النساء والكتابة : يوسف أبو الفوز 

 

مساهمة في تحقيق من إعداد الكاتبة سماح عادل  

هذا هو الجزء الثاني من تحقيق (النساء والكتابة)، والذي جمعنا فيه آراء الكتاب من مختلف بلدان الشرق عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات، وطرحنا هذه الأسئلة:

  • في رأيك هل مهام الكاتبة من عمل، ومسؤوليات الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل صعوبات تمنعها من التفرغ للكتابة وتقلل فرصها للتواجد على الساحة الثقافية ككاتبة؟
  • ما رأيك في مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
  • ما رأيك في تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء، والجرأة في الكتابة. وما رأيك فيها يسمى بالكتابة الأيروتيكية؟
  • هل استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا وأن تجد لها مكانا وفي رأيك هل ينصف النقاد كتابات النساء أم لا ولما؟
  • هل تعتقد أن هناك اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال وما هي هذه الاختلافات؟

 

خصوصية شخصية المرأة تساهم في تميز الكتابة لديها..

 

يقول الكاتب العراقي “يوسف أبو الفوز”: “الجواب هنا يتحدد بحديثنا عن جنسية الكاتبة أولا، في أي بلد تعيش؟ إذا كان المقصود الكاتبة بشكل عام، فلابد من القول أن المجتمعات الأوربية قطعت شوطا كبيرا في إطار خروج المرأة من طوق دائرة المطبخ ورعاية وتربية الأطفال، إذ تطورت هذه المجتمعات وقطعت شوطا كبيرا في طريق نيل المرأة لحقوقها، من توفير الظروف المناسبة لنشاطها وتطورها لتكون جزء فاعلا في المجتمع.

مثلا أن مراكز رعاية الأطفال النهارية (الحضانة) وثم المدرسة، تقوم بواجبات ليس قليلة تخفف عن أي أم الكثير من الأعباء فتجد الفرصة للعمل، الدراسة، ممارسة هواياتها وتطوير نفسها، وبالتالي تجد المرأة الكاتبة فسحة مناسبة من الوقت لاستثمارها فيما يتعلق بنشاطها الإبداعي.

وإذا تحدثنا عن المرأة الكاتبة، التي ولدت وتعيش وتعمل في الشرق الأوسط، فهنا تسكب العبرات كما يقال. فرغم أن الظروف الاجتماعية والسياسية عامة يعاني منها كلا الطرفين، أقصد الكاتبـ الرجل، والكاتب ـ المرأة، إلا أن مجتمعنا الشرقي الذكوري، ما يزال ينظر للمرأة عموما بكون مكانها الحقيقي هو دائرة المطبخ، سرير النوم وتربية الأطفال، وإن خرجت المرأة للعمل، فهذا أيضا لا يقدم دعما كبيرا للمرأة للحصول على مساحة من الحرية الكاملة.

إضافة إلى أن البنى التحتية للخدمات ما تزال غير متطورة كثيرا في بلداننا العربية، فليس كل العوائل قادرة على إرسال أطفالها لدور الحضانة الخاصة أو الرعاية النهارية، ناهيك عن غياب وجود مثل هذه الخدمات في العديد من البلدان مما يجعل منها مهام ربة البيت. والأمومة تضيق الخناق على الكاتبة المتزوجة والأم، فتصبح عندها الكتابة هما كبيرا وعلى الكاتبة النضال لانتزاع الوقت ومن ثم الحرية والمساحة لأجل إنجاز مشاريعها الأدبية. وعليه كل امرأة كاتبة عندي هي بطلة بطريقتها الخاصة، لكونها أولا تخلق الوقت وتسرقه من ساعات راحتها، وثم مواجهة العوائق الأخرى الاجتماعية والسياسية والعائلية لتقدم شيئا متميزا”.

وعن مقارنة النصوص رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص يقول: “لا اعتبر شخصيا أن الإبداع الحقيقي يرتبط بكون الكاتب رجل أو امرأة، فالموهبة هي الأساس ويتم تقويمها بالدراسة والتجربة والاطلاع على تجارب الآخرين. ونعود للحديث عن الفارق الكبير بين واقع حياة وتجربة الكاتبة إن كانت أوربية أو كاتبة من بلدان الشرق، فالمرأة الأوربية تكون أمامها الفرص متوفرة للدراسة والعمل والسفر والعيش بحرية، فإن كانت كاتبة يترك هذا أثرا كثيرا على تجربتها الإبداعية.

أما المرأة العربية، التي في بعض بلداننا لا تستطيع السفر بدون رجل يرافقها، فكيف لها أن تزيد من خبراتها في الحياة وتطور من إبداعها؟ كيف تستطيع فهم الآخر ـ الرجل إن كانت لا تستطيع معايشته أو تعقد صداقات متكافئة معه؟  لهذا فالمرأة الكاتبة في بلداننا تنحت في الصخر وهي فدائية في خوضها في موضوعات ممنوعة على المرأة فالحرية متوفرة فقط للرجل للخوض فيها. رغم كل ما يقال فلقد برزت لدينا كاتبات تحدين كل العوائق والخراب وكان إبداعهن بمستوى لم ينجح كثير من الرجال في بلوغه”.

وعن تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء يقول: “إن كسر التابوهات في الكتابة في بلدان الشرق، مهمة وعائق يواجه كل كاتب سواء كان رجل أو امرأة، وتكون مهمة المرأة الكاتبة هنا أصعب بكثير، فمجتمعنا ذكوري بامتياز، فلطالما شكت لي صديقات كاتبات من كون البعض يعتقد أنها تكتب عن تجربتها الشخصية، مما يجعلها في موقع الدفاع عن النفس أمام تنمر الآخرين، وهي لم تفعل أكثر من كون عملها الإبداعي تطلب ان تترك شخوصها يتحدثون بشكل صريح عن عوالمهم الداخلية.

للأسف إن المرأة الشرقية ما تزال متهمة حتى في نوع ملابسها وطريقة جلوسها وحديثها، أو إذا رفعت صوتها بضحكة في مكان عام، فكيف إذا كاتبة دخلت مع شخوص نصها الإبداعي إلى غرف النوم أو جعلتهم يتحدثون باستفاضة عن هواجسهم العاطفية الجنسية؟ لست مع إقحام وافتعال المشاهد الأيروتيكية، لأسباب لا علاقة لها بالشروط الفنية للعمل الأدبي.

لو ألقينا نظرة سريعة متفحصة، فأننا للأسف سنجد في حقل الأدب الكثير من الكتاب، من الرجال والنساء، يكتب بهذه الطريقة، لأغراض التسويق، فنجد نصوصا إبداعية مزدحمة بما لذ وطاب من مسميات جنسية ومشاهد لا ضرورة لها، تذكرنا بخلطات الأفلام التجارية. هذا النوع من الكتابة المفتعلة، أعتبره مثل الوجبات السريعة، غير صحي ولا يشبع الجوع الروحي القارئ الجاد”.

وعن استطاعة كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا يقول: “لقد برزت في الساحة الثقافية في الشرق وبلداننا، الكثير من القامات الأدبية النسوية المتميزة، وترفع القبعات لهن لتخطيهن ببسالة وتضحيات، الكثير من الحواجز الاجتماعية، واستمرار صراعهن لإثبات وجودهن كمبدعات.

للأسف إن حركة النقد في بلدان الشرق عموما، لم تنصف الكثير من الكتاب الرجال فكيف تستطيع إنصاف النساء الكاتبات؟ ما تزال الحركة النقدية لدينا أسيرة الشللية والعلاقات و(الشغل تحت الطاولة)، وبرزت في الفترة الأخيرة عند البعض من النقاد نغمات التخندق الأيدلوجي وأيضا الديني المذهبي، فنشرت العديد من الدراسات النقدية ومنحت شهادات ماجستير ودكتوراه عن أشباه كتاب وكاتبات لأسباب لا علاقة لها بالإبداع تماما. واضطرت بعض الكاتبات الجادات الركون إلى تحاشي التجمعات الثقافية والعمل عن بعد، حتى لا يتم مطالبتهن بما هن ليس قادرات على تقديمه لأجل مقال أو دراسة نقدية”.

وعن وجود اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال يقول: “ذكرت أن الإبداع لا يتحدد بكون الكاتب رجل أو امرأة، لكن خصوصية شخصية المرأة، وكونها تملك قدرات إنسانية تتخطى فيها الرجل كثيرا، مثلا حدس المرأة الخاص، قدراتها في استثمار حواسها بشكل متميز، القدرات الخاصة في تحمل الألم والصبر، وغيرها، يضيف ملامح خاصة على شخصية المرأة، وبالتالي فإن الكاتبة منهن ستكون متميزة كثيرا باستثمار هذه الخصوصيات لأجل العمل الإبداعي.

هكذا نجد أحيانا كاتبات البعض يصنفهن من الصف الثاني، يكتبن بلغة مبدعة وأسلوب يتخطى كتاب يضعهم البعض في الصف الأول. تتعلق القضية في قدرة المرأة الكاتبة على استثمار خصوصياتها وتوظيفها بشكل صحيح ليجعلها تبدع بطريقة تتخطى الرجل الكاتب بمسافات.

يبقى علينا القول أن مجتمعنا الشرقي الذكوري، يمنح الرجل مساحة واسعة من الحرية، لا تملكها المرأة، لتطوير تجاربه الإنسانية، مثلا في السفر،العلاقات، العمل، الحب، الجنس، إلخ، مما يجعل الكاتب الرجل منطقيا أكثر سعة معلوماتية وتجربة، وبالتالي يسهل عليه بناء شخوصه وجعلها أكثر حيوية ومقنعة، لكن المرأة ـ الكاتبة تظل تتخطاه في عكس الجانب الروحي للشخصيات، وهذا ما أحاول أتعلمه دائما عند قراءة إبداع كاتبات نساء”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*