محطات من أنفال به هدينان – المحطة الخامسة : ناظم ختاري

 

الصورة جزء من عائلة النصير توفيق المغيبة في هذه العمليات

 

بمناسبة حلول الذكرى الثالثة والثلاثون لجريمة العصر( المرحلة الأخيرة من الأنفال ) التي ارتكبها النظام الدكتاتوري البائد في به هدينان ومحاصرة قواته لعدد كبير من الأهالي والأنصار والبيشمه ركه في جبل كارة Gara) ) وأسرعدد من أنصارنا والعديد من عوائل رفاقنا أثر عفو عام أصدره النظام والتي لازالت مجهولة المصير وذلك في آب 1988، أعيد نشر الحلقات التي كتبتها أثناء محاكمة الدكتاتور صدام وأعضاء قيادة نظامه حول الوضع العسكري السائد أنذاك وتقدم الجيش العراقي والمرتزقة الجحوش إلى مناطق به هدينان في كوردستان والحصار والتصدي له من قبل الأنصار ورحلة عدد منهم إلى سوريا عبر سنجار وسط مخاطر كثيرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

كانت أشجار الجوز المنتشرة بكثافة في وادي مرانى تضفي جمالا أخاذا عليه حيث اتخذنا منه مقرا لنا في ظل وضع عسكري بدأت ملامحه تميل لصالح القوى المنخرطة في الكفاح المسلح ضد النظام الدكتاتوري ، اعتبرها البعض مجازفة غير محسوبة في منطقة متقدمة من عمق الأراضي التي عملت عليها قواتنا وقوات بقية الأحزاب وخاضت تجربة كفاح مسلح فريدة ضد أعتى نظام دكتاتوري إلى جانب رفاقهم في بقية مناطق كوردستان . إذ كان  وادي مرانى عامرا قبل سنوات طويلة من ذلك الوقت ولكن أهل القرية هجروها وأنتقلوا إلى القرى القريبة وقسم منهم إلى مدينة دهوك لأسباب من بينها نضوب ينابيعها في سنوات الجفاف وقلة سقوط الأمطار والثلوج .

كان الوادي يظهر من القمم التي تخترقها ممرات الوصول إليه وكأنه لوحة فنية بريشة فنان قدير، إذ كانت الطبيعة الساحرة من أشجار الجوز والمساحات الخضراء التي تتخللها والنهر الذي يخترق وسط الوادي والذي يتدفق مياهه من عدة ينابيع تقع على مساحة  صغيرة تتفجر بين هذه الأشجار وبين الصخور التي تنتشر حول طرفي الوادي كانت والتي كانت تؤمن للأنصار أمنهم الغذائي إلى جانب ثمار الجوز وما  كانت تنتجه تلك المساحات القابلة للزراعة من محاصيل لأنواع كثيرة من الخضراوات ، هي التي تميز الوادي أو القرية التي أصبحت بانتقالنا إليها مقرا مشهورا للانصار الشيوعيين بعد بحث استغرق وقتا متأنيا قبل اختيارها بشكل نهائي وبناءها من جديد كقاعدة أنصارية .

في ذلك الصباح الباكر ، وبعد مسيرة شاقة وطويلة ، وتحت وطأة الإرهاق الذي اصاب الجميع والحاجة إلى النوم والراحة علاوة على قلق بالغ كان يثقل كاهلنا وحيرة عن كل أمر تشغل بالنا ، لا نعرف كيف نتصرف حيالها بشكل دقيق أو نتعامل مع تفاصيلها المقلقة ، وعلى وقع دوي المدافع والانفجارات التي كانت تلاحقنا ، وطأت أقدامنا الثقيلة ثنايا أطراف مرانى من جهة ( آفوكى * Aavoke ) كان ذلك صباحا مثقلا بجو داكن يميل إلى الصفارالباهت تخترقه خيوط الضياء التي تتقدم طلوع الشمس ، ونسيم هواء يحمل معه عبق أشجار الجوز القادم من عمق الوادي الذي تكثر فيه الزهور والنباتات بأنواعها المختلفة ، وخريرالمياه المتدفقة من ينابيع مرانى والتي يتلاطم جريانها الزلال في طريق بين صخور ذلك الوادي وتعرجاته كان يخترق اسماعنا كبكاء مر ، وأصوات الطيور القادمة من أعالي تلك الأشجار التي ترتفع إلى السماء والقمم التي تحيط بالوادي كانت يثقلها مساحة من الحزن وهي مختلطة بأصوات ودوي الانفجارات التي أصبحت تهز المنطقة ، فعكرت من أمزجتنا وخلقت في نفوسنا شعورا لم ينتابنا قبل هذا الوقت ، رغم أن السنوات الطويلة التي قضيناها فيه والتي انطوت على الكثير من الدخول والخروج منه وفي كل الأوقات ، في ساعات الليل والنهار وذلك لتنفيذ مهامنا الانصارية والحزبية ، فلم نشعر بمثل ما شعرنا به في ذلك الصباح قط ،  فقد كان المقر هذه المرة فارغا ، إذ لا حراسه يستقبلوننا بعناقهم وقبلاتهم ولهفتهم التي لا حدود لها ، ولا أحدا تقدم إلى تلك الممرات للكشف عن القادمين إلى المقر كما في كل مرة ، سواء كانوا من الأنصار أوالبيشمه ركه أوالأهالي ، ولم نسمع  ضجيج الأنصار الذين كانوا ينتشرون حول تلك المغاسل التي صنعتها أياديهم بأدوات بدائية وذلك للاغتسال الصباحي بماء مرانى الذي يصل درجة حرارته قريبا إلى الانجماد ، أو حول المطبخ لاستلام حصصهم من شوربة العدس أو كأس حليب مع بضعة حبات من الجوز وكذلك كأس شاي تخمر فوق جمر حطب البلوط وربما بيضة مسلوقة حيث كانت ضمن حصص الوجبات الصباحية في بعض أيام الشهر من أيدي أنصار يؤدون دورهم في الخدمة الرفاقية الذين خلا هذا الصباح من نداءاتهم ، حيث كانوا يحثون الأنصار للفطور في هذا الوقت من الصباح ، إنه كان وقت النهوض ووقت تناول الفطور الأنصاري ، ولم يكن هناك الحرس الأخير هذه المرة لكي يحث الأنصارعلى النهوض ، فكل هذه الحياة الأنصارية التي تشكلت بكل قوانينها الخاصة هناك في مرانى قد غادرته وضيقت من صدورنا كثيرا وتركت فيها ألم وحسرة لا يطاقان .

فقد كانت هذه أجمل تلك الصباحات على الدوام فالحركة والنشاط كانتا تدبان في هذا الوادي في هذا الوقت المبكر من النهار وزقزقة العصافير والبلابل وتغاريدها تملأ صدرونا وصباحاتنا بهجة وسرورا وقبقبة الحجل ( القبج ) على قمم مرانى كانت تشق سكون المكان وتعلن قدوم النهار وكأن كل ذلك كان سمفونية الحياة الأبدية منذ أن بدأنا بإنشاء طقوسها الجديدة فيه .

خطواتنا الثقيلة تقترب من أبنية المقر ولازال الصمت مخيما عليه ، يا الهي ماذا يحصل .. أين ذهبت مجاميع الرفاق .. أين هي العوائل التي تقع بيوتها في مدخل المقر من جهة دخولنا .. نقاط الحراسة فارغة .. أين حراس المقر.. هل داهمته قوات الجيش والجحوش المتقدمة  ، ولكن ماذا عن تلك القوات … أين هي ..؟؟ أسئلة كثيرة كانت تطرق رؤوسنا بعنف .. ولكن لحظات معينة حسمت الأمر وقلنا ها أن الجميع قد تعرض إلى الإصابة بالسلاح الكيمياوي ، عندما أصبحنا في المسافة التي بين المطبخ وبين مزرعة أبو خدر الـ (ملاجبري* Mella japari ) ، عندها شعرنا بذعر شديد ، هرعنا اثر ذلك صعودا مسرعين مرتبكين على وقع صرخات الرفاق الذين كانوا في طليعة المجموعة “أصعدوا إلى الدوشكة رفاق .. ” كيمياوي ” نعم إنها اسلحة كيمياوية .. ضربوا رفاقنا بالاسلحة الكيمياوية .. قصفوا المقر بالخردل .. رفاق اسرعوا واتجهوا صعودا .. أغلقوا أفواهكم .. لا تستنشقوا هواءا .. ضعوا عليها قطعة قماش مبللة .. أصابنا ارتباك شديد في هذه اللحظات الحرجة .. لا نعرف كيف نتصرف إزاء شكوك باستخدام الأسلحة الكيمياوية.. لم تتوقف الأصوات التي تدعو الجميع للصعود إلى الدوشكة ، والدوشكة هي سلاح من ضمن مضاداتنا الجوية وأصبح موقعها أيضا يسمى بـ ( الدوشكه) وهي تتواجد في قمة قريبة في مواجهة المقر والتي تسيطر بعلوها على كافة أرجاء المنطقة ، هذا الموقع يحمي مقر( مه رانى ) من غارات الطيران الغادرة  ،  أذن وسط هلع غير مسبوق ، تسلقنا الجبل بشكل سريع جدا رغم المسيرة الشاقة التي استمرت لليلة كاملة مع بضعة ساعات أخرى ورغم التعب والإرهاق ، فبعد أن قطعنا مسافة ليست طويلة ، وجدنا نصيرين من رفاقنا ينحدران نزولا من نفس ذلك الموقع ( الدوشكة ) وهما النصير كوران والأخر نسيته من يكون ينتظران وصولنا بعد أن قررت قيادة المحلية الانسحاب في عصر يوم الرابع والعشرون من آب ، أي تزامنا مع انسحابنا من بيرموس وقبل وصولنا بليلة واحدة ، وخففا في الحال من مخاوفنا وذعرنا ، بعد أن قالا لا تقلقوا أيها الرفاق فإن هذه الرائحة الكريهة التي تملأ الوادي هي لبقايا عجل تعفنت ، كان العجل يعود للنصير(عبد مام أحمد)* نحره بعدما تقرر الانسحاب للاستفادة من لحمه كوجبات اكل في الطريق ، وترك بقاياه قريبا من ذلك المكان ، فتعفنت سريعا بسبب درجة الحرارة العالية في هذا الموسم نهارا ، وهي ليست رائحة أية أسلحة كيماوية ، والحديث لازال للرفيقين إذ قالا إننا لم نتلق أية ضربة كيمياوية منذ انسحاب رفاقنا عصر البارحة وإلى حد هذا اليوم . وفي الحقيقة كان قد تولد لدينا شعور جماعي عند دخولنا المقر وسط هذه الروائح الكريهة التي أزكمت أنوفنا بقوة وبعد أن وجدنا مقرنا مهجورا ، بأن قوات النظام ربما نالت من كل رفاقنا وعوائل أنصارنا بواسطة تلك الأسلحة الكيمياوية التي استخدمتها لمرات عديدة و في مواقع عديدة من كوردستان ، والجدير بالقول كان عدد المتواجدين في المقر يبلغ أكثر من ثلاثمائة شخص مع العوائل ماعدا مجموعتنا التي دخلت المقر للتو والمجموعة الثانية من قوام لجنة تلكيف ، وواصل النصيران قولهما ، لكن الطائرات العراقية استخدمت هذه الأسلحة ، وألقت بها بالقرب من آفوكى في غارة جوية قبل أيام قليلة وذلك على الطريق بينها وقرية سوارى ، فقتلت إمرأة من أهالي هذه الأخيرة ، وألحقت أضرارا بقطيع غنم كان يسرح هناك ، فأُنفقت العديد منها علاوة على أعداد من الطيور البرية تساقطت على الأرض في المنطقة نفسها ، واسترسلا قائلين أن رفاقنا الأطباء ذهبوا إلى هنالك لمعاينة الوضع بعد ساعات من حدوث القصف حيث أكدوا أن كل ما حصل هناك يدل وبشكل قاطع كون هذه القنابل التي سقطت في هذه المنطقة كانت عبارة عن مواد كيماوية وغازات سامة أدت إلى إحداث هذه الخسائر ، وقيل إضافة إلى ذلك ان رجلا من سكان قرية سوارى حاول استخدام بعض القطع ( شضايا) من هذه الصواريخ المتفجرة لحاجة ما فأصيب بورم غير إعتيادي  ، أحمر لون عينيه الاثنتان ، عولج وعلى حد قول أحد أنصارنا في مقر (مه رانى ). وذكر فيما بعد أن أسلحة كيماوية أُستخدمت في وادي كانيا باسكا والتي مررنا فيها (القرية) ليلا ، وفي الواقع مرا من هناك أيضا بعد القصف بعدة ساعات رفيقين لنا في نفس يوم  انسحابنا ولكن كان الوقت نهارا وهما الرفيقين أبو خدر وبهجت والأخير من الكوادر العاملة في تنظيمات الداخل ، ولكننا لم نلتق بهما هذه المرة وكانا متوجهان إلى الداخل ، فالرفيق بهجت كان متوجها إلى بغداد ، و كان يستفيد من مساعدتنا ومخابئنا وأوكارنا الحزبية جيئة وذهابا ، والآخر أي الرفيق أبو خدر كان ذاهبا إلى سنجار ضمن محافظة نينوى حيث مهمته الحزبية الدائمة هناك علاوة على التنسيق والعمل الحزبي المشترك ضمن حدود ريف تلكيف ونقل بريد المكتب السياسي من وإلى سوريا مع كاتب هذه المحطات ، وهما أكدا قصف الطائرات العراقية لهذه المنطقة بالأسلحة الكيماوية .

زالت مخاوفنا وشعرنا بارتياح إلى حد ما وتوجهنا نحو ” الروبار” النهر الذي كان يشق وادي مه رانى للاغتسال والشرب على بعد عدة أمتار من منبعه أو منابعه ، إذ لم يكن هناك ما يوازي مياه هذه العين من جهة صفاءها وبردوتها وعذوبتها وكان الجميع يقول وبشهادة أهالي قرى المنطقة بأنها تساعد على صرف الطعام الذي يتناوله المرء في الحال ، فكنت تشعر وأنت تشرب منها بعد تناول الطعام بالجوع مرة أخرى ، ويتحدث أهل هذه المنطقة على أن مياه هذه العين كان يصيبها الجفاف مرة واحدة بين كل عدة سنوات ، وهذا ما أشعرنا بالقلق ، ولكن لحسن الحظ  ، فأن كل السنوات التي قضيناها هناك على هذه العين كانت معطاءة دون توقف ، وأحيانا كثيرة كانت تتعدد الينابيع من على المصدر الرئيسي لها وخصوصا في السنوات التي كان يكثر فيها تساقط الأمطار والثلوج ، وظلت المياه تتدفق منها وتشكل رافد غزيرا يصب في مجاري تتصل بمصادر مياه أخرى يتعاظم جريانها وتروي بساتين القرويين الواقعة على طريقها والتي تعد مصدرا رئيسا لمعيشتهم وذلك عبر بناء سواقي للري ، إذ تذهب محاصيلها إلى مدن العراق المختلفة .

بعد قسط من الراحة جرى تبادل الأحاديث كثيرا ، تركزت على سرعة تطور الأحداث التي أدت إلى هذه النتيجة والتي مفادها الانسحاب دون معرفة نتائجه بسبب عدم التعامل معه في الوقت المناسب ، وذلك لأسباب عديدة منها وقبل كل شئ عدم التوصل إلى حقيقة ما كانت تخطط له قوات النظام من تقدمها بهذه الأعداد الكبيرة من قبل مجموع الأحزاب العاملة على الساحة الكوردستانية ، إذ لم يجر الاستعداد لاحتمال أن تكون هذه الحملة على هذا القدر من الشدة والعنف وعواقبها الكارثية على المنطقة وقدرتها على دفع الحركة المسلحة في كوردستان إلى خارج الحدود وتدمير الريف الكوردستاني بعد أن يلحق بسكانها أفدح الأضرار من قتل وتهجير ، هذا من جانب أما من الجانب الآخر كان هناك ضعف واضح في التنسيق بين الفصائل العسكرية التابعة لهذه الأحزاب وكانت قوات كل حزب تتصرف دون الآخرين أو قوات الأحزاب الأخرى وهذا ما حدث عندنا على مستوى العلاقة بين المجاميع التابعة للحزبين الشيوعي والديمقراطي الكوردستاني حتى في ظل هذه الأوضاع الصعبة ، ففي الوقت الذي كان أنصارنا ( أنصار الحزب الشيوعي ) يتوجهون إلى القرى لشحذ همم جماهير المنطقة وسكانها وتشجيعهم على المقاومة كنت تجد في الجانب الآخرعدم وضوح في الموقف إزاء هذه القضية وعدم وجود أية رغبة في التنسيق مع قواتنا وخصوصا في اليومين الأخيرين قبل الانسحاب بالرغم من اللقاءات التي سبقت هذا الانسحاب والتي أختلف وتناقض التعامل الحقيقي مع ما كانت تصدرها هذه اللقاءات من قرارات تدعو إلى المقاومة كما حصل في منطقة خواكورك على سبيل المثال حيث قاوم الأنصار والبيشمه ركه في معارك تلك المنطقة لما يقارب شهرا كاملا ، ورغم الاختلاف الجذري بين طبيعة المنطقتين وجغرافيتهما علاوة على نواحي أخرى كثيرة ،  إذ كان من شأن التنسيق الجيد والعمل المشترك بين أحزاب الجبهة الكوردستانية على مختلف المستويات والوحدات العسكرية التابعة لها في جميع مناطق تواجدها كان من شأنهما أن يؤديا إلى نتائج أخرى غير تلك التي نتحدث عنها والتقليل من هذه الخسائر المهولة التي أصبحت ثمنا لوحشية النظام وتصميمه على إنهاء وجود الحركة المسلحة في كوردستان من خلال أتباع سياسة الأرض المحروقة و الجينوسايد ، إذ انعدم التنسيق المطلوب بين أحزاب الجبهة الكوردستانية وأجزم أن أي طرف لم يستطع التوصل إلى النوايا الحقيقية للسلطة أوفهمها بشكل كافي وكان من الواضح إنها (السلطة ) أعدت لهذه الحملة منذ فترة غير قصيرة وفي الجهة الأخرى كانت قرارات قوى الجبهة الكوردستانية ارتجالية  تهيمن عليها مجموعة ضيقة من جهة  سياسية واحدة .

ونحن من طرفنا لم نتدارك الأمر في الوقت المناسب ، إلا عندما أصبحت المنطقة فارغة تماما من السكان وبيشمه ركه الحزب الديمقراطي أي بعد ما ظهر كل شئ جليا أمام الأعين ، فالجيش بعديده وعدته مع بقية الأصناف المسلحة للنظام من الجيش الشعبي والجحوش يتقدمون وقرار حدك هو عدم المقاومة والانسحاب و النزوح الجماعي صوب الحدود كما أشرت إلى ذلك في الحلقة السابقة .

بعد وصول المجموعة الثانية من مفرزتنا إلى (مه رانى) كان ينبغي أن يتركز الحديث حول الوجهة التالية وكيفية اللحاق برفاقنا  المنسحبين والمتوجهين صوب الحدود عن طريق قرية ( كافيا* Kafiya) التي كان يوجد فيها المقر القيادي للجنة إقليم كوردستان لحزبنا الشيوعي ، ثم باتجاه منطقة بارزان وهو الطريق الوحيد الذي من المفترض أن يكون مفتوحا وآمنا أمام انسحاب الآلاف من أبناء هذه المناطق والأنصار والبيشمه ركه ، بينما كنا نخوض الحديث بشأن كيفية الانسحاب أكد النصير كوران  بأنه يحمل رسالة من اللجنة القيادية إلى الرفيق كسر( الدكتور ألياس شيخ مراد )  الذي ألتحق بنا في بيرموس قادما من قضاء الشيخان في الساعة الأخيرة من وقت انسحابنا إذ كان كادرا تنظيميا يعمل هناك ، تؤكد على ضرورة عودته إلى نفس منطقة عمله ( مدينة الشيخان ) مرة أخرى ومتابعة الأوضاع برفقة حامل الرسالة النصير كوران  .

في الواقع كان وقع مضمون الرسالة مفاجئا على الجميع عندما علموا بذلك وكان الجميع على دراية بأن عودتهما في غاية الصعوبة  والخطورة بسبب إغلاق كافة المنافذ التي تؤدي إلى هناك بواسطة قوات الجيش والجحوش المتقدمة وربما عودتهما في هذا الوقت  تكلفهما حياتهما ، وحتى إذا استطاعا اختراق خطوط  القوات المتقدمة ، فكيف سيتصرفان في هذه المنطقة في حال الوصول إليها بسلام بمعزل عن تواجد قوات الحزب أو حتى قيادته التنظيمية وعدم تأمين وسيلة تواصل معهما ، في الوقت الذي أصبح فيه عملية إيواء أنصار أو كوادر تنظيمية من قبل الشيوعيين وعوائلهم في هذه المناطق عبئا ثقيلا ومخيفا جدا .. ورغم كل هذا لم يتردد الرفيقان في قبول المهمة واستعدا لاختراق هذه القوات والوصول إلى الده شت وتحدي هذه الخطورة الأنفة الذكر وتجربة مصاعبها ،  كما كان الأمر بالنسبة إلى مجاميع أخرى كانت تعيش هناك وتعمل في الخطوط الملتهبة وتعاني الملاحقة المستمرة وهي مقطوعة الصلات بالحزب ، بعضها قاومت بكل جرأة ، ولها ألف حكاية وحكاية أرجو أن يستطيع أبطالها روايتها في ظل ظروف تهيئ لهم أسباب تدوينها ، و كانت هناك مجاميع أخرى لم تفلح في مقاومة شراسة الأجهزة الهمجية القمعية للنظام .

كان علينا أن نستعد لمرحلة أخرى من الانسحاب عبر ( كافيا*Kafiya (  ثم منطقة بارزان ومن هناك إلى الحدود التركية ، لم يستطع أحدنا التكهن بنتائجها أو في الواقع لم تكن هناك معلومات حول الأعداد الكبيرة التي توجهت إلى تلك المنطقة لغرض العبور ، وهل استطاعت العبور أم لا..؟ . وبسبب عدم معرفتنا التامة بمدى تقدم قوات الجيش والجحوش و إلى أي المناطق القريبة من مقراتنا وصلت … عموما تأكد لنا بشكل قاطع أن هذه القوات أصبحت على مقربة من مقراتنا وهي تطوقنا من جميع الجهات وكنا نتأكد من ذلك بسبب تزايد اقتراب أصوات الإنفجارات الشديدة من كل جهة ، ولذا تقرر أن يبدأ تحركنا مساءا عبر مقر (سى ده را) للحزب الديمقراطي الكوردستاني – لجنة الشيخان وهو الطريق الوحيد التي يجب علينا اتخاذه ، ولكن ليس عبر قرية (أطوش)*، وعادة ما يكون الظلام في مثل هذه الحالات أفضل صديق للبيشمه ركه ولذلك كان علينا أن نجتاز (سى ده را ) أثناء الظلام …

استعدادا لهذه الجولة من الانسحاب تقرر الإبقاء على عدد من الأنصار لإعداد كمية من الخبز وتهيأة بعض المواد الغذائية للطريق وخصوصا أن مخازن المقر كانت مليئة بكل أنواع الأرزاق لأن موسم تساقط الأمطار والثلوج أصبح قريبا و كان لابد من تجهيز المقر بهذه الأرزاق لشتاء كامل كالمعتاد . وهكذا ذهب بقية الأنصار إلى وادي آخر يقع في منطقة قريبة من الجهة الشمالية للمقر لأن البقاء في المقر بهذا العدد لم يعد آمنا ، وذلك انتظارا لانقضاء هذا النهار و حلول الظلام . وهناك قمنا مرة أخرى بإخفاء بعض الأسلحة والذخيرة الزائدة عن الحاجة وثم كان لابد لنا النوم لبعض الوقت كي نتمكن من مواصلة المسير ليلا .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

-أبو خدر (ملاجبري*  Mella japari ) كان أبو خدر فلاحا شيوعيا واكب مسيرة الحزب في كل الظروف الحرجة ، فقد أبنه بسبب هذا الانتماء على يد فئة غدارة حاقدة ، وهذه عمليات الأنفال غدرت به أيضا فقد غيبته مع عائلته إلى الأبد ، كان أبو خدر يدير مزرعة المقر التي كانت تساهم بشكل كبيرهم على تأمين الغذاء للانصار في مرانى ، وهو من قرية ملا جبرا التي أعطت للحزب دماءا والكثير من العطاء وهي تقع إلى جانب ناحية باعذرة جرى تسويتها مع الأرض أثناء تلك العمليات وتشرد أهلها إلى  باعذرة والقرى  القريبة  .

– (عبد مام أحمد)* من أكبر أبناء مام أحمد سوارى كان له ضمن مفارز أنصارنا ثلاث أشقاء آخرين بينهم جمال وهو على قيد الحياة و استشهد منهم اثنان ( جاسم على يد الغادرين بين سوارى و آفوكى ) و(هلال في عملية غادرة قامت بها الطائرات السمتية على أحدى مفارزنا بالقرب من بير موس اثر معلومات إستخبارية حصلت عليها السلطة من أحد عملاءها في المنطقة راح ضحيتها 9 شهداء من الأنصار أبطال وعدد كبير من الجرحى ) .

– (أطوش)* من القرى التي قدمت الكثير للحركة كانت تتكون من عدة بيوت نصفها مسيحيون والنصف الآخر مسلمون كانوا يعيشون بوئام وسلام وحلت عليهم العديد من عوائل أنصارنا من الأيزيدية وجميعهم عاشوا في ظل علاقات طيبة جدا وتولدت بينهم علاقات ( الكرافة ) التي زادت من أواصر الصداقة بينهم أكثر ، حتى لقب بعض أنصارنا بفلان الآطوشي . وتقع هذه القرية على الطريق بين مه رانى و سى ده را .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*