ar

عيدان برير: المخاوف من الابادة والاضطهاد تنصهر في كتابات اليهود والإيزيديين

حاروه/ مازن لطيف

يرى الباحث في الشأن العراقي والكردي عيدان برير، إن هناك تشابها كبيرا للذاكرة اليهودية الجماعية التي توثق هي الأخرى حملات الإبادة والاضطهاد التي حلت باليهود في كل أنحاء العالم عبر التاريخ. كما تعكس الكتابة الأدبية الإيزيدية هذه الذاكرة الخاصة، وتلك المخاوف من اعتداء الشعوب المجاورة على الإيزيدية، حيث يذكر: إننا نجد في الكتابة الأدبية اليهودية، خاصة تلك التي كتبت بعد الهولوكوست (المحرقة النازية) نفس المخاوف ونفس التراوما من الجيران.

عيدان برير، حصل على شهادة الماجستير في تاريخ الشرق الأوسط من جامعة تل أبيب، عن اطرحته التي تحمل عنوان” هذه حكايتنا ـ سيرورة بناء الهوية الجماعية الإيزيدية لدى إيزيدية كردستان والمهجر”، وهو من المتخصصين بدراسة المجتمع الإيزيدي.

* ما سبب اهتمامك بالديانة الإيزيدية من بين كل الديانات؟

ـ في الحقيقة، ومع اهتمامي بالدين الإيزيدي ومعتقداته، دائما أقول أني لست باحثا بالديانة الإيزيدية بل بالمجتمع الإيزيدي.

في الماضي، عادة ما تركزت البحوث التي تناولت الإيزيدية، على الديانة والتقاليد الدينية ومراسيم العبادة. كشفت هذه البحوث بعض الحقائق عن تلك التقاليد، ولكنها لم تعلمنا شيئا عن المجتمع الإيزيدي، والمشاكل التي يعاني منها في الوضع الحالي، والعوامل التي تؤثر في تشكل هويته. كان هذا دافعا مركزيا لأبحث تلك الأبعاد المنبوذة في أطروحة الماجستير التي قدمتها في العام 2009، والتي كانت بمثابة بحث اجتماعي وتاريخي لهذه الديانة وهويتها، والتي كانت نتيجة لسلسلة من اللقاءات والحوارات والمقابلات مع النشطاء والناشطات الايزيدية في العراق والمهجر. يجدر التنويه إلى أنني كلما تعمقت في بحث هذه الأبعاد، زاد فهمي لمدى شحة الدراسات والمناقشات عن المجتمع الايزيدي ومأزق الهوية الذي يميزه، والظروف الخاصة به، كونه يتواجد في المناطق المتنازع عليها بين العرب والكرد، ثقافة وهوية، وبين حكومتي بغداد واربيل سياسيا واقتصاديا.

لذلك، وبالرغم من الاهتمام بخبايا الدين الإيزيدي والافتراءات والخرافات التي روجها بعض باحثي الدين والتاريخ على مر العقود، علينا، برأيي، التطرق إلى ما يسلط الضوء على القضايا التي تشغل المجتمع الإيزيدي في هذه المرحلة الحساسة.

* ماذا وجدت في الأدب الايزيدي؟ وهل هناك أوجه تشابه واختلاف بينه وبين الأدب العبري؟

ـ الكتابة في المجتمع الأيزيدي هي ظاهرة جديدة نسبيا، كونه مجتمعا شفهيا يحرص على نقل التراث شفويا من جيل إلى آخر، بما يسمى “ستران”، أي الأقوال والمزامير الدينية الشفهية. حل تغيير تام بذلك منذ عقود، ومع انتشار الكتابة الأدبية في الأوساط الإيزيدية المثقفة جراء فرض قانون التعليم الإجباري في العراق وزيادة عدد الملتحقين بالتعليم الجامعي. عشية الإبادة الجماعية في سنجار في أغسطس 2014، كانت هناك فئة لا بأس بها من كتّاب وكاتبات النثر والشعر الإيزيديين ممن قاموا بكتابة ونشر الأشعار والقصص القصيرة التي أرّخت، بشكل أدبي، المعاناة والمخاوف والتراوما الإيزيدية في أعقاب الكارثة، أو كما يسمونها بلفظهم، الفرمان الـ 74.

من الجدير ذكره أن كلمة “فرمان”، وجمعها “فرمانات”، تعني في القاموس الإيزيدي حملات الإبادة والأسلمة القسرية التي حلت بالمجتمع الإيزيدي عبر القرون، كما وثقتها الذاكرة الإيزيدية الجماعية. أجد بذلك تشابها كبيرا للذاكرة اليهودية الجماعية التي توثق هي الأخرى حملات الإبادة والاضطهاد التي حلت باليهود في كل أنحاء العالم عبر التاريخ. كما تعكس الكتابة الأدبية الإيزيدية هذه الذاكرة الخاصة وتلك المخاوف من اعتداء الشعوب المجاورة على الإيزيدية. نجد في الكتابة الأدبية اليهودية، خاصة تلك التي كتبت بعد الهولوكوست (المحرقة النازية) نفس المخاوف ونفس التراوما من الجيران.

الى جانب ذلك التشابه بين الكتابتين الإيزيدية واليهودية في ما يتعلق بالمخاوف من الجيران ومن الإضطهاد والإبادة، هناك وجه آخر من الكتابة الإيزيدية يشبه الكتابة الفلسطينية بعد النكبة، وهو العلاقة بين الإيزيدي والأرض، مسقط الرأس، الوطن والطبيعة. فكما وصف بعض الشعراء والأدباء الفلسطينيين أنفسهم بالمواصفات الطبيعية وبصمودهم في أرض فلسطين وأشجارها وأحجارها، نجد شعراء إيزيديين يصفون أنفسهم بـ “تين سنجار” أو “زيتون بعشيقة” كما يتشوقون إلى جبل سنجار وأحجاره ووديانه.

* هناك تعتيم عن الأدب العربي في الوطن العربي، إذ نلاحظ أن ترجمة الكتب العبرية الى اللغة العربية ضعيف جدا، برأيك ما سبب ذلك؟

ـ باعتقادي، الجواب لذلك يرجع للخلفية السياسية التي من غير الممكن فصلها عن العمل الأدبي في المرحلة الحالية، للأسف الشديد. كل عمل أدبي إسرائيلي صادر باللغة العبرية ينظَر إليه في العالم العربي كعمل سياسي أولا وأخيرا. المفارقة هي أن الوضع في البلدين اللذين عقدا إتفاقيّ سلام مع إسرائيل، أي مصر والأردن، أصعب وأكثر تعقيدا من باقي الدول العربية. طالما استمر الخوف السائد في الشارع العربي من التطبيع مع إسرائيل، والمصاحب بالانقطاع التام بين الثقافتين، العربية والعبرية والذي تشجعه وتحفزه بعض الأوساط العربية المثقفة ونقابات الكتّاب والصحافيين والمسرحيين، من الصعب تخيّل حل قريب لهذه المعضلة.

لحسن الحظ، نلحظ في السنوات الاخيرة تغيرا تدريجيا بطيئا في بلدان مثل العراق، التي تتم فيه ترجمة الأعمال الأدبية اليهودية في نطاقات أدبية وثقافية محضة، وليس من دافع “إعرف عدوك”، كما يحدث في مصر، على سبيل المثال. كما نرى فضولا كبيرا وقبولا شعبيا واسعا في هذه البلدان، ما يعطيني بصيص أمل لإزالة الجدران الثقافية القابعة بيننا في المستقبل، وللتخفيف من المخاوف والشكوك المتبادلة.

* ما هي المكانة التي يحتلها أدب يهود العراق ـ رواية وقصة وشعر ـ في الأدب العبري؟

ـ يمكن تصنيف الأدباء اليهود من أصول عراقية الذين كانوا ناشطين أدبيا في العقود الماضية في إسرائيل إلى ثلاث فئات:

  1. اليهود العراقيين الذين بدأوا مسارهم الأدبي في العراق بالكتابة باللغة العربية، وأصروا على الاستمرار بالكتابة بالعربية حتى بعد هجرتهم إلى إسرائيل، مثل سمير نقاش، شالوم درويش، أنور شاؤول وإبراهيم عوباديا ويعقوب بلبول وغيرهم.
  2.  مجموعة من الكتّاب المولودين في العراق والذين هاجروا إلى إسرائيل في جيل متأخر نسبيا، مثل سامي ميخائيل، إيلي عامير، شمعون بلاس، شلومه زمير ويوآف حايك وغيرهم، الذين بدأوا مسيرة كتابتهم باللغة العربية ولكن سرعان ما غيروا لغة كتابتهم إلى العبرية وأصبحوا من أهم أعلام المشهد الأدبي العبري.
  3. مجموعة من الأدباء ذوي جذور عراقية، والذين ولدوا و/ أو ترعرعوا في إسرائيل ولغتهم الأم هي العبرية، مثل روني سوميك، أميرة هس، ألموج بيهار، وبات – شيباع دوري وغيرهم.

تعتبر الفئتان الثانية والثالثة جزءا لا يتجزأ من عالم الأدب والمشهد الأدبي الإسرائيلي، وتركوا أثرهم عليها كعراقيين وكإسرائيليين. بينما كانت الفئة الأولى، وكما وصفها البروف ساسون سوميخ، “أدباء بِلا جمهور”، كونهم كتبوا بلغة لا يتقنها إلا عدد قليل من الإسرائيليين ولا يقرأها أحد في العالم العربي بسبب انعزال إسرائيل عن محيطها العربي. ولذلك، لم يكن لهم تأثير ملحوظ على المشهد الأدبي العبري ولا على المشهد الأدبي العربي.

* أي عمل تتمنى ترجمته الى اللغة العبرية.. ولماذا؟

ـ يسعدني أننا نشهد في السنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا لنشر الأدب العربي عامة والأدب العراقي خاصة في إسرائيل مثل الروايات فرنكنشتاين في بغداد (أحمد سعداوي) والحكاية السادسة (طه أحمد الشبيب) والمجموعات الشعرية لسركون بولص، وفاضل العزاوي وأنطولوجيا للشعر الإيزيدي. أنا مهتم ومواكب للأدب العراقي بشكل خاص، وأريد أن أرى المزيد منه: من الشعر، والقصة والرواية. وأبذل جهودا حثيثة لإيجاد دور نشر تهتم بنشر الأدب العراقي.

اعمل حاليا على ترجمة رواية الأستاذ فاضل العزاوي “آخر الملائكة”. واحدة من الروايات الرائعة التي رغبت في ترجمتها بشدة لأهميتها الأدبية. بالإضافة إلى روايات وأعمال أدبية إضافية جديرة بالترجمة مثل اعجام وفهرس لسنان انطون، بوح الصعاليك لادهم عادل، أحببت حمارا لرغد السهيل، مارلبورو بغداد لنجم والي، فاليوم 10 لخضير فليح الزايدي، والقلعة الخامسة لفاضل العزاوي. وكلها كتب ذات قيمة أدبية مهمة ودلالات اجتماعية وسياسية عن العراق في أيامنا هذه.

* ماهي علاقاتك بالوسط الأدبي العربي؟

ـ كل عملية ترجمة تبدأ بعلاقة إنسانية. لدي علاقات طيبة وقريبة مع أدباء وأديبات عرب كثر، وخاصة العراقيين منهم، والذين أمتنع عن ذكر أسمائهم لأسباب معروفة. غالبية مشاريع الترجمة التي قمت بها حتى الآن كانت نتاجا لعلاقة صداقة بيني وبين الكاتب/ة، مما سهّل عليّ استشارتهم في أمور متعلقة بالترجمة، ما جعل الترجمة نفسها أفضل وأكثر دقة وسلاسة.

* هل تتوقع في المستقبل القريب ان يتقبل القارىء العربي النتاجات والأدب الإسرائيلي؟

ـ نحن في خضم مرحلة انتقالية، بما يتعلق بالتوجه الفكري تجاه إسرائيل في مناطق معينة في العالم العربي. كما نوهت سابقا، قد بدأنا نرى أعمالا عربية مترجمة إلى العبرية في السنوات الأخيرة مما يشير إلى تقبل ثقافي لإسرائيل؛ ولو انه في مراحله المبكرة. اعتقد ان هذا من شأنه أن ينبئنا بذلك أن أعمالا إسرائيلية مترجمة للعربية هي شيء وارد، وانه مجرد مسألة وقت لا غير.

لتطوير وتقديم هذه المسألة؛ هناك حاجة لمساعي سياسية ضخمة وكبيرة من قبل كلا الطرفين: العربي والإسرائيلي، بغية حل المأزق السياسي الحالي وتوفير الظروف الملائمة للاقتراب بين الثقافات على شتى أشكالها. ديمومة الصراع العربي الإسرائيلي لا تكفل الا بديمومة البعد والفصل بين الثقافات على أشكالها؛ بما في ذلك النتاجات الادبية. بقدر ما أؤمن بأن الأدب هو جزء مهم من الحل للمشاكل السياسية، الا ان لا مفر من حل هذه المشاكل على مستوى سياسي بين الدول من أجل خلق واقع جديد، يستفيد منه الأدب والأدباء، وقراءه في العالم العربي وفي إسرائيل على حد سواء.

تعليق واحد

  1. القاسم المشترك بين اليهود والئيزديين هو الإضطهاد ، لكن الفرق كبير جداً , أعني في فترة المحاق ( 637 ـ 1260) ميلادية في هذه الفترة عاش اليهود والمسيحيون في الشرق الأوسط في حرية مشروطة, الأديرة والكنائس موجودة يُكتب فيها ما يشاء عن التاريخ والدين والأحداث ومصونة نوعما ، لكن لا يوجد ئيزدي ولا داسني ولا أي إسم يُشير إلى وجود قوم ليسوا مسلمين أو أهل ذمة , ولذلك لم يتمكنوا من كتابة أي شيء لقد حاولوا الكتابة عدة مرات , كلها فقدت ومصحف رش سلمت منه وريقات بفضل قس حفظه في الدير وقد سلم لالش لأنه أُشيع بأنه دير وهكذا الحديث طويل ، بدأت النهضة الثقافية بعد الحكم الملكي العراقي بالدستور البريطاني المشكور مُباشرةً ، لكن الخوف المُتأصّل في نفوس الئيزديين أخّر نهضتهم إلى النصف الثاني من القرن الماضي ومع ذلك فقد نهضوا بما فيه الكفاية . الآفة التي إلتهمت ديننا وتاريخنا هي وسائل اللهو الحديثة مثل المسجل والتلفزيون فقد قضت على مجالس السمر القناة التي من خلالها حافظنا على تراثنا الديني والتاريخي فقد تقلصت تلك المجالس كثيراً قبل سيطرة الكتبة على الوضع , هنا أنبه كتبتنا إلى تقصي القصص والحكايات والأقوال قبل أن تنقرض وشكراً

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*