حكاية صالح : صباح كنجي

 

صالح هو (صالح سلو حسن الحراقي).. مواطن عراقي ولد بالخطأ في زاوية من زوايا محلة البرافية في بحزاني عام 1957.. وبقية التفاصيل عن اليوم والساعة غير مهمة.. ولا تستحق ان نشغل بالنا بها.. تعرفت عليه في صباي حينما كان طالباً في الصف الرابع ابتدائي..

كان صالح أصغر اشقاءه وفقاً لتسلسل العمر.. من قبله نعمان الذي اغتيل بخسة اثناء وجوده في الجيش منتصف السبعينات.. ومن ثم حسين خريج معهد معلمين.. رفض تعيينه لكونه شيوعي.. وحسن الأكبر الذي كان معلماً.. ومعهم شقيقتان والأم التي كانت تكدح لتوفير مستلزمات العيش للعائلة.. بالرغم من تقدمها في السن..

هذا باختصار ما يمكن ان ندونه عن هذه العائلة الكادحة.. التي كان صالح فرداً منها.. ونشأ في اجوائها لينفرد بخصال ميزته.. كمشاكس يعاكس الصبيان.. يقسو عليهم اثناء اللعب.. بحجة انه يمزح معهم.. مما دفع بالكثيرين من اقرانه لتجنبه والابتعاد عنه بهذا القدر او ذاك..

ولم تنفع محاولات امه الطيبة للتأثير عليه.. نصائحها لتعديل سلوكه لم تسفر عن جديد.. انتهت جهودها بالفشل.. ولم تغير ساكناً فيه.. لكنها لم تستسلم.. قررت ان تستنجد بشقيقه حسين.. الشاب الطموح بقوامه الممشوق ونظراته الحادة.. الذي كان يمارس الرياضة ويقرأ الكتب كأي شاب من جيل ذلك العهد في السبعينات من القرن الماضي.. المحب للمعرفة وتفتحت عيونه على الثقافة والأدب.. وسعى لأثبات وجوده من خلال النشاط السياسي المعارض للسلطة.. وبرز ككادر شيوعي نشط بين الشباب في المنطقة..

لكن الذي حيّر الجميع.. سوء العلاقة بين الأخوين صالح وحسين.. وقلمّا تواجد الأثنان معاً في الدار او الشارع.. او حتى في أزقة المحلة بالصدفة.. دون ان تنشب بينهما عركة.. او في الحدود الدنيا اشتباك بالأيدي وركل بالأرجل..

عركة طرفيها الأخوين.. حسين بقسوته التي كانت تجلب الانتباه.. وتجسدت بسعيه لتفريغ شحنات غضبه بالركل والضرب المبرح الموجه لصالح.. الذي كان يسعى للدفاع السلبي عن نفسه.. وهو يحاول مسك يد شقيقه حسين قبل ان تصفعه.. او تجنب ركلة توجه لجزء حساس من جسده.. دون أنْ يصرخ او يعبر عن أي إحساس بالألم..

كأنّ جسده قدّ من صخر جلمود.. لحين شعور حسين بالتعب.. ويتركه ممزق الثياب.. او يكون حينها صالح قد تمكن من الإفلات والهرب.. لمسافة مترين او ثلاث لا أكثر.. ليقف كالديك الرومي نافخاً نفسه من جديد في حالة تحدي.. كأنه لم يكن هو من تلقى الضرب قبل لحظات..

ولا يهتم لياقته او كم قميصه المتداعي على الأرض.. او حتى لنزف انفه في غالب الأحيان.. وأصبح مع تكرار الحالة لا يبالي بما يحدث له.. كأنه “تعود” على الضرب والاهانة.. وكما يقول الناس: جلده يحكه.. وأصبح بحاجة لمن يساعده.. ويبدو انه “أدمن” على الضرب وبات “يتمناهُ”.. 

وفي ذات الوقت بدأت معالم هذه القسوة تنعكس عليه.. بدوره بدأ يزيد صالح من قسوته على اقرانه.. كأنه يلهو من خلال هذه القسوة.. وأخذ يزيد من سعير العنف والشدة مع منْ يلتقي بهم في ساحة اللعب.. او في الأزقة وبقية الأماكن..

واستمر هذا الحال معه عدة سنوات.. قبل ان تكتمل ملامح شخصيته كرجل.. مع بدأ نمو الشعر على شفته العليا وفي ذقنه.. اخذ يهتم بمظهره.. ويسعى لاستيعاب ما يدور من حوله.. بالرغم من تركه مقاعد الدراسة..

وكانت المفاجأة الأولى على حُسنْ سلوكه وشجاعته في لهيب صيف تموزيّ.. شهد معركة بين الشيوعيين وقوات السلطة في مدخل جبل الشيخ بكر غرب بحزاني عام 1971.. حينما تقدمت قوات الشرطة لتطويق مجموعة من الشيوعيين المتواجدين بين أشجار الزيتون.. بينهم أبو باز البازي وحسن سمو خلو وشقيقه حسين.. ولحق بهم أيضاً اسود حسين الراعي الذي امتشق بندقيته واخذ يتسلق السفح متوجهاً نحوهم بلا خوف او تردد..

ونشبت معركة دارت لساعات بعد ان بادر حسن سمو لإطلاق النار على اول شرطي حاول التقرب من أبو باز ليمسكه.. كانت نتيجتها مقتل عدد من الشرطة.. وجرح شقيقه حسين في اعلى جبهته اليمنى.. جعلته ينزف كثيراً من الدم.. قبل ان يتمكن من الوصول للصخور الجبلية.. التي كان رفاقه ينتشرون بينها على جانبي شعاب الوادي العميق.. المؤدي لقمة الجبل من خلال سلسلة تعرجات تضيق وتنفتح بين الحين والآخر.. مكنت المجموعة من الوصول لأماكن آمنة ومحمية.. لا تطالها زخات الرصاص.. التي كانت تسمع اصواتها من ذلك الموقع ايضاً.. ولم يكن لها تأثير أو أهمية.. بقدر انشغال رجال المجموعة بالجرح النازف لرفيقهم حسين.. وكذلك مشكلة العطش التي اخذت تبرز في هذا الجو الحار والملتهب..

وكانت المفاجأة للجميع.. وصول صالح إليهم.. بعد أنْ تسلل من كلي السنجق.. حاملاً مطاره من الماء البارد محاطة بقطعة ثلج في وعاء بلاستيكي.. لينقذ الموقف ويسجل له تاريخاً جديداً.. وعلاقة من نوع آخر مع شقيقه حسين.. الذي اخذ من لحظتها يعيد النظر بموقفه من شقيقه الصغير.. وبدأ يرعاه ويعامله كصديق وأب متجاوزاً تلك الزلات الصبيانية لصالح.. 

من جهته أخذ صالح يتفاخر بموقفه وسلوكه.. الذي رفع من شأنه بين الشباب.. وشعر بحجم الازاحة التي نقلته لموقع جديد.. فيه الكثير من الاحترام والتقدير.. ينبغي استثمارها.. ولا يجوز التفريط بها.. بعد ان شعر بأهمية وجوده كانسان يلاقي التقدير والاحترام.. وقرر الانتساب لمنظمة الشبيبة أولاً.. ومن ثم الحزب الشيوعي لاحقاً..

لكنه تفاجأ بدعوته للجيش.. ولم يتسنى له الانتساب للحزب الشيوعي.. الذي كانت قيادته قد قررت تجميد النشاط في صفوف القوات المسلحة.. وفقاً لاتفاقها مع قيادة حزب البعث.. في صفقة تخاذل سياسي اسفرت عن انبثاق جبهة سياسية مشلولة.. يتحكم بإيقاع رقصها حزب السلطة..

وبقي صالح في ذلك الزمن جندياً مهمشاً.. يجري اعداده ليصبح وقوداً للحرب.. التي كان يعد لها الطاغية هدام.. وبعد اندلاعها قرر نزع ملابس الموت.. بقي هارباً يعاني من ملاحقة عناصر الأمن وبقية أجهزة القمع وبعض المنتسبين لحزب البعث.. قبل التوجه للالتحاق بصفوف الأنصار منتصف الثمانينات..

جاءنا صالح حينها.. بعد فراق ست سنين.. يحمل الكثير من التجاعيد والندوب على وجهه.. كأنه قد كبر سريعاً.. بعد اضطراره لاستخدام النظارات الطبية الثخينة.. وبدأ يسرد الكثير من التفاصيل المزعجة عن مشاهداته ومعاناته وآلامه البليغة في الجيش اثناء الحرب التي تداخلت مع صفحات الاعدامات التي طالت الرافضين لها من جمهور الهاربين ممن لم يرضخوا لسياسات السلطة.. الذين أطلقت عليهم أجهزة القمع بالمتخاذلين..

ومن ثم هروبه.. وجوع زوجته وطفليه في تلك الفترة الحرجة.. بعد ان قطعت عنهم الحصة التموينية.. التي كانت تدفع للناس من خلال كوبونات المواد الغذائية.. المحددة لكل عائلة وفقاً لعدد افرادها.. كأنه قد هرم او اعيد بناؤه من جديد.. ليصبح وقوراً وهادئاً في حديثة.. وهو ينفث الكثير من دخان لفائف التبغ بين الحين والآخر..

اما المهام التي كلف بها.. فكان يسارع لتنفيذها بدقة وسرعة.. كأي خبير أبدع في تقطيع الأشجار ونقلها.. ومن ثم مساعدة الطباخين.. وكان وجوده مبعث ارتياح للمتواجدين في المقر.. بالرغم من انشغاله والتفكير بزوجته واطفاله الثلاث.. بنته فيجنتي وابنيه ازمير وسعيد.. الذين تركهم في بحزاني..

وكنا نواسيه ونسعى لتقليل هواجسه.. لكنه كان يصر ويكرر:

أنتم لا تعرفون نظام حزب البعث.. أنتم لا تعرفون ماهي الحرب.. صحيح انكم سياسيون وتفهمون الكثير لكنكم لم تجربوا فترة حزب البعث بعد الحرب.. لأنكم تمكنتم من الهروب والتوجه الى جبال كردستان وبعضكم وصل الى الخارج ومن ثم عاد الى هذا المقر.. كان يختصر حديثه ببساطة ليؤكد ان الحرب قلبت الموازين وغيرت البشر..

لقد تغير الناس.. أصبح الجار لا يأمن جاره.. الابن لا يبوح بأسراره لأبيه.. الأخ يخفي نواياه عن أخيه.. انعدمت الثقة بين الناس.. وأصبح الجواسيس يتحكمون في العلاقة بين البشر.. وبات المتجاورون لا يرغبون في الحديث مع بعضهم الاّ في الأمور التافهة والصغيرة التي لا معنى لها.. لا بلْ باتت الأمهات توصي الرجال بعدم التحدث امام الأطفال والأقرباء..

وأخذت الشائعات تنتقل وتتناقل بتخطيط من جهاز الأمن.. خاصة بعد مقتل الشاب الهارب على يد ابيه واستقبال هدام له ومباركته وتكريمه على جريمة قتله لأبنه.. بعد ان أثنى عليه وأسبغ في وصفه كرجل عظيم.. ووطني لا مثيل له في هذا الزمن.. بالرغم من قذارة فعلته ونشاز جريمته.. حتى لو تمت مقارنتها بأبشع ما يقدم عليه المجرمون..

مع هذا لم يطل بقاء صالح في مقر الأنصار.. ولم يتجاوز وجوده في صفوفهم الاّ عدة شهور بعد زجه في عملية اقتحام احدى المدن في سهل نينوى.. التي خطط الأنصار لتصفية التواجد العسكري والأمني فيها.. وكان نصيبه مع مجموعة تقرر دخولها احدى الأحياء السكنية بالقرب من دائرة الأمن.. التي كانت الهدف الرئيسي في العملية..

وبعد ان بدأ إطلاق النار.. تموضع صالح والمجموعة التي معه في زقاق يسيطر على تقاطع من عدة اتجاهات.. طلب منهم الانتباه وانتظار نهاية العملية.. بعد ان تمكنت مجموعة الهجوم من تطويق دائرة الأمن.. ومخفر الشرطة.. ومقر منظمة حزب البعث.. وعدد من دور العملاء والجواسيس.. وخلال دقائق عرف سكان المدينة.. ان الأنصار الشيوعيين تمكنوا من تطويق كافة الأهداف العائدة للسلطة.. اخذت النساء تهلل وتزغرد.. وانطلق صبي في السادسة عشر من العمر متجاوزاً تحذير ابيه وأمه ومحاولاتهم لمنعه من فتح باب الدار.. نحو الشارع ينوي مشاهدة الأنصار الذين سمع عنهم الكثير من البطولات التي يتناقلها عنهم اهل المدينة فيما بينهم بين الحين والآخر..

توجه للزاوية التي كلف صالح بمراقبة أي تحرك معادي محتمل في محيطها.. وفي خضم هذا التوتر المرافق للعمل العسكري.. كانت نظارات صالح لا تساعده على الرؤية واستبيان طبيعة الشخص الذي يتوجه نحوه بوضوح.. اختلط عليه الأمر.. اعتقد انه رجل مسلح ومقاتل محسوب على ملاك السلطة يستهدفه.. فما كان منه الا المبادرة لإطلاق النار عليه.. سقط الصبي الضحية قتيلا برصاصة صالح.. 

الذي تحول لقاتل.. قاتل لصبي صغير أراد ان يعلن فرحه في تلك اللحظات.. لتشكل هذه الحادثة المروعة مفصلا في حياته.. خاصة بعد انْ عرف الكثير من التفاصيل عن عائلته المعارضة للنظام البعثي.. ووجود أقرباء للضحية في صفوف الأنصار.. تعقد الأمر عليه.. اخذ يؤنب نفسه.. بالرغم من انه لا يتحمل كل المسؤولية عن هذا الخطأ.. الخطأ الأكبر يتحمله من زجه في صفوف المجموعة المقاتلة بالرغم معاناته من قصر النظر..

كان من المفترض إنْ تطلب الموقف مشاركته في العملية.. وضعه في الخطوط الخلفية.. وليس في الموقع الأمامي داخل المدينة.. الذي أسفر عن هذا الالتباس في التقدير كانت نتيجته جريمة قتل صبي خرج ليعلن فرحه بوجود الأنصار.. لكنه خسر حياته على يد صالح بهذه الطريقة الدراماتيكية المؤلمة والحزينة..

ولم يطل الأمر كثيراً.. حينما قرر صالح الابتعاد عن الأنصار.. توجه لإحدى القرى المحررة للبقاء فيها.. كان حلا مناسباً ومنسجماً مع حيرته في ذلك الزمن..

حال وصوله قرية سينا.. الملاصقة لشيخ خدرة.. قرر بمساعد قريب له.. البحث عن سكن.. وتمكن من جلب عائلته.. اخذ يعمل مصلحاً للمدافئ والمواد الكهربائية العاطلة.. لفترة تجاوزت السنة وولدت فيها ابنته أميرة.. واستطاع خلالها من جمع مبلغ بسيط من المال..

كان يستقبل الأنصار برحابة صدر.. يتعاون معهم.. يمدهم بالمعلومات المفيدة.. أصبح وجوده محسوساً.. مما دفع بالعناصر المتعاونة مع جهاز الأمن لمراقبته وارسال التقارير عنه بين الحين والآخر..

تبعها وضع مخطط أمنى للتحرك عليه.. لاستمالته وتجنيده.. وهنا بدأ فصل آخر من حكاية صالح.. فصل أخذ ابعاد أخرى..

قال لي صالح:

ـ أحس بنشاط غير طبيعي في المنطقة.. هناك شبكة من عملاء السلطة ينشط عناصرها تحت ستار الهروب من الجيش.. وشخّص بعضهم من قرى مناطق سهل نينوى.. التجأوا تحت هذا الستار الى عدة قرى في حوض سهل سينا على امتداد سلسلتي جبال القوش ودهوك المتقابلتين.. الذي يتواجد فيها مقر فرقة عسكرية للجيش بالقرب من ناحية فايدة.. وشخص أحدهم من بعشيقة بدأ يتودد اليه.. وسألني:

ـ كيف اتعامل معهم؟

قلت له هذه فرصة لا تعوض بثمن.. حاول ان تكشف بقية خيوط الشبكة.. وكُنْ حذراً ودقيقاً في التعامل معهم..

بعد أيام لم تطول.. جاءني بحزمة معلومات عن تفاصيل هذا النشاط وقال:

ـ ان الشخص “الهارب” مرتبط بأخيه الذي يدير الشبكة.. وانهم يدفعون مبلغ 100 دينار لكل شخص.. يرتبط بهم.. ويصبح عميلا ومعتمداً لهم..

وفي جولة لاحقة من العمل.. بعد أنْ قلت له:

ـ نسق معهم وانخرط في صفوفهم..

كانت المفاجأة لكي يطمأن بدوره ويندفع في هذا السياق الاجرامي بلا تردد.. ان يكتشف ان شقيقه حسين من بين العاملين في هذه الشبكة.. وحضر مع ضابط الأمن.. ليطمئنه ويحثه على مواصلة العمل بلا خوف..

كنت على معرفة بارتباط شقيقه مع جهاز الأمن.. قبل ان يكتشف صالح هذه العلاقة.. ولم اشعره بمعرفتي بهذا الارتباط.. الذي اوجعه كثيراً.. ولم يكن يستوعب كيف انزلق شقيقه المناضل لهذا الدرك.. وحاولت تخفيف الصدمة عليه وقلت له:.

ـ انت تعرف حسين ونزواته الجنسية.. وحتما تمكنوا منه عن هذا الطريق..

وحقيقة كان حسين قد اعترف لي في لقاء سابق معه عن هذه العلاقة.. وحدثني عن استدراجه الى الموصل من قبل فتاة من الشيخان تدعى (جانيت) كانت تعمل مع الأمن.. تمكنت من تصوير لقاء جنسي معه ليقع تحت تأثير الفضيحة او التعاون مع جهاز القمع.. وبقيت العلاقة مع حسين بعلم الحزب في حدود التعامل الحذر معه.. في محاولة لتحويل هذه العلاقة لصالحنا..

لكن يبدو انه سار مجبراً في الدرب الذي حدده له ضابط الأمن المرتبط به..

كان صالح مصدوماً.. وغير مستوعباً لهذا السلوك من اخية.. وبقية افراد الشبكة الأمنية.. وبعد فترة قال لي بألم: 

ـ لا اشعر بالأمان.. نفذت من الموت في الحرب بأعجوبة.. وكانت فترة الهروب قاسية وصعبة.. والتحاقي بالأنصار فشل.. وبعد ان نفذ دخان سكارته.. واصل وهو يتنهد.. من الأفضل ان اغادر واترك المنطقة..

ـ الى اين؟

ـ لا اعرف.. هذه الأوضاع ستطول.. أفكر بمغادرة العراق نهائياً.. كان هذا في نهاية صيف 1986.. وكان صالح حينها مع زوجته واطفاله الأربعة في قرية شيخ خدرة.. ولا اعرف كيف اختمرت فكرت الرحيل لديه.. وعلمت بعد فترة قصيرة من هذا الحديث.. انه قرر التوجه الى مناطق الأنصار من جديد وهذه المرة متنقلا مع زوجته واطفاله من قرية لأخرى.. بعد ان اشترى حصاناً يساعده في حمل ونقل حاجياته الضرورية معهم.. لحين وصوله الى أطراف جبل كاره ولجؤه الاضطراري بسبب تقدم الجيش في كانون الثاني من عام 1987 الى كهف جبلي شهد ولادة ابنته التي اسماها كردستان..

ومن ثم قرر مواصلة الحركة بعد عشرة أيام شرقاَ نحو مقر كافيه للأنصار الشيوعيين.. ومن ثم العبور متوجهاً نحو الحدود الإيرانية.. بعد أن فقد حصانه بسبب عدم التمكن من نقله الى الجانب الآخر من النهر الفاصل بين الزيبار وبارزان..

وكان اول خبر عنه.. بعد عبورهم ومغادرتهم مناطق بهدينان.. من خلال المنتسبين لحزب الشعب المنشق عن الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة سامي السنجاري.. كان الخبر عبارة عن فكاهة نقلت عنه تفيد..

ان صالح وعائلته قد باتوا ليلة في مقرهم بالقرب من الحدود الإيرانية.. وغادرهم مع عائلته فجراً.. بعد ان استبدل جلال حصانه المتهرئ.. بجلال جديد لحصانهم.. ليواصل طريقة نحو الحدود الإيرانية ويصل الى اول مدينة تستقبل اللاجئين في الفترة التي تزامنت مع قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي..

وعرفنا لاحقاً بعد فترة قصيرة من الزمن.. بوصول صالح الى قرية شنو في إيران.. وإنه عانى الكثير في الطريق.. وتجاوز صعوبات النقل والسير بعمل (تيرك) من بطانيات عسكرية ليضع اطفاله في جيوبها على ظهر الحيوان مع حاجياتهم الأخرى..

وفي شنو عانى صالح الكثير بسبب عدم وجود اية وثائق عراقية له وللعائلة.. ولم يتمكن من تجاوز هذه المشكلة العويصة بالرغم من وجود قريب له في مخيم زيوه ـ إيران من عدة سنين كان بإمكانه مساعدة صالح بسهولة ويسر.. بحكم صلته بالحزب الديمقراطي الكردستاني.. وعلاقاته المباشرة بمروجي الحشيشة والمخدرات بين المهاجرين العراقيين والاكراد في إيران..

لا اعرف الكثير عن هذه المرحلة من حياته.. ولكن علمت من زوجته لاحقاً انه قرر تحويل البيت الذي سكنوا فيه رغم مرارة العيش في إيران الى مدرسة.. جلب سبورة وأخذ يعلم أطفاله القراءة والكتابة بعد عودته من العمل لساعات طويلة خارج البيت..

وفي إيران أيضا رغم هذه الأوضاع الشاذة واصل صالح.. كأي مهاجر لا يتمكن من السيطرة على نفسه ولا يشغل باله بتحديد النسل وعواقبه.. إنجاب المزيد من الأطفال وولدت له بنتين سمى الأولى أديبة والثانية مهاباد..  

وبعد ثلاث سنوات او أكثر قليلا في إيران.. قرر صالح مواصلة ترحاله كأي “سائح” حُرْ تتوفر له مستلزمات السفر.. لكن بلا وثائق.. ولا يمتلك الا الرغبة في استكشاف المزيد من الأماكن الجغرافية في هذا العالم الكبير.. تفتقت في ذهنه فكرة التوجه الى الباكستان مروراً بمحاذاة أفغانستان..

 علمت من زوجته التي تجهل معرفتها بالحدود الدولية.. التي لم تكن الا سلاسل جبال.. تجمع بين إيران وأفغانستان وباكستان.. 

ومن ابنه أزمير ايضاً.. انهم قطعوا مسافة بالقطار من طهران الى كرمنشاه.. ومنها استقلوا باص متجه الى مدينة زاهدان جنوب إيران.. ومن بعدها استلمهم مهرب وقجغجي أفغاني وفي النهاية وصلوا الى عبر طرق صحراوية صعبة ليلاً الى مدينة تافتيان في باكستان.. ومنها انطلقنا بعد ليلة واحدة الى كوميته في الباصات بمساعدة من العاملين في مكاتب الأمم المتحدة مع 5 عوائل أخرى من الآشوريين والكلدان وعائلة كردية من السليمانية..

في هذه المرحلة انقطعت اخبار صالح عنا.. لم نعد نسمع شيئاً عنه وعن عائلته.. كل ما هناك انه غادر إيران.. الى اين لا أحد يعرف التفاصيل!

كنا في شعاب الجبال لغاية الأنفال.. ما بعدها.. سمعنا الخبر المفاجأة..

صالح وعائلته في باكستان..

يا للهول..

كيف عبر كل هذه البلدان وتجاوز حدودها.. ووصل الى باكستان من دون اية وثائق رسمية او باسبورات؟

كيف تجاوز كل هذه المسافات مع اطفاله وزوجته؟

اية إرادة هذه؟

لا بل اية محنة هي؟

وتتالت المعلومات المؤكدة.. بعد وصول عدد من الأنصار الى سوريا بعد الأنفال.. علموا ببعض من كانوا في المانيا.. ان صالح من باكستان يستنجد بهم لجمع مبلغ من المال له ومساعدته في الهجرة الى أي بلد ممكن.. لوجود خطورة عليه وعلى اطفاله هناك..

علمت لاحقاً ان وجودهم في باكستان.. لم يكن الا فصلا جديداً من مهزلة الرحلة الطويلة في هذا العالم الهزيل.. الذي ضاق بصالح وعائلته.. بعد ان هجروا العراق.. ومروا في أجواء كردستان.. ومن ثم محطات المكوث في إيران..

والآن ماذا يمكن ان تقدم لهم باكستان؟

هذا البلد الكبير بمساحته الواسعة.. واراضيه الخصبة.. وملايين البشر الذين يتواجدون في مدنه وقراه ماذا يمكن ان يقدموا لصالح وعائلته.. كمهاجر لجأ إليهم بعد رحلة عذاب وألم.. ينشد الاستقرار وشيئاً من الكرامة له ولأطفاله..

حاول صالح التكيف مع وضعه الجديد.. لكنه صدم بما لم يكن بالحسبان..

تحول وجوده الدراماتيكي الى كابوس من نوع آخر.. صحيح انه ابتعد عن حزب البعث وقسوته.. وتخلص من أعباء الحرب.. ومشاكل السياسة.. ومتاعب الأنصار والهروب من الجيش.. لكنه اصطدم بواقع جديد هو اسوء مما عاناه في العراق لم يحسب له الحساب..

كانت مدينة كويته التي تواجد فيها كلاجئ عراقي مسجل في سجلات الأمم المتحدة لأكثر من ثلاث سنوات.. محطة لتواصل الصراع والمشاكسات.. بعد ان اكتشف عدد من العراقيين.. انّ صالح ليس مسلماً.. أخذت المعلومات تنتقل من شخص لآخر..

كانت البداية طرده من السكن بحجة.. انه كافر من عبدة الشيطان.. استمر ينتقل من دار لأخرى.. من مدينة لثانية.. وهكذا تسجل تنقلاته ولادة ابنيه جيفارا وأيار في مدينة كويته.. امّا عبير فقد ولدت في راول بندي..

والمصيبة كانت في محاولته لدفع ابناءه للتسجيل في المدارس.. كان يحرص على ان يتعلموا بأية وسيلة كانت.. والبداية حدثت في كويته.. حينها سجل سعيد في المدرسة.. وعاد بعد ساعتين مكسر الاسنان ومدمى الوجه.. بعد ان تعرض للضرب.. من مجموعة طلاب في المدرسة.. اجتمعوا عليه.. وأشبعوه ضربا لكونه كافر يعبد الشيطان..

من قال لهم؟

من حرضهم؟

ما هو دور مكتب الأمم المتحدة الخاص باللاجئين في المدينة؟

لا أحد يعرف..

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد.. قالت لي زوجة صالح.. وهي تستذكر المزيد من التفاصيل عن تلك الأيام..

هجموا علينا في الليل.. طردونا من المسكن.. فلجأنا في ساعة محنة الى بيت موظفة تدعى (شريفة) تعمل في مكتب الأمم المتحدة.. طلبنا النجدة وتوفير الحماية لنا وللأطفال..

بعد أشهر.. تلقينا أوراق ومعاملة السفر الى أمريكا..

سمعنا بوصول صالح وعائلته الى أمريكا من دون اية تفاصيل.. لم نكن نعرف شيئاً عن معاناتهم وما واجهوه من صعوبات ومخاطر حدثت معهم في باكستان…

ياهو يا صالح.. أمريكا مرة واحدة..

صالح تمكن من الوصول الى امريكا مع عائلته.. بعد عدة سنوات تحتسب من العمر..

أيّ عمر هذا!

لم تنقطع اخباره من أمريكا.. بقينا نتابع الكثير من التفاصيل عن حياته.. كبر الأطفال أصبحوا شباب وشابات.. تزوجت احدى بناته.. ومن ثم لحقت بها الثانية.. وهكذا بقية من كبر من الأولاد..

كانت الفرصة المباشرة بعد سقوط النظام الدكتاتوري..

 تهيأت للسفر للعراق في نيسان 2004 بعد عام من زوال نظام البعث والحروب.. كنت اخطط لنقل رفاة الشهيدين خليل سمو خلو ـ أبو فالنتينا وكواش خدر عليّ آدو ـ أبو سمرة من منطقة سماقولي)..

واصطحبت معي مجموعة من شباب ورفاق منظمة بحزاني في سهل الموصل.. بالتنسيق مع رفاق كويسنجق.. وكان من بين الذين بادروا للمجيء صالح العائد من امريكا.. الذي رافقنا بكاميرته وسجل تفاصيل البحث عن رفاتهم.. وخلال تلك الفترة حدثني عن جزء من معاناته وكيفية تنقله وعبوره الحدود لمجموعة دول قبل وصوله الى أمريكا.. 

وبقي يتواصل معي ومع غيري لغاية مغادرته أمريكا ووصوله الى المانيا.. ليبدأ فصل جديد من معاناته بعد انْ ابتعد عن بناته وابناءه.. وأصبح يعاني مما آلت اليه الأمور معهم.. بحكم تشكيلة زواجهم من جنسيات جمعت بين العراقي والمكسيكي.. كانت صعبة الاستيعاب عليه ولم يتمكن من هضم هذا الخليط الإنساني المفروض عليهم بحكم الغربة والتشتت والانتقال المفروض عليهم.. وبقيت زوجته وحدها معه في محطة غربته الجديدة والأخيرة حيث “استقر” في مدينة أولدنبورك ـ المانيا.. كان حينها صالح يتمزق من داخله.. بعد ان خسر كل شيء.. وأصبح مدمناً على الخمر.. يتجنبه المحيطون به من أقرب الأصدقاء والمعارف.. وبقيت اتواصل معه لغاية وفاته بداية عام 2015..

كان رحيلا محملاً بالكثير من الأحزان والهموم..

يا لأحزان وهموم صالح..

يا لتفاهة هذا الكون الذي ضاق بصالح

يا للذين أجهضوا طموحات واحلام صالح..

صالح لم يمت.. صالح قتل.. فمن هو القاتل يا ترى؟

ــــــــــــــــــــ

صباح كنجي

نيسان 2022

ـ مقتطف من حكايا الأنصار والجبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*