القسم الخامس

    الأيمان  
 
 

    الإشراق الروحي يتجسد في كينونة القيم الأنسانية والممارسات الدينية في كل ديانة من ديانات البشر ويكمن  داخل أعماق الفرد ، فكل الديانات تدخل ضمن أطار الدعوات الأصلاحية لتقويم الحياة الأنسانية ، وهي أيضاً دعوة صريحة لتحرر الأنسان من نوازعه الذاتية السلبية ،  هذا الاحساس والأشراق وسيلة من وسائل النمو الروحي والتكامل النفسي والاخلاقي، وجعل الاستمتاع بطيّبات الحياة سبيلاً إلى ربط الانسان بخالقه ، والسلوك بما يضمن تنظيم الحياة الأجتماعية وتهذيبها لمصلحة المجتمع والدعوة الى الفضيلة ، ومحاولة تجنب الفساد والظلم و كل ما يحدث الضرروالأضرار  ، وهي بهذا تشكل دعوة لكبت النوازع الشريرة في الذات البشرية وتغليب الافعال الخيرة عليها ،  أذ لاتوجد ديانة واحدة تعتمد على الشر أو تدعو له أو  للتغييرات التي تضر بالحياة الأنسانية  ، أو أنها  تمجد القيم والأعراف البذيئة والقميئة لدى الجنس البشري  ، أذ تعتقد جميع الديانات بأن آلهاً واحداً  منح الحياة لكل الكائنات يحاسب على الأعمال البشرية في الحياة الدنيا ضمن حياة أبدية في الآخرة بعد الموت أو بعد تقمص الروح في أديان أخرى وهذا الحساب يكون تبعاً لعمل الأنسان الدنيوي  ، والعديد من الديانات من يعتقد بالوحي والنبوة   ، عدا البوذية والهندوسية والأيزيدية والزرادشتية  التي لاتقر بالوحي السماوي لأعتقادهم أن الوحي الالهي نابع من الذات الأنسانية ،  وفي كل الديانات تجد الرحمة والعفو والتوبة والخطأ والغفران كطريق من طرق العودة الى الطريق القويم الذي يستقيم مع متطلبات الحياة الأنسانية ،  ويتجانس مع الطبيعة السوية للحياة الأنسانية بما فيها الديانة الأيزيدية ،  ولكل ديانة زمان ومكان يمكن ان تتحدد ضمن مساحة المكان فتقتصر على مساحته  ، كما يمكن أن تنتشر الى مناطق اخرى طبقاً لطبيعة تلك الأديان ، فيما أذا كانت تدعو للأنتشار أم انها مغلقة على من وجد نفسه فيها  من ابوين مؤمنين بها ، فليس له الخيار في تركها ألا حين يتمرد على ديانته فيخرج منها لأسباب عديدة ، وقد يتحمل أذى وأستهجان من أهله ومجتمعه في سبيل ذلك ، لابل قد يدفع حياته ثمناً لهذا الأمر  ، والأعتناق العفوي للدين  الذي يتلبس الملايين من البشر الذين  ليس لهم الخيار والأختيار في أية مرحلة من مراحل العمر ليس له من حل أو ضوابط سوى تقبل تلك الفرضية الدينية أعتقد بها المرء او لم يعتقد  ، مع أن العديد من البشر يتم أحتسابهم على ديانة معينة  وهم غير ملتزمين بها أو غير معتقدين بها أصلاً ، غير انهم لايعلنوا عن هذه الرغبات ويفضلوا أن تبقى كامنة في نفوسهم  لاتخرج من صدورهم ، ولذلك فهم على الدوام يؤمنون بما يناسبهم ولكنهم قطعاً لايؤمنون بالأحتمال القادم مع بقاء السر الأزلي ،  على سبيل المثال لاالحصر أعتقادهم  في الموت والحياة كحقيقة راسخة يؤمن بها جميع الناس سواء منهم من أمن بديانته او كبت عدم أيمانه فيها بصرف النظر عن الأيمان بالبعث من عدمه ،  وحقيقة أخرى كون البشر هم أسياد المخلوقات ولايمكن ان تكون كائنات حية غيرالأنسان   من يحتل مركز السيادة والتفضيل ، ولكن ثمة أختلاف في فهم نظرية تقمص الأرواح وتناسخها مابين مؤيد لهذا التقمص والتناسخ ومابين من ينفي كل هذا  ، وتكون بعض هذه الديانات ضمن دائرتها لاتخرج عنها مطلقاً اذ انها متقوقعة على نفسها وتنحصر في محيطها ، كما أن العديد من الديانات من يتخلى عن طقوس وعادات وأعراف دينية ويتساهل في تطبيقها وممارستها  تبعاً لتغير الزمان والمكان ، في حين بقيت ديانات أخرى متمسكة بشكل صلب ومعاند  بعاداتها وطقوسها .

           ويمكن أن تكون الممارسات والطقوس الدينية  نشاطات أنسانية ، منها مايرمز الى حقيقة تأريخية ومنها ما لايرتبط بأية حقيقة وأنما وجد من قبل العقل البشري وتم تقليده والألتزام به من قبل من جاء بعده أما بدواعي الالتزام التقليدي أو لحاجة ومصلحة أو خشية من التمرد او الظهور بمظهر الحريص على  الطقوس والتقاليد الدينية أو ربما أعتقاداً حقيقياً بهذا الالتزام  فالعديد من الاعراف الأيزيدية ليس لها علاقة بالدين ، كما أن لشكل وطبيعة الرقصات التي يؤديها الأيزيدية علاقة بالطقوس التعبيرية التي تعبر عن تقديم النذور والفرح في مواسم معينة تتعلق بتقديس الديانة لأيام معينة في شهر معين من السنة .

      أن ينزع مايلبسه المرء في رجليه قبل أن تطأ رجله عتبة المعبد المقدس ، يشير بالإضافة الى التبجيل والأحترام ، فأنه يشير الى قدسيـــة تؤكد التزام الفرد في الأعتقاد الطقسي ، واستعداد الأيزيدي للأقرار ضمنيا ونفسياً بموجبات الديانة التي يتقدم في مكانها المقدس حافياً طاهراً ملبياً لها في اعماقه .

    كما أن التزام المرء عن عدم  الأتيان بكل ما يشين السلوك ويشذ عن المألوف وكل ما يلبي حاجات النفس الذاتية في تلك الرحلة التي يكونها ضمن المكان المقدس ، دليلاً آخر على ضبط نوازع النفس وترويضها ، ويميل الأيزيدي دائماً الى ترويض النفس وتطويعها وفق مقياس ذاتي يمكن ان يصلح للمجتمع الذي يعيشه ، غير انه يبدو لايصلح لمجتمعات أخرى ، ولهذا نجد التناقض بين موجبات الالتزام لدى الأيزيدي ، وبين غيره من ابناء المجتمع الذي يعيشه ، فيتميز الايزيدية بوجود الفقراء من الزهاد والناسكين والذين تركوا نعم الحياة ومسراتها ، ليتفرغوا للصوم والصلاة والدعاء ولبس الملابس الخشنة والتمسك بملابس تفتقر للكثير من المتشابه مع ملابس الناس ، أمعاناً في أذلال النفس وترويضها على تحمل المصاعب والجوع والتقشف في متطلباتها .

    ولذلك ينبغي التفريق بين ما هو الهي وبين ماهو بشري في الطقوس والديانة الأيزيدية ، فالعديد من الطقوس والعادات ما توارثه الأيزيدية كمجتمع ضمن خصوصيتهم وظروفهم لاعلاقة له بالدين أو بالنصوص المقدسة وانما وجدت من اجل التاثير النفسي في الفرد الايزيدي ، ومنها ما ورد حصراً في النصوص المقدسة التي تواتر على ذكرها رجال الدين سواء في نصوص مصحف رش أو في كتاب الجلوة أو في بقية النصوص الأخرى من اجل اجبار الانسان على الالتزام بها ،  ومن المتفق عليه أن المجتمعات تجعل لرجل الدين مكانة متميزة ،  وهذه المكانة في جميع الديانات ، ولربما تجعله بعضها جزء من المقدس ، ويقع على عاتقه العديد من الأشراف على الممارسات الطقسية والدعوة للألتزام بالأعراف والنصوص ، ويقع عليه أيضا مهمة التعريف والأرشاد وأضفاء الشرعية على العديد من الممارسات والسلوك الأنساني ضمن أطار الديانة التي يعتقد بها ضمن نصوص الكتب المقدسة ،  وبالرغم من تفرغ رجل الدين لهذه المهمة ، واعتماد وسيلته في الحياة على ما تدره عليه من وارادات ، حيث أن اغلب رجال الدين في كل الديانات أن لم نقل جميعهم يعتمدون في حياتهم على الواردات والصدقات والتبرعات من الناس ، لان هذه المهمة تتعلق بشكل متناسب مع ثقافة رجل الدين الأيزيدي وعلميته ومعلوماته وأسلوبه في مخاطبة الآخر كما في معرفة بقية الديانات وطريقته في الأرشاد والمواعظ ،  ومن المؤكد أن للأيزيدية كتب مقدسة كانت تكتب بلغة دينية يعتمدها رجال الدين الأيزيدي ، وهذه اللغة لاتتشابه مع بقية اللغات ، ويمكن ان تكون الكتابات المنحوتة على الجدار الخارجي للمرقد المقدس نموذج واضح لهذه الكتابة ،  كما من المؤكد ان صفحات من تلك الكتب لم تزل موجودة بقاياها مطمورة بين طيات الصخور المخفية عن الأعين ، أو في صناديق مقفلة ومحكمة خشية من التفريط بها أو الأطلاع عليها من قبل الأغراب خوفاً من تحريفها أو أتلافها مع انها ماضية للتلف بالنظر للجهل في عملية الحفظ والصيانة بشكل أصولي .

    وأثناء عملي القضائي  في مدينة الموصل  كان مدير أوقاف الموصل المتقاعد السيد سالم عبد الرزاق يعمل خبيراً في تقدير العقارات بمحاكم الموصل ، وللمنزلة الكبيرة والأمانة والنزاهة  التي اتوسمها في الرجل ، فقد كنت أنتخبه خبيراً لتقدير العقارات في الدعاوى المدنية المنظورة من قبلي في محكمة بداءة الموصل في أوائل التسعينات ، وقد أخبرني بوجود نسخة تحتوي على نصوص من كتاب الجلوة في خزانة المحفوظات والكتب النادرة في مكتبة الأوقاف بالموصل والمخطوطة غير مهيأة للأعارة  لأسباب أمنية ، وبالنظر لمتابعتي قضايا الأيزيدية وجمعي لمواد كتابي الأول عنهم فقد رجوته أن يساعدني بالأطلاع على هذه النصوص ، ولم نتعرف كلانا عن أسباب أخفاء هذه النصوص عن القاريء وأعتبارها بأمر الحكومة من الوثائق الممنوع الأطلاع عليها .

    وقد تمكن السيد سالم عبد الرزاق من اصطحابي الى مكتبة الأوقاف لأطلع على النصوص التي كانت مكتوبة على ورق قديم مصفر اللون وبكتابة قديمة تدل على انها كتبت بالريشة المغمسة بالحبر وبالخط الرفيع ، وبادرت الى نقل الكتاب بالسرعة التي توفرت لي وبعد أن غادرنا المكتبة قمت بأعادة كتابة النصوص بخط واضح وعلى ورق صقيل ودفعتها للتصحيف لدى أحد المجلدين في شارع النجفي بالموصل ، ولم أزل احتفظ بها في مكتبتي بالعراق والتي حافظ عليها اخوتي وأهلي بعد هجرتي ، والنسخة لاتختلف كثيراً عن التي اوردهـا المرحوم سعيد الديوه جي في كتابه اليزيدية المطبوع في الموصل عام 1973  ، ومن ناحية أخرى يقول الكاتب علي سيدو رشو ، في مقالة له بعنوان : ( الأيزيديون في العراق ) ضمن بحث تم إلقاءه في ندوة الجمعية العراقية لدعم الثقافة في بغداد بتاريخ 29/1/2006 (( إننا لو فرضنا بأنه تم تجميع الكتب السماوية للديانات المركزية بعد فترة زمنية من بعد الأنبياء، فإن الذي جرى مع الإيزيدية شيء مختلف، حيث لم يتم تجميع نصوصها الدينية بشكل مكتوب مما أصاب الكثير منها الضياع والتدخل والتحريف بسبب حملات الإبادة الجماعية والامية والجهل المخِّيمان على المجتمع الإيزيدي بسبب معاناته، إضافةً إلى تجاهل الحكومات المتعاقبة لحقيقة هذا الجزء الحيوي من الشعب العراقي  .

     وأما القول بأن الديانات لا تكتمل مقوماتها إلاّ بالنبي والكتاب فإنها أمور قابلة للنقاش حيث هنالك العديد من الديانات التي تختلف مع هذا الشأن كالبوذية مثلاً ))

    أن في الديانة الأيزيدية العديد من الأحالات على شخوص رجال الدين الذين تحملوا عبء حفظ النصوص الدينية المقدسة ومعرفة الطقوس والتقاليد الدينية في صدورهم غيباً بالنظر لأسباب كنا قد تطرقنا لها في كتاباتنا السابقة تعرض فيها المجتمع الأيزيدي للأبادة والهلاك  ، أن دراسة مثل هذه النصوص يمكن أن تفتح افقاً معرفياً يوضح لنا حقيقة الأفتراضات الدينية ، كما يضع العديد من الأجابات للأسئلة والأستفسيارات التي تدور في أذهان المتابعين ،  كما أن التعمق في معرفة اللغة التي كانت تكتب بها تلك النصوص يؤدي بالنتيجة الى فك العديد من الرموز والخفايا التي تحتمل عدة أحتمالات يتم أفتراضها من قبل المحللين والكتاب وفق الأجتهاد والقدرة على التحليل  .

    غير أنني على ثقة بأن العديد من الأيزيدية يحتفظ بالكثير من الصحف والمخطوطات النادرة التي تفيد الديانة الأيزيدية وتسهل طريق الباحثين نحو الحقيقة ، وبهذا نهيب بكل من يحتفظ بمثل تلك الوثائق تمكين الكتاب او المحققين من الأطلاع عليها تمهيداً لأعداد الدراسات الميدانية لأعادة كتابة التأريخ الأيزيدي بشكله الصحيح والحقيقي .

    ومن المحتمل ان يكون الكتاب الذي نقلت عنه من الكتب القديمة ، غير انه لايمكن البت من كونه كتابا مقدساً او على الأقل معتمداً ومتفقاً عليه من قبل الأيزيدية ، غير أن الامر يدلل على وجود كتابات ووثائق في حوزة بعض مما يوجب الخوض في صحة هذه السندات والوثائق بغية التوصل الى الحقيقة .

      ويقول الباحث الأيزيدي خليل جندي عن كيفية التوصل الى حقيقة الايزيدية في كتابه ( نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية ) في الصفحة 18 : (( يمكن القول بأن الديانة الأيزيدية تتألف من منظومة شعائر دينية والكثير من الطقوس والعادات الدينية ... أن دراس هذه الظواهر من المنظور التأريخي – الفلسفي بحاجة الى أناس وباحثين من ذوي الأختصاصات المختلفة وأعني بها والحديث للباحث جندي :

  1. علماء اللغة خاصة العارفين باللغات القديمة ، ( السومرية ، البابلية ، الآشورية ، السانسكريتية ، اليونانية ، واللغات الآيرانية القديمة ، أضافة الى اللغتين العربية والكردية .
  2. المختصين بعلم الأديان واللاهوت والفلسفات القديمة .
  3. علماء الآثار
  4. المختصين بعلم الأنثروبولوجيا
  5. من له معرفة  وأطلاع بعلم الفلك
  6. علماء التأريخ خاصة تأريخ الحضارات القديمة
  7. والأهم من كل ذلك من لهم الأطلاع الشامل على تراث الدين الأيزيدي . ))

    ومع أن الباحث خليل جندي قد توسع في مطالبة كل هذه الأختصاصات الواسعة ، التي يصعب جمعها كلها ، إلا أن الواقع يكمن في قيام الأيزيدية أنفسهم بما عرف عن بعض مثقفيهم والمهتمين بتأريخهم وديانتهم ومنهم الدكتور خليل جندي وبير ممو عثمان وهوشنك بروكا وميرزا الدنايي وبير خدر عثمان والعديد من الباحثين المثابرين في سبيل كشف حقيقة تأريخ ديانتهم ومجتمعهم ، وبالتعاون مع كل الباحثين الذين يتوسم فيهم الأيزيدية الحيادية والأنصاف في كتاباتهم ومنهجهم العلمي من خلال مؤتمر يتم أنعقاده في مركز لالش ووضع محاور وخطط للعمل وبذل الجهود للوصول الى نتائج وأجابات للعديد من الأسئلة سعياً الى الوصول لحقيقة هذه الديانة العريقة .

    أن وجود كلمة ( ئي زي دي ) في الكتابات المسمارية في العهد السومري وهي تعني الروح الخيرة غير الملوثة والتي تمشي على الطريق الصحيح والتي اكتشفها أحد الخبراء كما يذكر الباحث خليل جندي لها دلالة عميقة وأكيدة لأثبات قدم الديانة الأيزيدية في الألف الثالث قبل الميلاد مثلما تشير الدلائل والأشارات ، ويمكن ان تجد أن الفتحات الموجودة في أسوار المقابر الأيزيدية على شكل مثلث يواجه أتجاه الشمس رمزاً لم يزل يتمسك الأيزيدية به ، هي نفس الفتحات التي كان السومريون يضعونها على أسوار القبور نقشاً او مظهراً .

    ومن يين محاولات جر الأيزيدية الى ديانة أو حركة أصلاحية معينة ، فأن هناك من يعتبرها أحد فروع الديانة الزرادشتية ، وهناك من بين أبناء هذه الديانة من أسس مركزاً للديانة ( اليزيدية الزرادشتية ) ومنحني شخصياً الهوية المرقمة 21 بتاريخ 21/3/1993  بصفة صديق  حين كنت في العراق ولم أزل احتفظ بهذه الهوية للذكرى ، وهذه التسمية لاتتطابق مع الواقع لأن الأيزيدية أقدم من الزرادشتية ، ولايخفى أن هناك من المحاولات العديدة التي حاول بعض الكتاب لقلة في الأسانيد والبراهين  والمعلومات التي تدلل على قدم الديانة الأيزيدية وتبعثر خيوطها لما أصابها من المحن والمهالك القاتلة .

    والحكيم زرادشت ولد في حدود العام 628 قبل الميلاد وتوفي في العام 550 قبل الميلاد وعاش في فترة سقوط الدولة الآشورية على يد الميديين ، وأقتسام تلك الدولة بين الميديين والكلدانيين ، ثم حكم السلالة الأخمينية في العام 557 قبل الميلاد وإستيلاء كورش على بابل ، ولاشك أن الزرادشتية التي تعايشت مع اليهودية جاءت بتعاليم وقيم متطورة وأنسانية ودعت الى عبادة الاله الأعظم ( أهور أمزدا_ ومعناها السيد الحكيم ) وهو واحد لاشريك له من الديانات الأنسانية التي حلت منتشرة بشكل واسع لتدين بها ممالك وأمم ، ولكنها لم تكن أقدم من الديانة الأيزيدية ، بالنظر لكون الأشارات والبراهين دلت على وجود الديانة الايزيدية في الزمن السومري والبابلي ، وهو ما مؤكد قبل سقوط الدولة الآشورية في نينوى ، كما أن أمتداد الأيزيديين لم يتحدد في لالش وماحولها ، وأنما وصل الى تكريت في العراق وعم منطقة كردستان ، كما تزوج البابليين والسومريون من الأيزيديات وربما يكون هذا الزواج بسبب أن الملوك يدينون بديانتهن ، أو أنهن وقعن في الآسر والسبي الذي يبيح لهم الزواج منهن في تلك الأحوال .

             ومن الديانات من جاءت وانتهت وبقيت أخبارها مسجلة في سفر التاريخ ، ومن الديانات من تقهقر وتراجع لينزوي في زوايا ضيقة وأماكن محدودة  ، ومن الديانات من بقي يجاهد الزمن ويقاوم كل النشاطات الأنسانية التي تريد القضاء عليه لشتى الأسباب والاعتبارات  ،  سواء بتغير الزمن أو بالوسائل التي يعتمدها اعداءه بما فيها القتال والحروب ، وكانت الأمم والأديان تنتشر في تلك الفترات التي لم تزل مجهولة أمام ما كتبه المؤرخين ، يقول ول ديورانت في ( قصة الحضارة ) بالصفحة 503 : (( كان الشرق الأدنى في عهد نبوخد نصر يبدو للعين البعيدة الفاحصة كأنه بحر خضم يتلاطم فيه خليط من الآدميين، يأتلفون ثم يتفرقون، يستعبدون ثم يُستعبدون، يأكلون ويُؤكلون، ويَقتلُون ويُقتلَون إلى غير نهاية وكان من وراء الإمبراطوريات الكبرى ومن حولها- مصر وبابل وأشور والفرس يضطرب هذا الخليط من الشعوب نصف البدوية نصف المستقرة : الكمريين، والقليقيين، والكيدوكيين، والبثونيين، والأشكانيين، والميزيين، والميونيين، والكرييين، والبمفيليين، واليزيديين، واللوكوانيين، والفلسطينيين، والعموريين، والكنعانيين، والإدميين، والعمونيين، والمؤابيين، وعشرات العشرات من الشعوب الأخرى التي كان كل شعب منها يظن نفسه مركز الأرض ومحور التاريخ، ويعجب من جهل المؤرخين وتحيزهم إذ لم يخصوه إلا بفقرة أو فقرتين في كتبهم. ))

    والقرابين تم تقديمها منذ الزمن السحيق لأرضاء الآلهة ، وتنوعت هذه القرابين التي تقدمها الجماعة تبعاً لتغير المكان والزمان ، وكثيرا ما تكون المعابد والأماكن المقدسة هي المكان المناسب لتقديم الأضاحي والقرابين ، وعلى الدوام كان رجال الدين المستفيدين من نتاج هذه القرابين ويخططون لطريقة تقديمها وموجباتها ، والضَّحيَّة: ما ضَحِّيْت به ، وهي الأَضْحاةُ، وجمعها أَضْحىً يذكَّر ويؤَنَّث ، غير أنها في كل الاحوال تدلل على أعادة أستمرار الحياة ، ومن بين الالتزامات التي يلتزم بها الأيزيدي في تقديمة القربان حيث يقدم الأيزيدي على ذبح ثور قربانا لوصول طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية تقرباً الى الله تعالى ، وتعبيراً عن غسل الآثام والذنوب وغفرانا عن الخطايا التي أرتكبها المرء في حياته .

    بالنسبة للايزيدية، فأنهم ايضا يحتفلون عند زيارة السنجق للقرى الايزيدية في الشهر المقدس (نيسان ). لهذا فأن السنة تبدأ عند الايزيدية منذ أول يوم أربعاء من أول أسبوع من شهر نيسان حيث يكون اليوم المذكور بداية للسنة الايزيدية ، وعيداً يسمى عيد راس السنة ويدعونه ( سر صالي ) .

    ولمعرفة البدايات الأولى للديانة الأيزيدية ينبغي البحث ملياً وبشكل دقيق لظاهرة الدين والأعتقاد الذي دخل عقل الأنسان في بدايات التكوين ؟ بالأضافة الى أعتبار أخر أكثر أهمية هو أيمان عدد من الأديان بوجود خالق معبود لاشريك له ، غير أن هناك عدة من ألأديان من يعتقد بالرسل والأنبياء وأن هؤلاء تم ارسالهم وتكليفهم وبعثهم من اجل أيصال رسالة توضح شروط الأيمان والمؤمن وتحدد أسس الديانة الجديدة من الحلال والحرام ، غير ان منها ما يؤمن بعدم وجود وسائط بين الأنسان والرب ، وأن هذه العلاقة المباشرة وضعت الأنسان أمام ربه لاسلطان عليه سوى ضوابط النصوص المقدسة والعمل الناتج منه ، ولايتيسر لنا أن نقول أحتمالا عن فترة زمنية محددة يمكن ان تكون نشأة الديانة الأيزيدية خلالها   وبذلك فعلينا أن نتوصل الى المعايير والأسس التي تم اعتمادها كمعايير في عراقة وأصالة هذه الديانة .

    وليس صحيحاً أن التضحية والقربان حصراً على ديانة معينة ، فقد لازم الأنسان القديم قبل أن يتبصر ويلتزم بديانات معينة . والقربان يمكن ان تشكل فكرتها بديلاً عن الشرور والآثام التي أرتكبها الأنسان في حياته ، كما انها تدل دلالة واضحة على عبودية الأنسان للأله أو الرب ، وتوسله قبول دعاءه وتحقيق أمنياته ورغباته . فالنفس البشرية ضعيفة ازاء القدرة الغامضة والخارقة ، بالأضافة الى الرمزية في القربان ، فالأله لايأكل الضحية ولايستفاد من جسمها ، وقد قدم الأنسان قرابينه في الديانات القديمة كجزء من الطقوس الدينية ، وتبعاً لواقع حياته الأجتماعية سواء كان القربان زرعاً أو منتجاً زراعياً أو حيواناً .

       ورد في القرآن الكريم – سورة الحج  الآية 37 (( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا لله على ماهداكم وبشر المحسنين )) 

     جاء في بداية  الإصحاح الأول: (( ودعا الرب موسى وكلَّمه من خيمة الاجتماع قائلا: كلم بني إسرائيل، وقل لهم: إذا قرّب إنسان منكم قربانا للرب من البهائم فمن البقر والغنم تقربون قرابينكم. إن كان قربانه محرقة من البقر فذكرا صحيحا يقربه إلى باب خيمة الاجتماع، يقدمه للرضا عنه أمام الرب، ويضع يده على رأس المحرقة فيرضى عليه للتكفير عنه، ويذبح العجل أمام الرب ويقرب بنو هارون الدم ويرشون الدم مستديرًا على المذبح الذي لدى باب خيمة الاجتماع، ويسلخ المحرقة ويقطعها إلى قطعها ويجعل بنو هارون الكاهن نارا على المذبح، ويرتبون حطبا على النار، ويرتب بنو هارون الكهنة القطع مع الرأس والشحم فوق الحطب الذي على النار التي على المذبح، وأما أحشاؤه وأكراعه فيغسلها بماء ويوقد الكاهن الجميع على المذبح رائحة سرور للرب .... )).

     وفي كتاب اللاويين ( 17-11 ) ، يذكر كيف أنّ الله هو الذي أعطى الذبيحة للإنسان (( لأن نفس الجسد هي في الدم فأنا أعطيكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم )) .

    كان الدم في التكفير أو "الفدية" أيضا يعني دفع الثمن اللازم المترتّب عن دين ترتب عن خطيئة أمام الله . ولأنّ أجرة الخطيّئة موت روح (روميا 6 :23) لا يمكن لخاطئ أن يأتي إلى محضر الله الكامل القداسة إلاّ بعد إن يدفع الثمن وتحمل العقوبة وهذا بالضبط ما يفعله الدم حسبما هو مذكور في لاويين (17 :11). بالإضافة لذلك وبما أنّ نفس الجسد هي في الدم ، هذا يعني تطبيق العدالة الإلهية بمعناها القانوني حسبما هو مذكور في تثنية 19 :21) عين بعين.سن بسن. يد بيد رجل برجل ) . بمعنى آخـر بما أنّ "التكـفير" يعني دفـع الثمن" فإن التكـفير عـن النفس  بالدم يعني موت نفس ، فتقديم الذبيحة أو القربان كان يعني انتهاء حياة . وتدفّق الدم كان الرمز أو الإثبات من أن حياة فد أخذت بدلا عن المذنب ثمنا لخطاياه.

    وجاء في ألابستاه الكتاب المقدس لدى الزرادشتية : (( قدموا للنار ( آتر )  الخشب الصلب والشراب وطيوب اللبان .

    ضحوا للنار ( فازشتا ) التي تقتل الشر اغذية مطبوخة واشربة كثيرة غزيرة

    ضحوا للقديس اسراؤوشا ليقدر على ضرب الشر .  )) ( كتاب الفنديداد – ترجمة الدكتور داود الجلبي – مطبعة ئاراس الصفحة 174  ) .

    وكما كان القدماء  تقدم نفساً بشرية تضحية للأله ، كما يذوب البوذي بجميع رغباته الدنيوية في المطلق الذي هو ( جو تاما ) .

    وعمدت الأيزيدية الى أعتماد  القربان تعبيراً رمزياً عن الخضوع للألهة أو للملائكة الذين يقومون بخدمتها ، غير أن الأيزيدية تستبعد التضحية بالنفس أو أيلامها قربانا للأله أو الملاك ، ومن العديد من الأضاحي والقرابين يبرز الثور مثلما أعتمدته كل الدول القديمة رمزاً للعطاء والقوة والسخاء  ، غير أن الأيزيدية لايقدمون القربان مثلما يقدمه السومريين أو البابليين لعرضه على الأرباب أو تلطيخ الأرض وجدران المعبد بالدماء  ، أنما يقومون بذبحه وطبخ لحمه وتقديمها نذوراً للفقراء والجياع ، أو أكراماً لمن يتجمع للتبرك بمشاهدة رمز طاووس ملك عند زيارته للقرى والمدن التي يدور فيها  ، كما أنهم يقدمون قرابين عن روح امواتهم بعد دفنه ، أذ يقومون بتقديم الطعام عند قبره ليعودوا في الصباح لأخذ الصحون ، ونعتقد أن الفقراء والمعوزين يقوم بأكل الطعام الذي قدمته عائلة المتوفى قربانا لروح عزيزهم .

    ويذكر السيد القمني في كتابه الأسطورة والتراث – القاهرة ط2 93 ص 77 :              (( اتخذ اغلب الباحثين من مسالة القربان احد موقفين :

    الأول – يرى أن القربان في بداية أمره أقتصر على ثمار النبات ، ثم رأى الإنسان زيادة في تملق الإلهة ، أن يذبح لها ماشيته ، بحسب إن اللحم أعلى من النبات رتبة ، ولما لم يكن متيسراً له أن يحمل قربانه ليذبحه عند عروش الالهة ، فقد عمد إلى ذبحه ثم حرقه لتتصاعد مادته دخاناً تشمه الإلهة فتهدأ نفوسها ، وزيادة في المغالاة وإثباتا لخلوص ضميره لآلهته تحول نحو الدماء البشرية ، فأسال بعض دمائه – بجروح مقصودة – على مذابح الالهة ، تقربا وفداءاً لنفسه ولأولاده وممتلكاته ، ثم تحول الامر إلى مايشبه النذور فكان يذبح واحد من ابنائه لآلهته أن هي استجابت لرجائه في أمر يرجوه ، او دفعاً لشر محتمل الحدوث .

    وال