الفصل الأخير
من
أستعراض بعض جوانب الفلسفة التي تؤمن بها الأيزيدية ، يتضح لنا بما لايقبل
الشك أنهم يعتقدون أن الله هو الخالق الأزل ، وان الله خالق الكون
والملائكة والبشر ، وأنه زرع الخير في عقول وقلوب الناس ، وان الله سخر
الملائكة لتدبير أمور الكون ، وأن الأنسان حينما يموت فانه يحل في جسد آخر
حتى يحل يوم الحساب الاخير ، حيث يعتقدون ان روح الأنسان لاتبقى هائمة أو
مؤجلة انما يتم تطبيق العذاب الأول عليها قبل أن يحل الحساب الأخير ،
والروح الخيرة تحل في جسد سعيد ومرتاح ، والروح الشريرة تحل في جسد حيوان
او غيره من الهوام ، وأن ( طاؤوس ملك ) هو أحد الملائكة المقربين جداً الى
الله ، وتعتقد الأيزيدية بان الله يملك ان يرفع الشرور عن الناس ويمنعه
عنهم ، مثلما يستطيع ان ينشر الخير بينهم ، ويستطيع ان يأمر فيكون له
الأمر ، ولذا تكون الأدعية وهي عبارة عن مطالب ينشدها الأنسان من الله ،
مباشرة او بواسطة الاولياء ، ومثلما لاتؤمن الأيزيدية بأن الملاك ( طاؤوس
ملك ) هو المكلف بنشر الشرور بين البشر ، ولايمكن أن يتسلط كملاك لينشر
الشر وفق سلطته تلك ، لأن الشر نتاج تصرفات الأنسان .
كما ان
الأيزيدية تؤمن بأن الله كتب لكل أنسان كتابه وكل مايحدث هو من عند الله في
الولادة والزواج والوفاة لاخيار للانسان فيها .
وأن
فكرة الطاؤوس ملك هي فكرة قديمة بقيت متلازمة مع حياة الأيزيدية ، وتعتبر
الطقوس التي يمارسها الأيزيدية جزء مهم من الموروث الشعبي الأيزيدي التي
يحرص على ممارستها ، تتشكل من خلال الاعراف الأجتماعية المتوارثة أو من
خلال ما فرضته المقدسات في ديانتهم .
وشكلت
حصيلة القرون الفائتة من حياة الأيزيدية علاقة جدلية بين الناس وتمثال
الطاووس ملك ، كما شكلت السنوات الغابرة تمسكاً يشتد كلما أشتد الزمن قساوة
ومحنة ضدهم ، فقد ميزت الشخصية الأيزيدية تمسكها بطقوسها البسيطة ،
بالإضافة إلى ما سطرته الأساطير الشعبية من مشاعر أنسانية وأحاسيس ومفاهيم
ذات دلالة أخلاقية ، جميعها تتعلق بشروطها التاريخية التي تدخلت في تلك
الأساطير .
كما
تميزت الشخصية الأيزيدية بالأنغلاق والخشية وفقدان الثقة ، من خلال الحملات
الدينية او العسكرية المستمرة ضدهم ، وساهمت تلك الأمور في تراجع الوضع
الثقافي والديني ، وضيعت عليهم العديد من القضايا التي يمكن ان تساهم في
تثبيت معالم ديانتهم ، وتطوير موروثها الأجتماعي ، وتوضيحها بشكل عريض ،
كما يحدث اليوم بعد زمن مرير .
ويمكن
متابعة المحن العديدة التي جرت ويلاتها على الأيزيدية والتي أريد منها على
الأقل تغيير ديانتهم والتحول عنها جبرا وقسرا ، بالأضافة الى ترك ممارسة
الطقوس الدينية الرمزية المتمثلة بطاؤوس ملك وغيرها من الطقوس الدينية ،
وبالأضافة الى محاولات تغيير قومية الأيزيدية التي مارستها ضدهم سلطات
غاشمة لأسباب سياسية ، سواء بالترغيب او بالترهيب ، وبعد أستعراض هذه المحن
نستطيع ان نقول بأزدياد تمسك الأيزيدية بشكل لافت للنظر بممارسة الطقوس
الدينية بحكم التزاماتهم الدينية وأيمانهم ، وتمسكهم أكثر بديانتهم رغم كل
ماتحمله الأيزيدي ومالاقته الديانة من تعسف وظلم ، والأصرار على التمسك
أيضا بقوميتهم الكردية بأعتبارها الحقيقة التي لم تستطع جهات عدة ان تغيرها
، ليس بنتيجة رد الفعل أنما بسبب تغلغل العقيدة ورمزيتها في عمق النفس
الأيزيدية ، وبسبب حقيقة تلك القومية وأرتباطهم بها ، والتي تؤكدها كتبهم
الدينية وترانيمهم وأناشيدهم المكتوبة بالكردية ، بالإضافة إلى عشائرهم
الكردية الأصيلة .
وقيلت
العديد من الأفكار والأتهامات بحق ديانتهم وبحق طاووسهم ورجال دينهم وبحق
جميع رموزهم ، الا أن التطور التاريخي والأجتماعي والثقافي أظهر أن العديد
من هذه الاتـهامات لاسند لها من الصحة ، فالأيزيدية لاتعتبر الطاووس ملك هو
الله لأنه لايرقى الى مستوى الاله العظيم ، وانه الملاك الكبير والقريب الى
الخالق حسب مايعتقده الدين الأيزيدي ، وهو نفسه رئيس الملائكة ، ويتحدد في
موقعه الكوني من خلال قربه من الاله الكبير .
يقول
الأيزيدي في الدعاء :
يارب
أنت الاله !
يارب
انت رب السماء
رب
الشمس والقمر
رب
جميع المخلوقات
انك رب
العطاء
يارب
انت خلقت نفسك بنفسك
وفي
دعاء آخر يذكر في ( قولي طاووسي ) ضمن دعاء الطاووس ملك :
"ربِّ،
ملك الملك الكريم.
ملك
العرش العظيم.
ربِّ
قديمٌ منذ الأزل.
ربِّ
قدس الأقداس.
لك
المديح والثناء.
ربِّ،
كلُّ الجهات،
تؤدي
إليك..
يارب
العالمين"
إن
هذه السبقات تؤكد بجلاء تداخل سيماء شخصية خوده دي/الإله، مع سيماء شخصية
طاووسي ملك، إلى درجة الحلول والتماهي. ففي ذات الوقت الذي يُنظر إلى
طاووسي ملك لاهوتياً، على أنه ذاته في مستوىً، يُنظر إليه على أنه
الآخر/الله (خوه دي) أيضاً في مستوى ثانٍ، ورغم أن السبقات المارة ذكرها،
هي مقاطع من (( قه ولي طاوسي مه له ك/دعاء طاووس ملك )) ، إذ يبدو فيه هذا
الإله على أنه ذاته في مستواه الأول، فإن الملامحَ التي يستقرؤها
المرء/القارىء من بين ثنايا النص ودهاليزه، هي ملامحُ الإله الراجح في
مستواه الثاني، أي ملامح طاووسي ملك بكونه الله ذاته/ خوده دي. لهذا يصعب
على الإنسان الإيزيدي، الفصل بين حدود إيمانه بالله وحدود إيمانه بـ طاووسي
ملك، فالتعالق الميثي بين شخصية الله، وشخصية طاووسي ملك في وعي الإيزيدي،
له مرجعيته اللاهوتية والأثيولوجيـة الضاربة في أعماق التاريخ والإسطورة
على حد سواء. ( 1 )
يقول
الكاتب الدكتور خليل جندي :
تكاد
تكون مسألة طاؤوس ملك أو أبليس كما ينعته المخالفون للديانة الأيزيدية ، من
أعقد المسائل التي عالجتها ميثولوجيا الشعوب ومن ثم الاديان ، وهي قديمة
قدم ظهور الافكار الدينية ، وهناك فرق شاسع بين تصورات الديانة الايزيدية
حول فكرة امتلاكهم طاؤوس وبين اتهامات الديانات المخالفة لها . ( 2 )
ويعتقد
الايزيدية بان الله خلق ( طاؤوس ملك ) في أول يوم اربعاء من شهر نيسان
الشرقي ، ولهذا يحتفل الايزيدية بهذا اليوم في كل عام ، بأعتباره عيداً
لرأس السنة ويسمونه ( سرصالي ) ، ويسميه بعض عيد ملك الزين أوالاربعاء
الاحمر ، وبهذا العيد تبدأ السنة الجديدة الشرقية الايزيدية حيث تسبق
السنة الميلادية بـ 13 يوماً .
أن
فلسفة الديانة الأيزيدية تخالف الديانة الأسلامية في قضية الخلق ومخالفة
أمر الباري بالسجود لآدم ، حيث تعتقد الأزيدية أن الله جل وعلى أراد أن
يختبر ذكاء الملاك عزازيل ( والذي هو طاووس الملائكة ) ، حين أمره أن يسجد
لادم ، وهو الذي كان قد أمر الملائكة أن لايسجدوا لسواه ، فخر الملائكة
جميعهم ساجدين الا عزازيل ، ولما سئل عن أسباب الأمتناع عن السجود ، برر
للخالق بأنه لايسجد لغيره مهما كانت قيمته ومنزلته ولايمكن أن يساويه مع
مخلوق من طين ، كما أنه أي الملاك عزازيل مخلوق من النور كجزء من الذات
الألهية ، ولايمكن للنور أن يسجد للتراب أو للطين ، وبهذا تعتقد الأيزيدية
أن الملاك عزازيل نجح في الأختبار وأمره الباري بتدبير أمور الدنيا . اما
الأسلام فالقصة تخالف تفسير الأيزيدية ضمن نص مكتوب في سور القرآن الكريم .
غير أن
مايوضح فكرة الأيزيدية ويزيدها تبسيطاً يكمن في عدم تقبلهم الشتم والنعت
بأي صفة أو صيغة كانت ، لذا فهم لايشتمون أي ملاك أو أي شيخ أو ولي أو أي
دين أو مذهب ، بل يرفضون البصاق على الأرض لما لقدسية التراب عندهم .
غير أن
المهم في الأمر متابعة التاريخ الحقيقي لقضية التماثيل التي يصر الأيزيدية
على أنها كانت سبعة سناجق وأن لكل منطقة تمثال ، وكنتيجة طبيعية للغزوات
والمعارك التي خاضتها الأيزيدية ونتيجة للأخفاء والطمر فقد فقدت منهم ولم
يتبق منها سوى أثنين .
كما
تشير الأشكال الموجودة فعلاً لطاووس ملك أن اشكالها قديمة وتتمتع بالبساطة
، مثلما تتميز الطقوس التي تمارس وفقها بالبساطة أيضاً ، ومن يتمعن في تلك
الطواويس يدرك بشكل لالبس فيه ، انها تماثيل تعود إلى عصور قديمة لبدائية
أشكالها وبساطة تكوينها .
ولم
تكن الطقوس التي يقوم بها الأيزيدية بحضور تمثال ( الطاؤوس ملك ) بمعزل عن
ديانتهم ، حيث يشكل الطاووس فصلاً خاصاً يدخل فيه بعض خصوصيتهم ، مما
يستوجب محاولة القيام بالكشف عن الصلة والتأثير المتبادل في الآراء بينهم
وبين الديانات الموغلة في القدم أولاً ، وبينهم وبين الديانات التي التزمت
أحكامها بقصص مغايرة ومختلفة عنهم ونقاط الألتقاء معهم .
وتتميز
الايزيدية باعتقادها بتعدد الالهة الاعوان ، أي الملائكة الذين سخرهم الرب
لأدارة شؤون البشر ، وهذه الملائكة جميعهم يتبعون رئيساً لهم من أقربهم الى
الله وهو الطاؤوس ملك أو عزازيل فهو رئيس الملائكة ، ويبدو أن ظاهرة
الأيمان بوجود ملائكة متخصصين بشؤون البشر يرجعون في تصرفاتهم الى الله ،
ظاهرة موغلة بالقدم وقد ترتبط بالظواهر الأيمانية والأعتقادية التي كانت
سائدة في المنطقة منذ القديم ، حيث كان أله للشمس وأله للقمر وأله للفيضان
واله للظلام مثلما هناك اله للظلم واله للحرب ، كما تتميز الأيزيدية كونها
ديانة منغلقة على نفسها لاتقبل الانتماء والأنضواء تحت عقيدتها من قبل
الأغراب ممن كان من دين آخر وترك دينه أو طرد لشتى الأسباب ، حيث أن
الأيزيدي يشـترط ان يكون مولوداً من ابوين أيزيدين ، كما يخرج من ديانتهم
أي رجل تزوج أمراة من غير الأيزيدية أو تزوجت المرأة غير الأيزيدي .
تشكل
قضية البداء التاريخي لظاهرة الطاووس ملك مسألة غاية في الصعوبة لعدم توفر
المصادر التي تشير الى هذا الجانب أولا ، وعدم وجود كتب دينية مكتوبة
للأيزيدية يتم إعتمادها والأستناد عليها في الوقت الحاضر ثانياً ، بالاضافة
الى الأعتماد في المرويات من القصص على حفظ رجال الدين الشفاهية ، وحيث أن
الطقوس لابد لها من جذور نبعت منها ولايعقل ان تكون قد حلت سائبة دون أساس
، كما أنه لايمكن معرفة التفاصيل والمعاني الدقيقة لهذه الطقوس مالم يتم
الكشف عن أسس الرمزية ومدى متانة علاقتها بالعقيدة أو مدى ما أخذته من
الأساطير بحكم التراكم الزمني والأستمرار في الالتزام بممارستها .
وظاهرة
مثل ظاهرة زيارة الرمز الديني لتمثال الطاووس كل عام من مكانه الى القرية
التي سيحل فيها وأحتفاء الناس بحامل الرمز ومسايرتهم للموكب ، تشابه الى
حد ما مواكب العراقيين القدماء حين يسايرون المواكب الدينية حتى المعابد ،
والطقوس التي تمارسها الأيزيدية لم تأت من فراغ أنما تستمد اساسها من طقوس
بدائية قديمة .
يقول
الكاتب هوشنك بروكا من المانيا :
((
بالرغم من علوِّ شأن طاووس ملك، بإعتباره إلهاً كلي القدرة في الديانة
الإيزيدية، إلا أنه لايزال كفكرة لاهوتية أصلية، يعوم في جو من الضبابية
والسرّانية الملغزة، سواءً على مستوى الباحث الخبير، أو على مستوى المؤمن
المستسلم لأقداره. قلّةٌ قليلةٌ من الباحثين والدارسين، حاولوا الإبحارَ في
هذا "الشمال"، ربما لصعوبة عبوره، فبات شمالاً إشكالياً بين كَرِّ الخالق،
وفَرِّ المخلوقِ. لذا فطرقُ باب موضوع شديد الحساسية كهذا، لا بدّ وأن
يفتحَ المجالَ أمام العديد من الإشكاليات. وأولى هذه الإشكاليات، هي
إشكالية المصطلح، وفي خصوص الإشكالية الإصطلاحية حول أصل فكرة طاووسي
ملك/تاوز، )) .( 3 )
وحقاً
أن الموضوع شائك ومتعدد الأشكاليات ، ولم يتطرق اليه بشكل تفصيلي أحد من
الكتاب الذين تناولوا موضوعات الأيزيدية ، أذ جائت أغلب الدراسات بشكل عابر
وبشكل غير تفصيلي ، يبتعد عن معالجته العديد من الكتاب ، ويعتبر التعرض له
نوعا من المغامرة او التوريط ، وقد يكون الكاتب بروكا والدكتور خليل جندي
على حق في عدم الغور بعيداً في هذا الجانب القديم ، والذي يحتاج الى بحث
أكثر عمقاً وأبعد غوراً لأستكشاف حقائق عديدة مدفونة ضمن تلال الأيزيدية ،
التي بالغ الأعداء في طمرها وتعمد اخفائها في صفحات التاريخ القديم والحديث
، غير أن عملية البحث عن الحقيقة لاتمنع من الغور بعيدا في تلك الجوانب ،
بالإضافة إلى محاولة أيقاد شمعة في البحث ضمن النفق المظلم ، لتنير الطريق
لما سيكتبه المستقبل .
فقد
تعرضت الأيزيدية ورموزها وحتى طقوسها للأفتراءات والكذب والتشنيع ، وكما
تعرضت أرواح معتنقيها للفناء والقتل والذبح بسبب العقيدة ، فقد تعرضت
رموزهم الدينية البسيطة بما فيها التمثال الخاص بطاؤوس ملك الى المصادرة
والسرقة والأتلاف ، اسوة بكل المقدسات التي كانت تتعرض للتخريب المتعمد
والأنتقام المريض البعيد عن العقل والوجدان .
وتقع
على عاتق علماء الآثار والمؤرخين والمهتمين بكتابة التاريخ منهم ، مهمة نفض
غبار هذه الأقاويل ، واماطة اللثام عن الوجه الحقيقي لهذه الديانة وطقوسها
البدائية البسيطة في حضارات هذه المنطقة القديمة، ودورها في قيام الحضارة
منذ بزوغ فجرها أبان العصور الحجرية ومن ثم العصور التاريخية اللاحقة .
ويبدو
أن أسم عزازيل لم يأت من اللغة العربية ، فقد اقتبس المسلمين من اليهود
لقب ملك الموت الذي يطلقونه على الملاك عزرائيل لأن اليهود يطلقون عليه هذا
اللقب بالعبري. ويتفق الفريقان على اسم هذا الملاك، ولا يوجد بشأنه سوى
اختلاف زهيد بينهم . فاليهود يسمونه (سمائيل) والمسلمون يسمونه ((عزرائيل
)) . غير أن كلمة ((عزازيل )) ليست عربية بل هي عبرية، ومعناها ( نصرة
الله ) . ولم يرد اسم هذا الملاك في التوراة والإنجيل ولا في القرآن .
فيتضح أن اليهود اقتبسوا معلوماتهم عنه من مصدر آخر، والأرجح أن مصدر
معلوماتهم هو (( الأفِستا )) ، التي ورد فيها أنه : إذا وقع إنسان في
الماء أو في النار أو في أي شيء من هذا القبيل فغرق أو احترق، فلا يكون سبب
موته الماء أو النار، بل ملاك الموت ، لأنهم زعموا أن عنصري الماء والنار
صالحان ولا يؤذيان الناس. ويسمى ملاك الموت بلغة الأفِستا . (انظر كتاب ((
الونديداد )) (فصل 5 الأسطر 25-35).
يتضح
من الأحاديث ومن كتب الزرادشتية أن الطاووس وافق من بعض الوجوه عزازيل الذي
هو أهرمن، لأنه ورد في (( قصص الأنبياء )) أنه لما جلس عزازيل أمام باب
الجنة ورغب في الدخول فيها رأى الطاووس الذي كان جالساً على الجنة واحداً
يتلو أسماء الله العظمى الحسنى. فسأله الطاووس: من أنت؟ فقال له: أنا أحد
ملائكة الله. فسأله الطاووس: لماذا أنت جالس هنا ؟ فقال له عزازيل: أنظر
الجنة وأتمني الدخول فيها. فقال له الطاووس: لم أؤمر بإدخال أحد إلى الجنة
ما دام آدم عليه السلام فيها. فقال له: إذا كنت تأذن لي بالدخول فيها
أعلّمك صلاة من تلاها نال ثلاثة أشياء: أحدها أنه لا يكبر، وثانيها أنه لا
يصير عاصياً، وثالثها أنه لا يطرد من الجنة . فأخبره إبليس بهذه الصلاة
فتلاها الطاووس فطار من سور الجنة إلى الجنة ذاتها وأخبر الحية بما سمعه من
إبليس. وذكر بعد هذا أنه لما أهبط الله آدم وحواء وإبليس من الجنة إلى
الأرض طرد الطاووس معهم أيضاً. أما قصة الطاووس في كتب الزرادشتية فتختلف
عن هذا .
ومهما
كان الأمر في هذه القصص أو في تعدد الأسماء التي أوردنا قسم منها ضمن بحثنا
هذا ، فأن التجسيد الرمزي لتمثال الطاووس الموجود حالياً بحوزة الأيزيدية
لايمثل قطعاً الدلالة على كونه يمثل الاله الكبير الذي يطلق عليه باللغة
الكردية ( خودا ) وهو الله العلي القدير باللغة العربية ، وأنما تجسيد ورمز
لطاووس ملك بأعتباره الملاك المقرب الى الله ، وكذلك بأعتباره رئيس
الملائكة المتميز عليهم .
وأن
قصة عبادة الطاووس بديلاً عن الله لاسند لها من الواقع في الديانة
الأيزيدية ، حيث تؤكد الأيزيدية بما لايقبل الشك عبادتها لله الواحد الأحد
خالق الأكوان والأنسان والحيوان والملائكة ، وأن الملائكة يستمدون وجودهم
من نور الله ومن ذاته الالهية ، أن طاؤوس ملك هو كبير الملائكة ورئيسهم
وانه مخلوق من النور ، وأن المجموعات التي خرجت في مناطق من الشرق العربي
أو في أوربا تعبد أبليس أو الشيطان أو تقدسه بأي شكل كان وبأي صفة كانت
لاتمت لهم بأية صلة .
كما أن
الأيزيدية لاتقبل هذه المجموعات في دينها مطلقاً لكونها من الديانات
المغلقة المقتصرة على ابنائها ، ومن غيرالديانات التبشيرية ، لذا فأن
الأتهامات والتخرصات التي توجه لهم بسبب ظهور بعض المجموعات والأرهاصات
الدينية أو العقائدية لاتتعلق بديانتهم ولايتحملون نتائجها ، بالرغم من
أستغلالها أستغلالا سيئا من قبل بعض الكتاب ورجال الدين وبعض الصحف العربية
.
ولم
تكن فكرة الرمزية التي أتسمت بها الطقوس الأيزيدية بعيدة عن الممارسة
الدينية للجماعات المتوطنة في الشرق ألأوسط او الديانات القديمة في الشرق
عموماً ، فقد كانت تلك المجموعات على الدوام تعتمد الرمزية في طقوسها وفي
عباداتها .
ويمكن
ان نخلص الى أن الأصل في الديانات هو إلأحساس الكامن في أعماق النفس
الإنسانية ، وهذا الإحساس نابع من جذور عميقة تتداخل فيها بالأضافة الى
مكونات النفس البشرية والتقبل الروحي للعقيدة فأنها تتأثر بشكل واضح
بمحيطها الأجتماعي والأنساني ، لتظهر على شكل تعابير وطقوس وترانيم وعبادات
تكون العقيدة أساسها بشكل كامل وكلِّي، ثابت لايمكن ان يتغيَّربيسر وسهولة
مهما كانت قوة المتغيِّرات ، ومن خلال ثباته يمكن ان تظهر المتفرعات و تنشأ
المتحوِّلات ولكنها لايمكن ان تلغي العقيدة برمتها . ويمكن ان نعتبر الطقوس
والرموز في أية ديانة من الديانات جزء ميثولوجي من العلاقة الانسانية بين
الأعتقاد المادي والروحي ، وحيث تحل في الذهن فكرة الإله الواحد ، فأن
الأيزيدية التي ظلمت وأخفيت حقيقة عبادتها وتوحيدها لله الواحد الأحد ، من
ضمن هذه الديانات التي تلتزم بالقـيم الروحية ، وتتداخل فيها الطقوس
والرمزية ، بحيث أضحت الرمزية جزء من مظاهر ومعالم هذه الديانة ، تشكل جزء
من الأعتزاز الشعبي والأعراف الدينية التي تحيط بها ، وتعكس أتباع الديانة
الأيزيدية ذلك في التبجيل والقدسية التي يظهرها الناس خلال زيارة الطاؤوس
ملك الى القرى الأيزيدية ، والذي يشكل ويجسد الصور والرموز. هذه الصور
والرموز تعني الميثولوجيا الأيزيدية والأيمان الروحي .
وليس
فقط الأيزيدية من يشغلها الطاؤوس ملك أو عزازيل ، إنما أنشغل الصوفية من
المسلمين بذلك أيضا ، ويذكر أن الحلاج ، الحسين بن المنصور المتوفى 309 هـ
/922 م يقول في طواسينه :
جحودي
فيك تقديس وعقلي فيك تهويس
ومـــا
آدم الاك ومن في البين أبليس
وليس
أدل من أرجاع كل متطور وجديد في الحياة من قبل رجال الدين إلى أبليس ،
وربما ان القوة الخارقة التي يصنفها بعض رجال الدين اليه والى أتباعه ،
دليل على حجمه في العقل البشري وخصوصا في الدائرة التي يعيش ضمنها
الأيزيدية .
ولعل
العزوف عن التطرق عن حقيقة الديانة الأيزيدية عموما من قبل كتاب التاريخ ،
ما يجعل تلك التخرصات والأتهامات غير الحقيقية تطغي وتنتشر ، فقد أضفت كتب
التاريخ سحابة من الغيوم حول حقيقة هذا الدين ، وعن حقيقة الرمزية في طاؤوس
ملك ، وظهرت تلك الأفكار التي تعاديهم وتعلن عدم حياديتها في محاربتهم ولو
بالكلمة والتدوين التاريخي .
لايختلف أحد على أن الأيزيدية من الكورد ، وكانوا ولم يزلوا وسيبقون في
منطقة كوردستان العراق ، وانتشروا أيضا في مناطق تركيا وسوريا وأرمينيا ،
وأنهم يؤمنون بديانة لها خصوصية تعيش جنبا الى جنب مع العديد من الديانات
القديمة في المنطقة ، وان هذه الديانة تجعل لبقعة من الأرض معينة في
كوردستان قدسية كبيرة ، وهي منطقة لالش ، ولهذا فأن مركز الديانة الأيزيدية
تكون ضمن هذه الدائرة .
ولا
يختلف احد أيضا على الوقعات التاريخية التي جرت عليهم ، والمجازر والمذابح
التي تحملها مجتمعهم بسبب تمسكهم بعقيدتهم وعدم التحول عنها بالقوة والقسر
، ولم تزل تتحمل النكبات والويلات التي تقترفها عقليات متطرفة ومنحرفة لحد
اليوم .
غير
أن أحدا لم يسأل نفسه عن الأسباب التي دفعت المؤرخين وكتبة التاريخ إلى
إلغاء وشطب كل ما له علاقة بالتأريخ اليزيدي ، فلا حضور للأيزيدي في كل
المتغيرات التاريخية ، ولا أثر للأيزيدي في مراحل التاريخ القديم والحديث ،
بالرغم من أن الكتابات التاريخية التي كتبت عنهم عبرت عن وجهة نظر غير
محايدة ولا تمثل الحقيقة ، وصارت تلك الكتابات التاريخية ما توزعهم دون
غيرهم على القوميات ، فصيرتهم مرات عدة على أنهم عربا مرتدين عن الإسلام ،
وأعتبرهم آخرين مسيحيين حرفوا العقيدة المسيحية ، وأعتبرهم بعض على أنهم
بقايا الزرادشتيين على أرض العراق ، وغالى بعض في اعتبارهم من عبدة الشر
والشيطان فأستحقوا اللعنات .
والأيزيدية دون غيرها كانت مستهدفة في ديانتها أكثر من مجتمعها ، وصارت
مثار خلاف حول حقيقة منشئها وتكوينها ، وأعتبرها بعض الكتاب أنها الديانة
الأكثر تقاطعا وتعارضا مع الإسلام ، في طريقة العقيدة والسلوك والأيمان
دون ترتيب السندات التي تعرض لهذا التقاطع ، ودون أي دليل يؤكد هذا
ألاتهام .
فإذا كانت الأيزيدية حركة أموية نشأت من داخل بنية الدولة العربية
والإسلامية ، فلماذا تقتصر على الأكراد دون العرب ، وهل توقف عملها من اجل
إحياء تلك الدولة المندثرة ؟ وهل اتفق الأيزيدية اليوم على إسقاط تلك
الفكرة السياسية من مناهجهم ؟ وأين انتهت تلك الدعوة ، بل وأين صار
الأيزيدية منها اليوم ؟ وهل يعقل أن تكون الأيزيدية منشقة عن الإسلام بسبب
تعصبها للخليفة الأموي يزيد بن معاوية ؟ حيث تم استغلال تشابه أسم
الله ( أيزيد ) مع أسم الخليفة الأموي ( يزيد ) للطعن والتنكيل بهم . ثم
الم يحن الوقت لنكشف عن عدم وجود ترابط بين الأساس الديني والفلسفي
لديانتهم وبين الدعوة السياسية المزعومة ؟
وإذ
تكشف الأيزيدية اليوم للناس حقيقة أيمانها وتمسكها بالخالق ، والتي تتطابق
في حدود الأيمان مع كل الديانات التي تؤمن بالله ( خدا في الكوردية ) وتؤمن
بالتوحيد ، وإذ تكتشف الناس مدى تطابق العديد من القيم التشريعية والدينية
العامة مع الديانات الأخرى ، فتتوضح قضية التداخل والتلاقح بين تلك
الديانات في العديد من القيم والأعراف والطقوس ، بعيدا عن استبعاد ديانة
على حساب الأخرى .
وإزاء التجاذب القومي أوالديني الذي يريد أن يضم الأيزيدية تحت معطفه ، أو
بروز المصالح السياسية التي تتجاذب قضية الانتماء الأيزيدي وفق الظروف
والمكان والزمان ، تبدو أهمية الأيزيدية واضحة في كل هذا بالرغم من كل
التجاهل التاريخي أو التعتيم الذي مورس ضدهم في كتب التاريخ القديم والحديث
.
وإذا
كانت الأيزيدية من الديانات التي تؤمن بها مجموعة بشرية ، فهل يعقل أن يتم
حصر تلك الديانة التي قاومت كل تلك الأحداث والهزات ضمن حيز جغرافي وتأريخي
؟ في حين نجد أن العديد من أبناء ديانات أخرى لهم التأثير والحضور في
الفترات المختلفة للزمن القديم والمكان ، وحين ندقق في الصراع التاريخي
الذي حصل بين الديانات ، لانجد ذلك التعرض الواضح ضد الديانة الأيزيدية ،
فهل أن أبناء الأيزيدية كانوا يختبئون في مجاهل الأرض وغابات أفريقيا حتى
يمكن أن يتمسكوا ويصمدوا ضد عاديات الزمن ؟ وهل أن ابناء الأيزيدية كانوا
غائبين عن الوعي حتى يمكن أن يبقوا تحت الأرض ليتعرفوا على ما يجري فوق
ألأرض ؟
بالتأكيد أن ثمة حقائق مخفية ومغيبة عن ضمير من كتب التاريخ ، فقد تم تغييب
ليس الأيزيدية باعتبارها ديانة قديمة وتتمسك بها مجموعة بشرية ، إنما تم
تغييب الكورد بشكل عام عن حقائق كثيرة من التاريخ ، ولم يلتفت احد الى تلك
الكلمات السومرية والأشورية والبابلية والاكدية التي لم يزل يتعامل بها
الايزيدي سواء في تعامله اليومي أو في طقوسه الدينية ، وماهي أسباب بقاء
تلك الكلمات المتطابقة ؟
وإذ
يتم تحريف الاسم بغية التناغم والانسجام مع وجهة نظر التاريخ المكتوب من
وجهة نظر واحدة ، فيصيروا ( يزيدية ) بدلا من ( ايزيدية ) ، ويتم نسبتهم
الى يزيد بن معاوية أو الى يزيد بن انيسة الخارجي حسب مقتضى الحال ، مع أن
كتاب ال