ar

جان كورد :  عفرين بحاجة ماسة لأهلها

 المؤامرة على الشعب الكوردي كبيرة، امتدت من كركوك الصامدة مروراً بشنغال الأبية في جنوب كوردستان إلى كوباني الباسلة وعفرين المقاتلة في غربها، وهي مؤامرة قديمة قدم الاستعمار والاستبداد من تقطيع مستمر لجسد الأمة الواحدة باستخدام المعاهدات والاتفاقات الدولية والاقليمية ومنها سايكس  بيكو وسلخٍ لأجزاء من أرضها كما جرى لأراضي كوردستان الحمراء بين آذربيجان وأرمينيا وتهجير واسع النطاق للكورد إلى أماكن بعيدة عن وطنهم، كما جرى في ظل دكتاتورية جوزيف ستالين، حيث تم تهجير الكورد إلى دول بعيدة مثل طاجكستان وكازاخستان وسواهما، وتهجير الكورد من قبل العثمانيين والعلمانيين الأتراك إلى غرب تركيا ومن قبل الصفويين إلى شمال شرق إيران (خراسان)، وإطلاق مصطلحات واهيةٍ تدميرية مثل تشكيل الكانتونات وتقسيم غرب كوردستان إلى شرق وغرب الفرات، وما إلى ذلك من مشاريع دنيئة هدفها القضاء على روح المقاومة لدى هذه الأمة المظلومة بالتشارك بين المحتلين الغاصبين في القضاء عليها وشن الحرب باستمرار ضدها وإرغام أبنائها وبناتها على الهجرة في ظروفٍ قاسيةٍ لا إنسانية إلى بلدان بعيدة، حتى إلى أفريقيا التي معاناتها كمعاناة كوردستان.                                                            

لقد تعرّض الكورد في المائة عام الأخيرة إلى شتى صنوف الإكراه والقسر والظلم في أرضهم التي عمروها عبر العصور وذادوا عنها بدمائهم، ولم تتوقف المؤامرات عليهم أبداً، وذلك لأن كوردستان بلدٌ ثري للغاية بالثروات الباطنية والزراعية والحيوانية، وشعبها ليس بشعبٍ خامل كسول وإنما يكد ويكدح ويجيد الانتاج، وعيون الأقوام المجاورة له تحدّق به وبما ينتجه لتسلبه في وضح النهار وتحت قوة السلاح، وقصة نهب البترول الكوردي طويلة وأليمة حقاً، فالتعريب الذي جرى في مناطق كركوك كان بهدف الاستيلاء على الأرض التي تنتج النفط، ومشروع “الحزام العربي” في الجزيرة في أقصى شمال شرق سوريا كان بهدف اسكان العرب في مستعمراتٍ مجهزة بأسباب الحياة ومدعومة من كل النواحي ومسلحة بهدف إخلاء مناطق واسعة من سكانها الكورد، وعلى الأخص حيث يوجد النفط. ولقد استعان المحتلون، بعضهم ببعض، من أجل تنفيذ مشاريعهم العدوانية ضد الشعب الكوردي، بل استعانوا مؤخراً بالإرهابيين وتنظيماتهم المختلفة، من سنيةٍ وشيعية وعلمانية دموية، في كلٍ من كركوك وشنغال وكوباني وعفرين، وذرائعهم كثيرة مختلفة، منها أن الكوردي “كافر!” والكوردي “متعاون مع اسرائيل!” والكوردي “إنفصالي!” والكوردي “متمرّد على ثقافتنا!” أو أن الكوردي “خارج على أمر ولي الفقيه!”،  وفي إطلاق هذه التهم الخلبية يتشارك الشيوعيون مع البعثيين مع القرضاويين والعرعورين والتابعين للإمام “المعصوم!”، وكأنه لا حق للكوردي في أن يمتلك ثقافةً أو لغةً خاصةً به ولا حق له في أن يكون سيّد أرضه وماله وحياته وأن تكون له وجهة خاصةٌ به في اختيار العقائد التي يجدها أقرب إلى فهمه وإدراكه. إلاّ أن كل هذه الذرائع الباطلة، ومنها المدعومة فقهياً وتشريعياً وكذباً على الله وعلى الدين الحنيف الرافض للظلم والعدوان، لها هدفٌ واحد هو التغطية على المشروع التقسيمي الاغتصابي الامتصاصي لثروات الأرض الكوردستانية. واتضح هذا تماماً، بإصدار أكثر من 20 “شيخاً” عربياً سنياً فتوى دينية مشتركة تم التوقيع عليها تسمح للغزاة في أرض عفرين بسلب الناس أراضيهم وممتلكاتهم ومواشيهم ومزارعهم، وكأن “الجيش السوري الحر” يقوم بالغزو في بلاد المشركين وليس في “عفرين” الكوردية التي غالبية سكانها من أتباع السنة. ولقد طبّق الغزاة الفتوى على الأرض حرفياً، حيث نجمت عن اقتحام الارهابيين لقرى جبل الأكراد ولمدينة عفرين ما يندى له جبين العرب ومن ساعدهم من التركمان إلى الأبد. فقد مارس الإرهابيون المدعومون من “المعارضة السورية” وفي ظل الاحتلال العسكري التركي كل ما يمكن تسميته بالعدوان الوحشي الهمجي الذي لم تتعرض له المنطقة سوى في عصر الحروب الصليبية ولدى هجوم السلاجقة وما يسمى ب”الفتح العربي” الذي اتسم بالسلب والنهب والسبي والتهجير. ولم تنجو قرية واحدة، بل عائلة واحدة، من عمليات السطو والإذلال وسلب الأموال وفرض الأتاوات والفدية، بل ومن انتزاع المساكن والمزارع وقطع أشجار الزيتون التي تشكّل مصدر الرزق الأوّل لمواطني المنطقة. حتى شرعوا يقولون بأن “شبيحة الأسد وعصابات حزب الله أرحم من هؤلاء الذين يزعمون أنهم جاؤوا لتحرير الشعب السوري من الظلم والاضطهاد. وقد يستغرب المرء أن إجرام هؤلاء الإرهابيين تجاه الكورد لايقلّ وحشيةً عن إجرام العساكر في اقليم الروهينغا في دولة ميانمار التي حصلت رئيستها من قبل على جائزة نوبل للسلام وبسبب كفاحها من أجل الحرية وحقوق الإنسان… نعم إن عفرين لا تقل مأساةً عن روهينغا في المعاناة تحت الجور والإجرام، وفي ظل الاحتلال التركي لدولة السيد أردوغان الذي يطمح أن يصبح خليفةً أو سلطاناً لكل المسلمين السنة في العالم ويدعمه الإخوان المسلمون بشكلٍ عام وفي صفوف المعارضة السورية بشكلٍ خاص، ولا يهمهم ما يفعله الإرهابيون بحق الشعب الكوردي في عفرين.                     

ما جرى من تقتيلٍ وتهجيرٍ في منطقة عفرين ويجري حتى الآن من سعيٍ حثيث لتغيير البنية الديموغرافية لمنطقة جبل الأكراد ونهبٍ مستمرٍ لثروات الشعب الكوردي كان يجدر أن يلقى اهتماماً دولياً واستنكاراً عالمياً وأن يدفع بالمنظمات المهتمة بشؤون حقوق الانسان إلى مساعدة شعبنا في محنته الخطيرة هذه، إلاّ أن المجتمع الدولي لم يقم بواجبه بصدد معاملة الإرهابيين للكورد الذين ضحوا بالكثير من شبابهم في سوريا والعراق لدحر خطر الإرهاب واعترف رؤساء وزعماء العالم بالدور الهام لهم في ذلك. كما أن المعارضة السورية لم تقم بأي شيءٍ يمكن تخفيف المعاناة العفرينية به، بل وقفت مع الإرهابيين بكل وضوح، والتهمة الصارخة هي أن “حزب الاتحاد الديموقراطي تعاون مع نظام الأسد” وهذا يعني لديهها أن “ كل الشعب الكوردي المكافح من أجل الحرية وحقوق الإنسان متعاونٌ مع النظام”، وغداً سيجدون لهم ذرائع أخرى وهم في تنسيقٍ مع المحتل لأرضي “سورية!”.                                                                    

النظام الحاكم في سوريا أضعف من أن يفعل شيئاً إيجابياً لمنطقة عفرين، وبعض الناشطين يتهمونه بالسكوت عن الاحتلال التركي للمنطقة، والحركة الكوردية السورية، بل الكوردستانية أيضاً، لم تقدّم شيئاً ملموساً لشعبنا في جبل الكورد هذا، ويبدو أن كلاً من المجلس الوطني الكوردي في سوريا وحزب الاتحاد الديموقراطي الذي يسعى لتحرير مدن العرب من الإرهاب عوضاً عن عفريننا غير قادرين على رفع الحيف عن كاهل شعبنا لأسبابٍ عديدة، لذا لم يبق لهؤلاء المواطنين سوى الاعتماد على أنفسهم والتعاون والتنسيق فيما بينهم، وهذا يمكن القيام به، أولاً في المهاجر حيث تنتشر جالياتٌ كوردية كبيرة وكثيرة حقاً، وبخاصة في دول الاتحاد الأوربي، وقد لاحظنا قيام مجالس وجمعيات ونشاطات مختلفة في أوروبا منذ بدء الاحتلال التركي، وقيام المهاجرين الكورداغيين بمساعدة أهلهم قدر المستطاع، وهذا يعني أن أهل المنطقة قادرون على تفعيل قدراتهم وقواهم في الاتجاه الصحيح، ولكن لابد من عمل منظّم وهيكيلية فعالة تقوم بتجميع مختلف الطاقات السياسية-الدبلوماسية والثقافية-الاجتماعية وجهود المساعدة الانسانية  الطبية، وببناء الجسور مع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية في شتى الدول. وهذا يجب أن يشغلنا الآن جميعاً، والمثل الكوردي الشهير نصب أعيننا: “إذا وقع الحمار فليس هناك أقدر على حمل اثقاله من صاحبه.”                                          

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*