في داي رحمة التي نودع ورفاتها : إبراهيم سمو

 

داي رحمة ؛جارتنا ،التي ضُبِطتْ تجود على صباحات طفولتي ،بصحن من خاثر ،رحلت …”الله على خاثرها “والكرم.
كنت ،آنئذ ،مثل فرخ السنونو صغيرا ،لكن الصورة ماتزال تحضرني .
حال أبي المادية كانت أشبه بعدم ، وفطور صباحاتنا ،أذكر لم يكن يزيد في أحسن وجوهه ،عن الخبز الحاف والشاي .
طعم خاثر داي رحمة ،مازال مقيما بين حليمات لساني ،لم أستطعم بعد رائب لبنها أي خائر .
كم كنت أهب ما أن أفيق على أمي وأهيج : لا أريد الشاي والخبز …أين الخاثر ؟.
وكم كانت والدتي تقرّعني: “يا عيب الشوم “! …أنت تفضحنا.
ـــــــــــــــــ ــــــــــــــــ ــــــــــــ ـــــــــــــ

داي رحمة المرأة الايزيدية ،التي عمّرت أكثر من مائة عام ،عاشت رغم القهر والتحديات مشرقة الملامح ،وودعت قبل أيام ،تنتصر على مقهوريتها بابتسامة.
يروى أنها ولدت بشوشة ،في زمنها “السفر برلكي” ذاك، العاصف بالمذابح والتهجير والاضطهاد و”فرمانات الإبادة “،حيال ايزيدييها وسواهم من أقليات الدولة العثمانية ،من سريان وأرمن وآشوريين وكلدان و..الخ .
لن يغفل المتتبع لتفاصيل سيرة داي رحمة ومعايشاتها ،أو قل حيواتها العسيرة المتعددة على مدى أكثر من قرن ،عن المعاناة الإبادية والواقع القهري، الذي ابتُليتْ به هذه السيدة المنافحة النبيلة ،منذ أن رأت النور ،وحتى آخر حشرجة احتضار .
داي رحمة ،التي واجهت تعدد الأمكنة القسرية، والأزمنة المتعجرفة ،والأحداث المعقدة المهولة ،بطيبتها المعهودة ،وبساطتها العابقة ،وثراء روحها الجميل ،ولدت في إحدى قرى “ويران شهر”؛ Viranşehir التركية، ثم سرعان ما هُجِّرت ،وهي قاصر، قسرا إلى سورية، حيث خاضت عمرها دورها وفاعليتها ،بتحد وعزيمة، في قرية جهفة قرب رأس العين، رفقة زوجها وعائلتها ،ووسط قروييها ،غير أن الأقدار شاءت مؤخرا ،أن تفر المرأة المغبونة في أواخر سنييها كُرها إلى المانيا ،بعد أن تشرّبَ روحها من خصوصية أرض جهفة، وتعلقت ،هي ،هناك بالإنسان والهواء والتراب.
اغتمت داي رحمة في منفاها الألماني الجبري، على تكالب إرهابيين ؛أشبه بداعش أو أدهى كثيرا على قريتها ،ولعل أكثر ما طرأ ينغص على قلبها ،أن تُوارَى تربة بعيدة، عن مرقد حليلها الخال مصطفى .
يبدو أن خلوتها ،فيما يتعلق بمآلات وواقع ما بعد موتها ،إلى ذاتها ،طالت ثم انتهت، لكن بعد مداولات مع أعماقها إلى وصية ؛مفادها أن تُودَعَ مُذعِنة إحدى مدافن ايزيديي “ويران شهر”التركية ،هز المرأةَ المغلوب على أمرها ،وهي تقلب الحال في رأسها، ألمٌ عميق ،وكدّرها أن يفصلها حدود وأسلاك، و”معارضة إرهابية” و”مجاميع تكفيرية “بطّاشة ،ليس فقط ،عن ضريح معيلها ،بل عن أضرحة قروييها الراقدين كلهم ،هناك على تلة “دردارا” قرب قريتها ؛جهفة.
صورة الخال مصطفى ؛حليلها ،تعبرني كطيف من سراب ،كنت يافعا حين غاب، ورغم إني لا أستطيع تحديد الملامح بدقة ،لكن الذاكرة تكتنز اشراقات ما ،من هيئة الرجل المحمود في سيرته .
أخلاقيات المرأة الصالحة ، والأم الرءوم ؛داي رحمة ،جودها ،بساطتها ،هدوؤها ،حبها للناس ،طيبتها ،لينها ،حنانها ،وضوحها ولطفها ،ثم مشاعرها الدافئة الشفيفة، التي خلفتها ،ستدلل وإن غابت على مر الزمان، عليها.
داي رحمة نامت قريرة العين؛ بمعنى ركنت تنعم برحمة من عند ربها، في مقامها الفردوسي ،واطمأنت ،لكن ثمة من لا يروق له من المراقبين ،أن يتنقل جثمان سيدة مثل داي رحمة أو سواها من السوريين ،من دولة إلى أخرى ،بحثا عن حفنات تراب ،وأن تمتنع أضرحة قروييها خوفا أو تحرجا أو إرهابا ،عن ضمها .
هل ما يزال مغتصبو رأس العين السوريون، يتحدثون عن” ثورة ” ، عن “معارضة ” ،وعن “سورية جديدة ” ،ويتشدقون بالأضاليل ؟ . ربما !.
لكن رفات داي رحمة المقهورة ،فضحت / تفضح زيف كل مقال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*