناه أعلاه، فإننا وأمام هكذا وضع صعب للغاية قد يرقى إلى معضلة، ولمعالجته نحتاج إلى الكثير من الجهود العملية لإعادة تأهيل هؤلاء الأطفال المجندين الأبرياء.

هذه الجهود يُفترض أن تتمثل في برنامج تأهيل نفسي وبدني وإجتماعي شامل، يهدف إلى إعادة الطفل الأيزيدي المجند إلى حالته الطبيعية، وتخليصه من السلوكيات السلبية، التي إكتسبها أثناء أسره وغسل دماغه في فترة أسره عند داعش.
إذاً ليس الطفل سفيان فحسب، وإنما جميع الأطفال الأيزيديين الناجين من معسكرات الموت عند داعش، والذين تعرضوا لصدمات عنيفة، وأضرار نفسية شديدة،هم بحاجة ماسة إلى إسعافات  نفسية أولية عاجلة، ودعم صحي وإجتماعي متخصص، في سبيل إعادة التوازن العقلي والسلوكي لديهم، وزرع روح السلام والمحبة والتسامح والتعايش في نفوسهم، من خلال إيجاد حلول عملية لإعادة الأطفال إلى ذويهم، وتوفير الحماية الصحية والتعليم لهم، وإعادة تأهيلهم للعمل والإندماج في مجتمعهم من جديد.

ملاحظة: بتاريخ 18 أبريل 2018 قام الناشط (نوري عيسى)، والساكن في مخيم شاريا للنازحين، بتوثق هذه القصة، وإرسال معلومات هذا الناجي  لي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*