القسم الأول

    الجذور  
 

    كمدخل للغور في عمق الديانة الايزيدية لمن يريد التعرف على تفاصيل اكثر سعة وعمق للكشف عن تاريخ نشوء هذه الديانة العريقة والغارقة في القدم ، والتعرف على بعض المداخل والقضايا التي تغيب أحياناً عن البحث والتقليب في التأريخ الأيزيدي القديم ، ينبغي التوقف ملياً أمام ظواهر لايمكن لها ان تكون عابرة في الميثيولوجيا الايزيدية أو في ثنايا التأريخ المطمور .

    مما يوجب علينا متابعة جذور الأسس الروحية والفكرية لهذه الديانة الغارقة في القدم والتي تجد لها الأمتداد والترابط المتبادل والقوي ، من خلال الأعتقاد بالالهة المتعددة التي تتشكل دون الاله الكبير ( الله – خودا في اللغة الكردية ) ، وان عدد هذه الملائكة الأرباب المتعددة سبعة ( مع أهمية أعتماد الرقم سبعة في جميع الديانات ) ، ومن خلال تقديس بعض الظواهر الكونية ، ومن خلال الأيمان بالحلول والتناسخ في اعتقاد اتحاد اللاهوت بالناسوت ، نستطيع الاستنتاج بقدم الوجود الديني الأيزيدي ، إذ لايمكن الاقتناع أو القبول بوجهة النظر التي تقول أن مثل هذه الديانة تؤسس من الفراغ أو انها تشكلت من المجهول ، او أنها تكونت بالصدفة من رغبات شخصية أو ذاتية ، أو أنها ديانة حديثة أو نزعة سياسية تشكلت بعد الخلافة الأموية ، ومن يقرأ جزء من أسس الديانة الأيزيدية يستطيع ان يتلمس معالم ديانة لها جذور ، تدعو الى توظيف حركة الأنسان في الدنيا باتجاه أعمال الخير ، كما تنظم حياته وعلاقاته الأجتماعية وفق هذا الأساس ، وتضع معايير ثابتة لأعمال الحلال والحرام ، والذاتي دائماً يعتريه الخلل والنقص من خلال محددات الرغبة والقصد ، وغالباً ما ينتهي ويضمحل مع انتهاء الذات التي شكلته أو التي ساهمت في تكوينه لأنه يرتكز عليها ويستمد ديمومته منها ، غير أن المقياس الذي نستطيع أن نرسمه في سماء مثل هذه الديانة القديمة ، هي قضية التوحيد والأيمان بأن الله واحد وهو الخالق الأزل الذي خلق الكون وجلس على  عرشه فوق الماء ، وتتمسك الأيزيدية بالتكوين التدريجي ، أذ تؤمن بأن الله خلق عدد من الملائكة ، وكل ملاك له وظيفته واختصاصه ، كما تؤمن الأيزيدية بأن الله خلق الكون من العناصر الأربعة ، وهي الماء والهواء والتراب والنار ، ومثل هذا الأيمان الدقيق في تفصيل اهمية المواد التي تتشكل منها الحياة ، لايأتي اعتباطا  ،  أنما تتكون من خلال دلائل عميقة تؤكد معرفة تفصيلية بالعقيدة والخلق وتفاصيل الكون بالإضافة إلى القيم والنصوص التي تحدد موجبات العمل الإنساني وتؤشر معالم المطلوب من الإنسان في الحياة الدنيا .

    ومن اللافت للنظر أن أحداً لم يلتفت إلى عدم وجود دعوات أو أشارات ضمن هذه الديانة تدعو لتمجيد الأمويين أو اعتبار يزيد بن معاوية رمزاً أو مفكراً أو فقيهاً ، والمطالبة بأن تكون الدولة القادمة أموية لتعيد الاعتبار إلى الأمويين أن بقوا في الساحة ، مما يفند جميع المزاعم التي تحاول أن تتهم الأيزيدية بهذا الأمر .

    ثمة من يسأل عن أسماء الأوائل الذين جاهروا بهذا الدين ، والذين نشروه بين الناس ، وثمة من يسأل أن كانت هناك أسماء قبل الشيخ عدي بن مسافر برزت في خضم الصراعات التي واجهت الديانة الأيزيدية ، فأن كان زرادشت قد نشر ديانته في المنطقة ، فأنه واجه الايزيدية التي تشبثت بعقيدتها ، وتباهى الأيزيدية أيضاً من أنهم أول من أبدل عبادة الظواهر الكونية باله التوحيد ، وهم ايضا اول من توصل لفكرة طاؤوس ملك ، فأطلق زرادشـــت على كل من لايؤمن بديانته لقب (  عبدة العفريت  ) أو عبدة الشر ، ويمكن ان يكون زرادشت أول من أطلق هذه الالقاب التي لحقت بالأيزيدية والتي تم ترويجها واستخدامها للنيل منهم وايجاد الذرائع لقتالهم والقضاء على ديانتهم بعده ، إذ لم نطلع على جهة قامت بإطلاق مثل هذه التسميات والصفات قبل الزرادشتية ، ( زرادشت بن يورشب من قبيلة سبتياما ، وكانت أمه لأبيه من أذربيجان، أما أمه فمن إيران واسمها دغدويه )  ، ولد في القرن السادس قبل الميلاد، واختلفت المصادر في التحديد الدقيق لتاريخ مولده ) ، علماً بأن الزرادشتية أتخذت من آلهة الظواهر الطبيعية ملائكة لها بينما تمسكت الايزيدية بالملائكة الخاضعين لارادة الله ، ومن الطبيعي ان يحدث التصادم والتأثير بحكم الوجود الفعلي لديانتين يدين بهما الناس  في المنطقة  ، غير ان الايزيدية بقيت قائمة ولم تتأثر بالدين الجديد بالرغم من الانتشار الواسع للزرادشتية واعتبارها ديناً للدولة الأخمينية والساسانية والميدية فترة لاتقل عن قرن من الزمان ، بينما تراجعت الزرادشتية وانحسرت بشكل نلمسه في الوقت الحاضر ، مع انها ديانة ذات محتوى قيمي كبير وأتساع فكري يجعل لكل شيء حي قيمة ، ويبدو إن العقلية الدينية السائدة كانت منفتحة وواعية وحريصة على التطبيق السليم في أقناع الناس بدلاً من إجبارهم وقسرهم على تغيير ديانتهم ، ولذلك لم نقرأ عن مجازر وحروب وملاحقات وقتل للأيزيدية مثلما حصل لهم في الزمن الحديث ، وبعد ذلك انحسرت الزرادشتية بشكل تدريجي حتى أصبحت غيرذات تأثير فعلي في المنطقة مع بقاء مجموعات قليلة لم تزل تدين وتؤمن بها ، في حين بقيت الايزيدية قائمة رغم مالقيت من مصائب واهوال .

    يقول الكاتب ماكس هورتن في كتابه الفلسفة ( ص 127 ) : ( إن هناك من يذهب ليؤكد ان العقيدة الايزيدية ماهي الا تاكيد لعبادة النور وتمثل طورا للثنوية الفارسية القديمة والتي نراها واضحة المعالم في الزرادشتية والمانوية ) ، ولو كانت الايزيدية كما ذكر ماكس هورتن لصار تقديس الضوء أو النار بديلاً عن الأرباب وبديلاً عن تقديس طاؤوس ملك وحتى عن الخالق الاله  الكبير ، ولكن الأشتراك الفعلي في تقديس الظواهر الكونية دون أشراكها بوحدانية الله فيما ورد حيث يكون الاله الكبير الخالق الأزل فوق جميع الأرباب وتليه المقدسات متدرجة حسب أهميتها وقربها من الاله دليل على تقادم هذه الديانات وأشتراكها في مكونات تناقلتها وألتزمت بها بدليل أن عبادة تموز كانت شائعة في وادي دجلة وفي المنطقة المحيطة بجبل سنجار وحتى نصيبين ( مجلة المقتطف المجلد 49 سنة 1916 ص 325 ) بالاضافة الى الفوارق الكبيرة في تشكيل صفات الاله تموز لدى البابليين وبين صفات وشكل طاؤوس ملك لدى الأيزيدية .

    كما أن أسماء الالهة التي كان يطلقها الأيزيدية عليها ينسجم مع أسماء الالهة السومرية والقديمة ، فالالهة آنو وأنليل ( اله الشمس ) وأنكيدو ونانا وأنانا وآتو  ، والتي تزاحمت فيما بينها ليحل احدها محل الاخر كان كل منها يشير الى معنى معين  في الفكرة الاساسية ، فانانا سيدة السماء والهة النور  ، وتمـوز العائد من الموت دليلاً على عدم فناء الروح التي تعود حتما ،  كما ان انكيدو صار بشرا حين اكل القمح الذي عده القدماء مقدساً وشاركهم الايزيدية بهذا الاعتقاد ، وهذا الأمر يدحض الأفتراض الذي يزعم أن الأيزيدية مذهب منحرف أنشق عن اليهودية أو المسيحية أو الأسلام ، وتمسك الأيزيدية بالتناسخ والحلول دليل على أنها كانت تلتزم بهذا الأعتقاد قبل أن تحل كلا الديانتين  ، إذ تعتقد الأيزيدية أن الحلول والتناسخ جزء من القدرة الإلهية الخارقة في عدم وجود نهاية للإنسان بإرادته ، وهذا الاعتقاد ربما يخالف العديد من الديانات التي سادت في المجتمعات في القرون الأخيرة  حين حل الدين الأسلامي وماقبله من العقائد التي لاتؤمن بالحلول والتناسخ ، ولاتؤمن بأن الروح تتقمص جسداً آخر بعد إن يتوفاها الله ، فأنه وهذا الأمر يقود للأعتقاد بأن الديانة الأيزيدية كانت تعتقد في عقيدتها على خلاف كبير مع الديانات والعقائد الأخرى ويمكن أعتبار  قضية تقديس الشمس في العقيدة الأيزيدية من القضايا التي لم تلتزم بها الأديان المتوالية ، كما نلفت الأنتباه الى قضية غاية في الأهمية تكمن في قضية الأنغلاق الديني للعقيدة الأيزيدية فهي لاتقبل الأنتماء اليها من خارج ابنائها ، كما لاتقبل عودة من خرج منها لأي سبب كان ، بالأضافة الى محرمات صارمة للزواج بين الطبقات الايزيدية نفسها ومع هذا الأمر الصارم بقيت الأيزيدية تتكاثر وتتوسع يوماً بعد يوم ، ولم تتراجع أو تنحسر بالرغم من عاديات الزمن ونوائبه ، ولم تلتزم بهذه الطريقة في محرمات الزواج من الديانات الاخرى سوى الديانة المندائية فقط من بين الاديان ، وهي ايضا من الديانات العريقة والقديمة التي حافظت على قوامها الديني وحيويتها ، كماانها لاتقبل الانتماء اليها من خارج دائرتها ، بينما أحل الأسلام الزواج من الكتابيات غير المسلمات مع بقاء المرأة على دينها  ولا يجوز العكس ، وأحلت المسيحية الزواج من غير المسيحي مع بقاء المسيحية على دينها ، وجعلت اليهودية الأبناء من الزوجة اليهودية المتزوجة غير اليهودي يتبعون دين أمهم اليهودية فهم يهود بالولادة .

    وتشكل فكرة الرمز ربما اشتراك مع بقية الديانات ، غير أن رمزية طاؤوس ملك وما يعنيه ويشير اليه في الميثولوجيا الأيزيدية ، يعبر عن خصوصية هذه الديانة وقدمها ، ومن اللافت للنظر أن يكون الطاووس رمزاً من رموز الديانات القديمة كالديانة السومرية وكان على الاغلب يمثل فكرة الخير والجمال ، ولم يكن يشير الى الشر التي يتناقض معها مطلقاً ، وحين صارت الايزيدية تسمي الملاك الكبير طاؤوس ملك قبلة التقديس ، اتهمهم اعداؤهم بعبادته اولا ومن ثم افتراءهم من كونه اشارة الى ملك الشر ، واذا كان الايزيدية يحتفلون بعيد راس السنة كل عام ، والذي يصادف اول يوم اربعاء من نيسان الشرقي ، لكون هذا اليوم في اعتقاداتهم الدينية يوم خلق الملاك طاؤوس ، مما يوجب نبش العديد من التلال التأريخية لمعرفة المزيد من الحقائق عن هذه الديانة ، فليس اعتباطاً أن ينتشر أتباع الأيزيدية في عدد من البلدان المجاورة للعراق ، مع ان ثمة من يجد أن هذا الأنتشار سببه الأضطهاد الديني والملاحقة وهروب الأيزيدية بأرواحهم من الموت الى تلك المناطق ، غير أن أيزيدية لم يزلوا يقيمون في مناطق أرمينيا ( أريفان ) وفي تركيا وسورية ، ( يستقر الكورد الايزيديون في بلاد القفقاس في أرمينيا وبشكل أساسي في بريفان ونواحيها بعدد من القرى ، إما في جورجيا فيتواجدون في سينك والكساندرابول ونواحيها لاسيما في قرى قونداق ساز وكروان وكوزل در وغيرهما ، وفي باكو يتمركزون بشكل أساسي في حاجي مقبول ، وهناك ايزيديون في منطقة قارص على الحدود بين تركيا وروسيا ويقال لهم ( سيبكي ) إما ايزيدية الكساندرا بول فيقال لهم ( مهمدا ) وفي سينك يسمون بسينك – الكرد الايزيديون في إقليم كردستان – عدنان زيان فرحان – مركز كردستان للدراسات الستراتيجية 2004 السليمانية  - ص 28 )   ، بل هناك أقوام تتشابه مع ما يعتقد به الأيزيدية في الهند وفي جمهورية الصين ، ولعلهم حقاً من الأيزيدية ، غير أن التباعد والغربة وعدم وجود ترابط بينهم أدى الى عدم انسجامهم وتطابقهم ، مع أن هناك قواسم مشتركة في بعض العقائد والطقوس والأمر بحاجة الى تحقيق وتدقيق .

    يتحدث بابا الأرمن في أرمينيا ( فاسكين الأول ) بتاريخ 11/9/1992 فيقول : أن الأيزيدية في ديارنا موجودين منذ القدم ، وهم من اهل أرمينيا المنسجمين مع بقية الديانات ، ومن المشتهرين بالنزوع نحو الخير ، وعددهم في أرمينيا لايستهان به  ، وكان عدد من عائلة الأمراء قد زارهم والتقى بهم وحثهم على الأتصال بالقيادة الدينية للأيزيدية .

    ولايغب عن بالنا المعاني العميقة للأعياد والمناسبات الدينية لدى الأيزيدية ، والعديد منها تترابط مع الأعياد التي يتمسك بها السومريين والبابليين القدماء في وادي الرافدين وكأنها أمتداد لها ، بالأضافة الى حلول العديد من الأساطير التي كانت سائدة في العراق القديم بين الأيزيدية ، ولم تزل المجتمعات الايزيدية تتداولها كنمط من أنماط الميثولوجيا الشعبية .

    ثمة من يسأل عن الفترة التي سبقت مجيء الشيخ عدي بن مسافر قدس الله روحه الى لالش ليجدد الديانة الأيزيدية ، ثمة من يلح في كشف تلك الفترات التي تعاقبت منذ انتشار الديانة الأيزيدية بين الناس في تلك المنطقة المحددة ، وعلاقتها بالديانة الزرادشتية التي حلت في منطقة فارس وكردستان وأنتشرت بشكل واسع وعميق ، ثم علاقتها بالديانة اليهودية التي كانت منتشرة في كل المنطقة ، وخصوصاً في منطقة كوردستان قبل ان تحل الديانة المسيحية ، وهي كما نعلم من الديانات التبشيرية ، بالأضافة الى مجيء الاسلام وأنتشاره في عموم المنطقة ، وأيمان الناس به بالأضافة الى كون الأسلام من الديانات التي تقبل الأيمان والأنضمام به ولايقبل الخروج او الأرتداد عنه ، حيث يعد الخارج مرتداً ويطبق عليه الحد ، ومع مجيء مثل تلك الديانات ينبغي التعرف على تأثيرها وانعكاس  فعلها على الديانة الأيزيدية ، وماهو القاسم المشترك بينها ؟ وكيف تعاملت تلك الديانات بينها ؟

    وحين يتم اختلاق القصص حول اصل المعبد المقدس ، فأن الأمر لايعدو الا الاستمرار في منهج التحريف وأعماء الحقائق بحق الأيزيدية ، ولو تركنا معبد لالش وشكل القباب وتربة الشيخ عدي بن مسافر ودخلنا الى تلك الغرفة المنقورة في الجبل والتي تضم اصل المعبد كما يقول الباحث والاثاري السيد عبد الرقيب يوسف ، مع ان بعض الاثاريين أشاروا بشكل عابر من انها مخزن لحفظ زيت الزيتون الذي يستخدم لانارة المعبد ، كما انهم لم ينتبهوا الى الاشكال والرموز المنقوشة على الجدار الغربي للمرقد ، وقد يكونوا أنتبهوا وصرفوا النظر لسبب ما والله اعلم ، ولكن الحقيقة الواضحة تكمن من كون موضع ( الجله خانة ) المؤلف من عدد من الغرف الغارقة في الظلام الدامس هي قديمة أقدم من قبر الشيخ عدي ومن كل بناء المعبد الجديد ، ويذكر السيد عبد الرقيب يوسف أن جوانب وأسطح بعض الصخور منقوشاً عليها رسوماً للشمس وبعض الأشارات الدينية القديمة الأخرى ، ولو كانت تلك الرموز تخص ملة من الملل في اقصى الأرض لتمت دراستها وفحصها والأهتمام بها ، ولكن الأمر يختلف مع الأيزيدية الذين ظلمهم الزمن وتكالبت عليهم المحن وجار عليهم الناس المجاورين لهم .

    كما كنت قد شاهدت مع كريفي الأيزيدي الأستاذ عمر خضر حمكو في العام 1994 نقوشاً وكتابات أيزيدية على الجدار الخارجي للمعبد المقدس ، وهي بارزة ولافتة للنظر ، غير أن الطبيعة كانت تعمل على أخفاء معالمها وأتلافها لتعرضها للمطر والشمس والتقلبات الجوية مما يتلفها ويجعلها مندثرة في طي النسيان ، ولم نكن نحمل جهاز تصوير حينها حيث كانت زيارتنا للمعبد سرية دون علم السلطة في زمن الدكتاتور صدام ودون موافقتها في حينه ، والتي ربما حكمت علينا بالموت وهي تعلم بأن قاضياً يزور معبد الأيزيدية المقدس الواقع ضمن منطقة كوردستان المحررة .

    وعلى هذه النقطة نعود نكرر ندائنا الى المنظمات الدولية والجهات المختصة في الأمم المتحدة ونوجه أنظارها لما يحتويه المعبد المقدس وما يجاوره من التلال من أسرار ونقوش ورسوم جديرة بالدراسة والحفظ لكونها تعود لأزمنة غابرة وقديمة سحيقة ، وأن لم تكن بقصد البحث والتقيب الاثاري لأثبات قدم الديانة الأيزيدية ، فأنها خدمة للأنسانية والتراث والتأريخ البشري .

    وبأستثناء محاولات الدكتور الباحث خليل جندي وهي من المحاولات الجادة والمهمة لم يحاول أحد النبش في التأريخ الأيزيدي القديم ، مع ان الباحث والمفكر السوري الموسوعي فراس السواح ساهم في أرساء دعائم التحليلات واسماء الالهة والبحث في ماهية الديانات ومنشا الدافع الديني  في كتبه العميقة مغامرة العقل الاولى ولغز عشتار ودين الانسان ليؤسس ارضية تاريخية للبحوث التي تريد النبش في تاريخ الديانات القديمة ومنها الايزيدية على سبيل المثال .

    وأذا كنا نستطرد العلاقة بين الديانــــــة المثروية التي سادت في مدينة الحضر ( Hatra ) ، وهي مدينة تقع إلى جنوب غرب مدينة الموصل ( نينوى ) أسست في بداية القرن الثاني قبل الميلاد وسميت بمدينة الشمس ، والتي كانت ضمن مناطق أنتشار الديانة الأيزيدية وكان بها تمثال للإله شمش ، وبتدقيق المتقاربات بين الديانتين وقوة التأثير التي تجسدها الطقوس والأعياد ، سنجد العديد من الدلائل والقرائن التي تدلل على وجود الأيزيدية في مناطق الحضر ومنها تسللت الى مناطق شرق سوريا ، ومن يتمعن في طقس التضحية يجد ان الطقس يمكن ان يكون قاسماً مشتركا بين الديانات ، الا أن اشتراك المثرائية مع الديانة الأيزيدية من أن يكون التضحية بثور ، حيث كان اهل بابل يتمسكون بالتضحية بالثور بينما لم تتمسك بمثل هذا بقية الديانات ، يجد التقارب واضحاً في طقس التضحية .

    وكان الاعتقاد الروحي متجذراً منذ اللحظات الاولى للخليقة ، فقد كان الأنسان دائما بحاجة الى إلهام ودوافع روحية يؤسس عليها أعتقاده ، ويتمسك بها لتعينه روحياً على موجبات الحياة والطبيعة  وظواهرها الخارقة ، ومع هذه الأعتقادات الروحية تتطور العلاقة بين الأنسان والالهة أو الرموز الروحية ، وداخل الذات الإنسانية وبين التطور الأنساني في فهم الدوافع الروحية للأعتقاد في وجود خالق للكون ونظام للحياة يكون الإنسان جزء منه .

    واذا كان الله هو الخالق الازل الذي يقول للشيء كن فيكون ، فانه حين يخلق الانسان ويسويه فأنه يلهمه الفجور والتقوى ، وحين يخرج الأنسان الى الدنيا يحمل بين جنبات روحه بذور الخير ونوازع والشر ، أذن أن الله لم يرد أن يزرع الشر بين الناس ولايعقل ان يعلمهم بأرادته أن يرتكبوا أفعال الشر ، انما يلهم الأنسان ويترك له الخيار في السلوك ليتحمل وزر أعماله فلا مقيد له ولامسير أجباري لأن أعماله خيرا أو شرا تسجل له في اللوح المحفوظ ليحاسب عليها ، ولو كان مقيداً ومجبراً على أرتكاب المعاصي وأفعال الشر لما بقي هناك منطق او قبول لمحاسبته .

    ولهذا فقد كانت جميع الأديان تدعو للأصلاح والتمسك بقيم الخير وأشاعة المحبة والتآلف بين الناس والحرص على الحياة البشرية والسلام والتأكيد على تجنب ونبذ قيم الشر وكل الافعال التي تحدث ضرراً للأنسان ، كما تزين الحياة الأخرى ، فأنها تتوعد لمن لايتمسك بهذه القيم بالعذاب الأبدي .

    وأذا أسلمنا بأن الأيزيدية تؤمن بان الله واحد وهو خالق الكون ، مما يجعل هذه الديانة من الديانات التوحيدية التي لاتشرك مع الله احد في كل الأمور ، وهي أضافة الى هذا الجانب تهتم بالحياة البسيطة التي تتناسب مع بساطة الحياة التي يعيشها المجتمع الأيزيدي ، وكل المغالاة التي نلمسها تم أضافتها بشرياً ودنيوياً لأسباب أجتماعية أو لظروف مر بها المجتمع الأيزيدي ولاعلاقة لها بالدين مطلقاً ، مما يوجب أستقراء الماضي بدقة وذهن صافي متخلص من تخرصات وعقد الفترات التي اشاعت الدجل والتي انتشرت بين الناس بقصد الحط من قيمة ديانة  تدعو للتوحيد وتؤمن بكل المقدسات ودون ان تحط او تنال من اية ديانة أخرى حتى يمكن أن نتجرد من الانحياز والانفعال في القصد للبحث بشكل موضوعي بقصد محاولة التوصل إلى الحقائق .

    كما يتمسك الايزيدي بطلب المعونة من الله الكبير الأزل ، فانه لم يزل كغيره من البشر ممن يؤمنون بديانات وعقائد أخرى ، يطلب المعون والمدد من أولياء وملائكة ورموز تقل عن درجة الالوهية باعتبار أن تلك الرموز والأولياء هم أكثر قرباً وضماناً لإيصال الأمنية والطلب إلى الله لشتى الأسباب ، وفي هذا الأمر انسجاماً مع المطالب النفسية للأنسان غير بعيد عما تمارسه الجماعات البشرية في العديد من الديانات .

    كما تشكل قضية المكان المقدس والرمزية في الديانة الأيزيدية ، قضية مهمة ودقيقة ، قد تتشابه فيها مع عدد من الأديان ، ممن تتبع قضية المكان المقدس الذي لايمكن تغييره ويرتبط بالأساطير والقصص التأريخية ، وكذلك بالرموز التي أكثرت منها الأيزيدية بحكم انعزالية مجتمعها وتعرضه للعسف والقتل ولجوء معتنقيها إلى الكهوف والحياة المحفوفة بالمخاطر ، وبقاء الأنسان الأيزيدي تحت رحمة وفتاوى رجال الدين ووفق مشيئتهم ومصلحتهم .

    ولم نجد من بين الكتابات الأيزيدية القديمة كتابة جريئة تعزز الوجود الأيزيدي القديم قبل الديانات الأخرى ، ليس لعجز في الأثبات ، ولاتقصيراً في نبش زوايا التأريخ الأيزيدي ، وانما تخلصاً من حكم الذبح والموت الذي يصدر بحق الكاتب ، الخوف الذي يغلف التوجه نحو هذا المسار ، وعدم قدرة الاقلام العلمية الخوض في غمار الحقيقة والتصدي للزخم المظلم والواسع الذي يعم عقول المجتمع في ذلك الزمن ، مما يجعل الواجب اليوم أن يتحمل المثقف ( مهما كان دينه او قوميته ) واجبه ضميريا في التنقيب وأغناء الحقائق وأثراء المكتبة والدوريات ببحوث ودراسات من شأنها أن تحقق ليس فقط الفائدة في طرح الحقيقة ، وإنما تنوير العقول التي لم تزل تعتقد بصدقية الثقافة الظلامية التي كانت سائدة ومحاولة تبسيط الحقائق أمامها مدعومة بالأسانيد والقرائن التي تثبت تلك الحقائق .

    والظاهرة اللافتة للنظر في المجتمع الأيزيدي هي قضية المساواة والتقشف التي يعيشها المجتمع القديم ، فلا آثر للغنى والفوارق الطبقية ، والتراتيبية الدينية لاتقسم المجتمع الأيزيدي طبقياً بقدر ما أنها سعي لتكريس وضع ديني يؤسس الحياة الأيزيدية ببساطتها ، مما يجعل رجال الدين يحكمون قبضاتهم على المجتمع الرازح تحت قيادتهم ، وهم بدورهم فوضوا الأمر الى أمير على مر العصور ولم يزل .

    ووضع مثل هذا لم يزل سائداً مع فارق بعض التطورات الراهنــة التي افرزها التطور الأنساني ، لايمكن أن يكون دون وجود رابط روحي قوي ومتماسك ، والدليل الذي كان يراهن العديد عليه ، أن الأيزيدية في العصر الراهن الحديث ، وبالرغم من التطور الثقافي والأنفتاح وبروز طاقات وعقول متنورة ومثقفة ، الا انها لم تزل يشدها الرابط الروحي مع ميل نحو التطور وتهذيب مالحق هذه الديانة من تشوهات ، ومالحقها من أساطير وقصص وروايات سلبية وأعراف لاعلاقة لها باساس الديانة الأيزيدية ، ولم يزل الأيزيدية يتمسكون بالتقويم الشرقي ، وهذه السنة تسبق السنة الميلادية بثلاثة عشر يوماً ، وهذا التقويم يسبق التقويم الميلادي .

    ومن بين أهم القضايا التي ينبغي دراستها وتحليلها ، العلاقة بين الظواهر الكونية وبين الأيزيدية ، أذ ليس من المعقول ان تنشأ علاقة أزالتها الديانات التي لاتقديس لها للشمس مثلاً ، لتعود للتقديس عند الأيزيدية ان لم تكن مؤسسة قبل تلك الديانات ، إذ إن الأيزيدية لاتقوم على ما تركته الديانات أو تخالفهم به ، وبدليل انها تتطابق في العديد من الالتزامات مع هذه الأديان .

    كما أن ظاهرة الموت وهي اللغز الكبير الذي يرافق متزامناً مع الولادة ، وفيما يخص موت الإنسانَ والأحياءَ فقط ، فأن الخلود المادي يتعارض معه ويتناقض مع فلسفته ، وبالرغم من الانشغال الذي صاحب الإنسان منذ بدء الخليقة وحتى اليوم عن أسبابه وظروفه ، الا أن الأيزيدية تقف متمسكة بقضية عدم نهاية الروح مع الجسد الفاني ، أذ ان دورة الحياة لم تزل قائمة ، مما يستحيل معه نهاية الناس قبل المعياد الكبير ، ولهذا فأن الأرواح التي تبقى هائمة فوق المكان المقدس عند الأيزيدية ، حتى تجد استقرارها وفقاً لطبيعة ما قدمته من عمل ، ووفقاً لتمسكها بمباديء الخير وقيم الديانة الأيزيدية ، ومن الطبيعي ان تلقى النفس المحبة للخير والسلام والمحبة لتكون روحاً تحل في جسد جميل وسعيد وكريم ، على العكس من ذلك تكون الروح التي دنسها الشر والأعمال المنكرة التي حذر من ارتكابها الدين الأيزيدي ، حيث تبقى هائمة وقلقة وخائفة  حتى يتم تحولها بأمر الله  . ونلاحظ أن الديانة البوذية تقوم على فكرة الفناء ، ولهذا ورد في كتابهم المقدس ، (( إن نشأة الأشياء وسيرها وتقلبها، أو اختفاؤها بعد تكوينها ونشأتها، هذا هو الفناء. ومعنى هذا أن هذه الأشياء لا تثبت أبدا على طريقة واحدة، بل تضمحل إذ تنحل بين لحظة وأخرى )) ، دون إن نجد تحولاً في الروح البشرية المستمرة السير نحو الفناء .

    ولم تزل الديانة الأيزيدية تتمسك بالأبتعاد عن الملذات النفسيــة والجسدية في الكثير من الطقوس والشعائر ، بالأضافة الى وجود طبقة من رجال الدين ممن ينذر حياته للتقشف والتصوف والأفتقار والذل والمسكنة والصيام وعدم التفكير بالتملك والغنى ، وهذا التقشف والنزوع نحو إذلال الجسد ،  تفتقده الديانات الموجودة في منطقة كوردستان ومايجاورها من البلدان .

    واذا كانت الديانة المندائية تقدس الماء الجاري ، فان الايزيدية تقدس النور والشمس مما يؤكد علاقة هذه الاديان بالظواهــر الخارقة التي كان الانسان السحيق يقدسها ويعتقد بقدرتها الخلاقة ، علماً بأن كلا الديانتين تؤمن بوحدانية الله كما ان فلسفة الوجود وما يترتب على الكائن من قدرة على العودة لممارسة الحياة وهي فكرة تنبع من اصل العقيدة الايزيدية مع ايمان الايزيدية بالجنة الخالدة  ، وتسري الظاهرة المذكورة على الحيوان والانسان وعلى الطبيعة ايضا ، اذ يعتقد الايزيدية ان الله الذي خلق الكون لم يأمر بنهايته ، ولهذا فان فلسفة انفصال الجسد عن الروح التي آمنت بها ديانات قديمة وحضارات قديمة لم تزل راسخة في العقيدة الايزيدية .

    ومن يتابع الأعياد الدينية لدى الايزيدية ومواسمها ومناسباتها يتأكد من وجود ما له علاقة بالطبيعة فيها ، اذ تجد ان للقمح اثرا مهما في عيد خدر الياس وعيد البيلندا ، وقد يقسم الايزيدي بالقمح ، ومن لاياكل القمح ( الخبز ) حسب أعرافهم لادين له ، كما يبالغ اخرون من ان سر الملاك طاووس ملك يكمن فيه لقدسيته ، ربما لأضفاء نوع من القدسية العالية الرمزية على القمح والخبز ، باعتبارهما مادة أساسية في الحياة ، و كما يدخل في صناعة الخبز المطلي بالدهن ( صه وك ) ، وفي ملحمة كلكامش حين اقنعت المراة الاله انكيدو ان يأكل الخبز المصنوع من القمح ، تحول حينها الى كائن بشري وفقد منزلته الالوهية ، مما يجعل للقمح مكانة مقدسة ومتميزة بين الايزيدية ، بالأضافة الى وجود نبع ماء في لالش يعتبره الأيزيدية نبعاً مقدساً ويسمونه ( زمزم ) ، وهذا النبع قديم لم يزل جارياً حتى اليوم من أغوار الأرض وأعماقها السحيقة ولم يتم التعرف على مصدره وأساسه ، وفي كل الأحوال فأن الديانة التي تجعل من الظواهر الطبيعية ركناً مهما ً في طقوسها ومقدساتها ، لايمكن أن تكون من الديانات الحديثة التي أعتبرت هذه الظواهر جزء من الحياة والكون  ونهت عن عبادة هذه الظواهر وتقديسها ، ولايمكن لديانة حديثة ان تتراجع عن ديانات حديثة  أخرى لتتمسك بما يخالف زمنها وظروف انبثاقها قطعاً لأن التمسك بالقديم أكثر منطقياً من التعارض مع الجديد ، ويمكن ان نتفق مع ماذهب اليه الباحث الدكتور خليل جندي من ان الديانة الايزيدية من ديانات الطبيعة ومن ديانات التوحيد الاولى  ،  ( أنظر مقالة للدكتور خليل جندي بالصفحة 22 من دورية روز العدد الاول 1996 ) ، لأن الأشارات والعلاقة الخيطية التي تربط الأيزيدية بالديانات القديمة التي تعتمد عبادة الظواهر الكونية علاقة مشتركة في العديد من ظواهرها ،  مما يوجب البحث أكثر تفصيلاً وعمقاً من هذه الناحية .

    ولعل العلاقة المشتركة بين الديانة الايزيدية والمجتمع البابلي في تقديس يوم الاربعاء تشير لنا امتداد هذا التقديس الذي لم يجد له اثراً في الديانات التي تتالت على المجتمع في المنطقة ، فالحية السوداء  المنقوشة على الصخر في الجانب الايمن من الباب الخارجي للمعبد المقدس والتي تخرج من بين الصخور لترتفع الى الاعلى التي رسمها الايزيدية على باب معبدهم المقدس لم تكن من غير معنى ، فقد كانت المعابد البابلية تعتمد الحيـة لحراسة بوابات المعابد والمقابر ، بالأضافة الى تكثيف للمعاني الرمزية في الديانة الأيزيدية والتي ترتبط بظواهر حياتية او كونية أو تتعلق بقدم المجتمعات التي تؤمن بمثل هذه الديانات ، أذ تشكل الحية السوداء في الديانــــــة الزرادشتية علامة للموت والحياة وورد ذكرها في كتابهم المقدس ( الأفستا ) ومن بعده الزند .

    وقصة الخلود في الاساطير البابلية واضحة في سعي كلكامش للحصول على عشبة الخلود وبقاء الشباب والحياة بشكل دائم ، وبعد ان عثر كلكامش على عشبة الخلود في عمق البحر وتمكنه من استخراجها ، سرقتها الحية التي كان المجتمع البابلي يعتبرها خالدة ، لاعتقاده أنها تتجدد وتغير حياتها بتغيير جلدها كل عام ، كما ان الحية كما ورد في القصص والمرويات ، هي من انقذت سفينة نوح من الغرق ، بأن أدخلت جسمها في الفتحة التي كادت ان تغرق السفينة بمن عليها وتنتهي الحياة البشرية كما تروي الاساطير القديمة ،  وكان المصريين القدماء يضعون الافعى فوق تيجان رؤوس ملياكتهم وملوكهم من الفراعنة ، وكما لقصة عصا سيدنا موسى التي تحولت بقدرة الله الى افعى التهمت كل افاعي السحرة في ذلك العهد تأكيداً على أهمية الحية في الأساطير الشعبية والمجتمعات الغارقة في القدم ،  ولاشك أيضاً أن القصة التي تداولتها الكتب المقدسة والاديان من تمكن الحية اغواء آدم وحواء ليأكلا من الثمرة المحرمة وليخرجا بعدها من الجنة دليلا اخر على مكانة الحية المهمة في الوجود والخليقة ، ويبدو ان مجتمع الأيزيدية أكثر من نسج الأساطير عن الحية وعلاقتها بالموروث الأجتماعي والأساطير الشعبية التي يتداولها الأيزيدية ، حينما تحدثت تلك الأساطير والقصص عن الحية التي سدت الثقب في سفينة سيدنا نوح لتنقذ البشرية من الغرق والهلاك ، ولا يغب عن البال علاقة الحية بالرمز المقدس طاؤوس ملك أو بالاساطير الدينية التي تداولها رجال الدين الايزيدي حول قدسية الحية كقوة نازعة للخير في حين صورتها بعض الاقلام والعقول المريضة انها رمز للشر .

     ولاشـك ان معبد ( ايزيدا )( ويعني البيت الرفيع – الكاتب ) في مدينة بورسيبا الواقعة على نهر الفرات مقابل مدينة بابل حيث كان يعبد الاله مردوخ ، حيث كان معبداً متميزاً ، والذي قلل من شان الإله مردوخ وجود هذا المعبد بالنظر لتعدد الالهة التي تختص كل واحدة منها بظاهرة كونية محددة ، وبالأضافة للتعدد فأن تنوع اعتقاد الناس بوجود قوى خفية وكامنة في ارواح الالهة جعل قضية تقديسهم  ورفعتهم في البيت الرفيع  لمعبد ايزيدا أكثر من تعظيمهم للاله البابلي  مردوخ  ، وفي نفس الوقت أنتشرت عبادة نابو في بلاد آشور التي تشمل منطقة الشيخان والزابين والجزيرة ، فأقيمت تماثيله في مزارات بنيت لهذا الغرض ، وفي نهاية القرن التاسـع قبل الميلاد بلغت هذه العبادة على ما يبدو اوجها ، فنجد أن لنابو هيكلا في كالح ( نمرود ) وهي لاتبعد عن لالش بأكثر من سبعين كيلو متر ( جورج حبيب – بقايا دين قديم ص 17 )   ، ويسترسل الباحث جورج حبيب  ليذكر بان مذبحا مكرسا للاله نابو كان في ( قرية شدوة ) التي تحولت الى شنكار ( قضاء سنجار ) وان احد قادة  ( تراجان المدعو شاور الثاني  ) شاهد الطقوس التي يؤديها اهل المنطقة تكريما للاله نابو في بداية فصل الربيع ، ولن نستغرب إذا عرفنا أن عبادة الشمس والظواهر الكونية  كانت منتشرة في النمرود ، ومن الطبيعي ان تنتقل العقائد مع انتقال من يعتقد بها ، وفي انتقال الاقوام التي تعتقد بالديانات القديمة في منطقة شمال آسيا الى مناطق البابليين حيث كان هؤلاء القوم يعبدون  ( اله السماء دياوس او تياوس ولاحظ أن الكلمة قريبة من لفظة تاووس أو طاؤوس ) ( TAOOS ) ،  بينما كان اهتمام البابليين اضافــة للاله ( نابو ) فانهم يعبدون  ( الاله شمش والاله سين والذين يعنيان الشمس والقمر )  ، ومن يدقق في أسوار المقابر البابلية يجد انها تحتوي على فتحات على شكل مثلث للسماح بدخول ضوء الشمس الى باحة المقبرة ، وهو نفس ما نجده اليوم في مقابر الأيزيدية القديمة وأضرحة الاولياء والرموز الدينية والتي بدأت تندثر ودون أن تلقي العناية والأهتمام من المؤسسات العلمية والعالمية التي أهتمت برمزيات وآثار أقل قيمة وأهمية منها .

    وأذا تتبعنا سفر التكوين في سيرة النبي أبراهيم عليه السلام ، وأتفقنا على ولادته في أور الكلدانيين والتي لم يختلف عليها سوى القليل ، فأن أبراهيم واخوته ووالدهم تارح  غادروا أرض الكلدانيين وأتجهوا الى أرض كنعان حيث مات والدهم فيها ، غير أن ابراهيم عاد ليغادر أرض كنعان لتتبارك به جميع أمم الأرض  ، ومن النصوص التي حفظها العهـد القديم ماورد في كتب (  المشنا القديمة  ) ، ( وهي نصوص تحفظ عن طريق الذكر والأستظهار تخصص بها رجال الدين ) ، ولم يعتمد هذه الطريقة التي تحملها رجال الدين سوى الأيزيدية من الأديان ، وقد مارسها رجال الدين والفقهاء العبريين المنفيين في بابل ، ويبدو أن الأشتراك والتشابه في طريقة حفظ النصوص الدينية بين الديانتين يجعل من المتابع دفع أحتمال وجود الأيزيدية منذ العهد البابلي والعبري القديم حيث لايمكن ان تكون الطريقة التي تم اعتمادها اعتباطاً أو بالصدفة وخصوصاً أذا ما وجدنا عدم التزام جميع الديانات التي تتالت على المنطقة بهذه الطريقة .

     ومن المفيد الأشارة الى أن الأيزيدية تعتبر أن النبي إبراهيم الخليل ( ع ) هو من أسس الديانة الأيزيدية ونشر مبادئها ومقدساتها وأوصلها اليهم ، وبالنظر لكون النبي أبراهيم ( ع ) أعتقد في باديء الأمر أن النجوم هي الرب  ، فلما طلع القمر أبدل رأيه وقال هذا هو الرب ، فلما أشرقت الشمس قال هذا هو الرب وليس تلك التي شاهدتها من قبل ،  فلما أفلت قال أن من خلقها هو الرب ، وما النجوم والقمر والشمس الا مخلوقات مقدسة وأزلية لاقدرة سوى للرب الأزل الذي يسيرها ويخفيها ، وهو ما تعتقده الأيزيدية اليوم أن النجوم والقمر والشمس من الظواهر المقدسة والخارقة التي اوجدها الله خالق كل الأشياء في الوجود .

    أذ وردت الآيات 74-78 في سورة الإنعام من القرآن الكريم (( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من المؤمنين * فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لاأحب الآفلين * فلما رءا القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكون من القوم الظالمين * فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم أني بريء مما تشركون )) . 

    ولم يكن للنبي أبراهيم  عليه السلام نصوصاً محفوظة ومنسوبة اليه ، ولهذا فأن ماتبنى أستمرارية العمل في القيام بالشعائر والمراسم والطقوس هم رجال الدين المتخصصين في هذا المجال ،  ووحدهم من بقي يحفظ النصوص المقدسة التي وردت في المصحف المقدس       ( رش ) أو كتاب الجلوة ، ودون أن يجرأ احداً منهم بزعم أنه موكل من النبي أبراهيم ( ع ) أو من غيره ، وهم جميعاً من البشر المنتمين الى أحد الطبقات الدينية التي يختص بها الدين الأيزيدي ويتمسك بها تمسكاً صارماً ، فالتراتيبية الدينية من أسس المجتمع الايزيدي ، ولم يخرج من رجال الدين من لايحث على الأصلاح والأستقامة وعمل الخير وعبادة الله وملائكته السبعة ، ولم يذكر التأريخ خروج أحد رجال الدين على تلك الترتيبية الدينية التي لم يزل حتى اليوم يلتزم بها ويحرص على الالتزام بها المجتمع الأيزيدي .

    والأيزيدية من الديانات التي لم تعبد الأوثان أو الأصنام ولا اتخذتها علامات ورموز كغيرها من الديانات القديمة ، مع أن والد النبي أبراهيم ( ع ) كان صانعاً للأصنام ، وتذكر القصص أنه قال لأبيه أن النار أحق بأصنامك من عبادتها ، ولكنه لم يحسب النار ألهاً لأن الماء يطفئها ، ولم يحسب الماء ألهاً لأن الأرض تبتلعها ، ولم يحسب الأرض آلهاً لأن الشمس تجففها وتنشر أشعتها فوقها ، ولم يحسب الشمس آلهاً لأن الظلام يحجبها ، ولم يحسب القمر والنجوم آلهة ، وإنما الإله القادر على كل شيء هو خالق الشمس والقمر والنهار والأرض وماعليها ، وكان أهــل اليونان يعبدون من الكواكب المشتري ويطلقون عليه أسم ( جوبيتر ) بمعنى ابو الاله ، وكانت الديانة الزرادشتية قد جارت الأيزيدية في إتخاذها الهة أعوان كل من الاله ( ديو و اهورامزدا ) وهما يستمدان قوتهما وسرهما من الاله الكبير ، غير أن الأيزيدية أعتبرت الملائكة السبعة هم المكلفين بشؤون الدنيا بأمر الاله الكبير ، مع أن كلتا الديانتين تؤمنان بوجود الصراع الأزلي بين الخير والشر ، وأن الأنتصار في النهاية سيكون للخير .

    وتشترك كلا الديانتين أيضاً في أختيار الضحية ( المقدسة ) ثوراً تحديداً وليس غيره من الحيوانات ، أذ لايشترط في الضحية أن يكون ثوراً في بقية الديانات ، بينما يشترط حتماً أن تكون التضحية عند الأيزيدية بالثور في كل عام ، والثور يدل على  اعادة الحياة وقوة الخصوبة لدى البابليين .

    غير أن مايلفت النظر أستمرار بناء القبور والأضرحة المقدسة على الشكل المخروطي بما يجعل حزمة ضوء الشمس تنزلق الى كافة جوانب القباب ، وبقي البناء المخروطي مستمراً حتى في زمن الخلافة الأسلامية حيث قبر السيدة زبيدة في بغداد وبعض الأضرحة ، ثم التفت المسلمين الى شكل القباب والمآذن التي أتخذت شكلها الذي وصلنا ، وقضية الأقتباس والتقليد مسألة غاية في الأهمية وتدل على تحديد الفترات الزمنية ، ولو كانت  الأيزيدية قد تشكلت بعد مجيء الشيخ عدي أو بعد مجيء الأسلام لما أستطاعت الشذوذ في شكل البناء المتميز واللافت للنظر وعلى الشكل المخروطي ، كما أن جميع الدراسات والأبحاث والتحريات الآثارية تشير الى أن المكان المقدس وجد وبوابته الرئيسية تواجه مشرق الشمس ، وقباب الأضرحة بهذا الشكل المخروطي المتميز لم تتغير مطلقاً ، وخصوصاً أذا عرفنا بالواقع الأجتماعي والديني والسياسي الذي كان يعيشه المجتمع الأيزيدي الذي يمنع تطوير العمارة والبناء والأهتمام بها بالشكل الذي وجدت به منذ ذلك الزمن السحيق .

    أن الاشوريين والأكديين والبابليين والكلدانيين هم أفواج متلاحقة على فترات متباعدة تتراوح الفترة بينها بين 600 – 1000 سنة ، واقدمها ما قام في الشمال ، لأن الأقاليم الشمالية في وادي النهرين كانت أخصب الأقاليم وأصلحها للزراعة والمرعى خلافاً لأقاليم الجنوب التي كانت مغمورة بماء البحر المالح وظلت كذلك زمناً طويلاً قبل أن ينحسر عنها الماء وتصلح فيها الأرض للسكن والزراعة ، ومن شمال العراق كانت قبائل المهاجرين الاوائل تنحدر الى بادية الشام أو الى شواطيء البحر الأبيض المتوسط ، ولم يظهر لنا مايدل على هجرة كبيرة من طريق الحجاز وشواطيء البحر الأحمر قبل الدعوة الأسلامية ( انظر عباس محمود العقاد – أبراهيم ابو الأنبياء / مطابع دار الهلال ص 120 ) .

    فأذا كانت هذه الهجرة تأتي من الشمال !!!  فأي دين كان يدين به المهاجرين الى تلك الأصقاع ؟ وأي تأثير ديني نقله المهاجرين معهم ؟ وأذا كان القوم يتحدثون بلغة تختلف عن لغة أهل الجنوب فكيف أنتقلت تلك اللغة وتعاليم الديانات القديمة خلال تلك الهجرات ؟

    كما تعج منطقة بلاد مابين النهرين بالديانات التي أكدتها الأحافير والآثار والتي دلت على اضمحلال بعضها ونشوء بعض على أنقاض الأخرى ، بالأضافة الى انتهاء العديد من الديانات بأنتهاء السلطة التي كانت تدين بها ، ومامن عقيدة دينية تبرز الى الحيز المادي بين الناس مالم ترتكز على أسس ومساند ، كما أنها تخاطب النفوس بأسم الاله الكبير الذي يتوجب على الناس كافة الخضوع له والأنقياد الى تعاليمه وطاعته ، وهذا التخاطب مهمة من مهمات الأحبار ورجال الدين الذين يحفظون التعاليم والكلمات المقدسة الواردة في مصحف روز أو ضمن تعاليم كتاب الجلوة في صدورهم ووسط ضمائرهم  أو في الأدعية والتواشيح الدينية المتداولة وتلك مهمة عصية لم يزل يتناقلها رجال الدين حتى اليوم .

    ومن خلال الأطلاع على ما أوردته أغلب الديانات حول قصة الخليقة وطريقة الخلق وقصة الطوفان وعبادة الشمس والكواكب وقضية التضحية والختان والمكان المقدس والحلول والتناسخ والتوحيد سلباً أم أيجاباً ، دليل عقلي على انفصال احدها عن الأخرى ، ويتضح أن التوافق والتطابق الحاصل غي الاعتقاد والمرويات بين الديانة الأيزيدية وبين الديانات القديمة انها من الديانات القديمة التي انتقلت بفعل عوامل عديدة بالرغم من تحديد الأنتماء اليها .

    ولم يكن اختيار الطاؤوس رمــزا للجمال والخير فقط ليتخذه الايزيدية تعبيرا رمزيا عن شكل الملاك ،  وأنما تطابق اللفظ بين تموز وتاووس ، وشمش وشمس ، حتى نجد العديد من الاسماء التي لم تزل متجددة مع حياة الايزيدية لدى القدمـاء من النبطيين والبابليين والسومريين ، بالاضافة الى وجود بعض الطوائف والملل التي تعتبر ان الطاووس هو من اغوى آدم وحواء في الجنة ، وللتأكيد فأن المنزلة الرفيعة التي يضعها الايزيدية لطاؤوس ملك مهما علت قدسيتها والاعتزاز بها والتمسك والتضحية في سبيلها ، فانها لايمكن ان تلغي الاله الكبير وتوحيدهم للخالق واعتقادهم بقدرته الكلية ، وهو الذي سيقرر القيامة في يوم ما ليحاسب الكائنات الحية على اعمالها لياخذ كل كائن مايستحقه من الثواب او العقاب في الجنة او في النار .