حكاية كاروان.. وجبل مقلوب.. واختلال قواعد الاشتباك : كريم كطافة

اسمه خديدة حسن جعفو (كاروان). اغتيل بعملية منسقة في قرية (ميزا) صيف 1987. ولا أدري إن كان قد تجاوز عمر الـ18 الذي كان شرطنا لقبول الملتحقين، أم لا؟ التحق ثأراً لاستشهاد أخيه الأكبر (ابو ماريا)، الذي استشهد مع ثمانية من الأنصار أثر قتال غير متكافئ بين مجموعة من الأنصار ببنادق الكلاشنكوف مع طائرات سمتية مدرعة حامت فوق رؤوسهم. ولم يمض سوى وقت قصير على التحاقه، طردوا أمه العجوز وأخيه الصغير (مروان)من قريتهم (مجمع مهت) مهجرين إلى معاقلنا الجبلية، لتكون عبئاً عليه، قبل أن ينجح بإيجاد مأوى لها في كوخ من أكواخ قرية (ميزا).

أما الحكاية، فلم تكن سوى حصيلة لما يمكن وصفه بجهلي شخصياً بما يسمى (قواعد الاشتباك). ما يجعلني مسؤولاً مسؤولية غير مباشرة عن اغتيال (خديدة). رغم أننا جميعاً في تلك الظروف كان ممكن أن نقتل بطرق مختلفة. لكنها قواعد الاشتباك التي لم أكن في ذلك الحين قد فهمتها كفاية. كان بيننا وبين أجهزة السلطة الاستخبارية والعسكرية ما يشبه اتفاقاً غير معلن. كل ما هو خلف السلسلة الجبلية الصخرية التي اطلقنا عليها اسم أحد كهوفها (حمبس) من قرى وأراض هي لنا، أطلقنا عليها (أراض محررة). لا تدخلها السلطة إلا عبر وكلاء يجري تجنيدهم من بين القرويين، بعضهم نستدل عليه وبعضهم يظل متخفياً. وكل ما هو أمام السلسلة الصخرية مما يُعرف بـ(سهل الموصل) إلى حدود الموصل نفسها وجبل مقلوب، في النهار هي لهم وفي الليل نستطيع دخولها إنما بنية الانسحاب منها سريعاًأو التخفي في كهوف السهل المتموج. وهذه كانت منطقة عمل السرية التي اقودها التي نُسب إليها كاروان.

وحصل في أحد الأيام أن اقترح عليَّ كاروان؛ أن بإمكاننا الوصول إلى (جبل مقلوب)، والبحث هناك عن إمكانيات بناء قاعدة. كان المقترح مفاجئاً لي. لم يسبق لقيادة الفوج الذي تتبعه سريتي أن فكرت به. هذا الجبل من جهة بعشيقة وبحزاني، القريتان الكبيرتان اللتان لنا فيهما ركائز قوية، سيقربنا من الموصل أفضل بكثير من المشي الليل بطوله لحين بلوغ حدود المدينة وفي طرق مرصودة… ومن الجهة الأخرى يجعلنا نتكامل مع عمل سرايا أربيل. اقتنعت بالفكرة وقررت عدم إعلام قيادة الفوج لحين نجاح المحاولة.

قررت إشراك (كفاح كنجي)، كونه أصلاً من تلك المنطقة. أعددنا الخطة المناسبة واخترنا المكان الذي ننطلق منه إلى جبل مقلوب من نهايات سفوح منطقة (خَنَس). ليكون سيرنا بخط مستقيم تقريباً، لاختصار الوقت. انطلقنا قبيل الغروب بدلالة (كاروان) وهو ابن هذا السهل الفسيح، قاصدين جبل مقلوب. تجاوزنا عدداًمن القرى العربية بالالتفاف حولها. سكان هذه القرى فلاحون ورعاة، جرى جلبهم من مناطق الجزيرة وأسكنوهم هذه القرى بعد تهجير أصحابها الأصليين من الأيزيديين والكوجر. وهي قرىمسلحة موضوعة لخدمة النظام. وصلنا جبل مقلوب فجر اليوم التالي بعد رحلة مضنية من السير خلال أراض زراعية محروثة. ولم يكن المكان الذي توجهنا له، سوى (مزار) أيزيدي منفرد في مساحة مقطوعة من الجبل. أعلمني (خديدة) قبل هذا؛ أن خادم المزار هو خاله وهو مستعد لاستضافتنا. لكن، لم أنس بعد الرعب الذي تسببنا به للخال وعائلته في ذلك الفجر. رغم ذاك تصرف معنا الرجل بكرم واضح. أوجد لنا مخبئاً سرياً من أبنية المزار واعدت لنا زوجته على عجل أدسم وألذ وجبة بعد ذلك التعب والجوع. وبعد  أن اطمأن أننا أكلنا وشبعنا، قال متوسلاً:

ـ أرجوكم عودوا من حيث أتيتم. سأحميكم هذا النهار فقط. أرحموا عائلتي. أما السلطة فأعرف أنها لا ترحم. سيداهمون المزار ويحولونه إلى أنقاض فوق رؤوسنا.

ملامح الرجل المرعوب وهو يتضرع لنا مع رعب الزوجة والبنات، أنستني الهدف الذي جئنا من أجله. لم أكن أتوقع ذلك الموقف. وحتى أن حماس واندفاع ابن الرجل الذي كان بعمر كاروانوالذي لم يكتف بفرحه بوجودنا بل صار يقترح علينا أفكاراً أكثر تطرفاً، لم يخفف عني الإحباط الذي استشعرته. وجدت أن تفاؤل خديدة وكفاح كنجي وحماسهما كان مبالغاً به. وما اندفاعي خلفهما دون استشارة قيادة الفوج الذي أتبعه خطأ لن يغتفر. وجدت أننا ببساطة سنجازف بحياة هذا الرجل المرعوب وعائلته، ناهيك عن قدسية المكان ومكانته لدى الأيزديين. طمأنت الرجل ووعدته بانسحابنا عند الغروب. وهذا ما حصل. تطوع الإبنالشاب بنقلنا بالتراكتور الزراعي ليعفينا من قطع مرحلة مهمة من الطريق مشياً في أراض محروثة. مررنا بعدد من القرى (العربية) بعضها التففنا حولها وبعضها من المنتصف. كنا نشاهدالمسلحين في أماكن حراستهم. ولأن صاحب المزار شخصية معروفة لدى هؤلاء أيضاً، فكانوا بمجرد معرفة أن التراكتور بقيادة ابنه يسمحوا لنا بالمرور دون إيقافنا والتثبت من حمولة التراكتور. جلس كاروان مع ابن خاله في المقدمة وأنا وكفاح كنا حمولة عربة التراكتور مموهين ببعض الأشياء. حتى وصلنا قرية كبيرة نسبياً وكان الوقت منتصف الليل. أوقفونا هؤلاء وكانوا كما لو أنهم في حالة استنفار على جانبي الطريق، كما لو أن خبرنا قد وصلهم. لن أتحدث عن ما حصل في هذه القرية، لقد كتب عنه قبلي (كفاح كونجي) ثالثنا في ذلك التراكتور. من يريد يستطيع قراءته على الرابط الذي سأضعه في أول تعليق.

أعود إلى قواعد الاشتباك. في اليوم التالي وصل الخبر إلى أجهزة السلطة الأمنية. ولعل خادم المزار ذهب بنفسه وأخبرهم، جزء من واجبه أمامهم. وفي كل الحالات، مثلما لنا عيون بينهم كانت لهم عيون أكثر بيننا. يعرفون الكثير عن مفارزنا ووسائلنا وإمكانياتنا وحتى أصول مقاتلينا.  ما دفعهم للتنبه إلى هذا الخرق من جانبنا. اننا اخترقنا قاعدة اشتباك متوافق عليها ضمنياً. لو نجحنا في هذا سنمد منطقة عملياتنا إلى ما بعد الموصل ونتكامل مع منطقة عمليات مفارز أربيل. وافترض أنهم وضعوا شخصياتنا نحن الثلاثة تحت مجهر الدراسة. وخلصوا حسب المعطيات التي عندهم؛ أن أخطر الثلاثة المخترقين هو (خديدة). هو ابن السهل وله في جبل مقلوب امتداد (أقارب). أما الاثنان الآخران فأحدهم عربي غريب عن المنطقة والثاني ابن بحزاني لم يعرف عنه دليل مفارز. لو قتلنا خديدة سنسد هذه الثغرة من أولها. وهذا الذي حصل. أعدوا له خطة منسقة، جندوا لها عيون وقاتل مأجور وما أكثرهم في تلك السنين. انتظروا زيارته إلى أمه في قرية ميزا . وعند المساء نزل هو إلى النهر القريب لجلب الماء إلى أمه العجوز. وهناك تمكن منه القاتل المأجور. لم يستشهد مباشرة. لكن لم يلحق عليه طبيب الفوج الذي كان يفتقر للمستلزمات الضرورية في عمله. استشهد عند الظهيرة. لاحقاً كتب لي دكتور جهاد (عزيز الشيباني) الذي حاول إنقاذه: لن أنسى موقف أم الشهيد، كنت أريد مواساتها وحائر ماذا أقول لها، قالت: دكتور أبوه استشهد وكان شيوعي وأخوه استشهد وهو شيوعي وهو الآن استشهد. ظل عندي الصغير مروان.. قسماً عليَّ بمجرد أن يبلغ  مروان الثامنة عشر سأرسله ليحل محله.

لقراءة الحلقة السابقة عن الشهيد كاروان ، انقر على الرابط ادناه

https://www.bahzani.net/?p=7612

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*