القسم
السادس
الشمس
بقيت الشمس رمزاً وعلامة تعتمدها الأمم والأديان القديمة في
عباداتها وتقديسها للدلالة على سرها العميق ، وعلى قصور العقل
البشري وحيرته للتوصل إلى أسرارها وتفصيلاتها وبالأضافة إلى
علاقتها بالنجوم وبالمد والجزر والليل والنهار وبالحياة الإنسانية
بشكل عام ، بالنظر ما لأهمية بزوغها وما تبعثه من دفء وضوء ،
بالإضافة إلى كونها معيناً لبث الطمأنينة والحيوية والحركة
والعمل وانكشاف المظلم من الأمكنة عند شروقها بخلاف ما يحل على
الإنسان من الظلام في الليل أو عند غيابها وما يصاحب ذلك من خمود
الجسد البشري وهدوء صخب الطبيعة وتوقف العمل والحركة وترقب المجهول
، ولهذا فقد كانت رسومها المنقوشة على الكهوف والصخور والمكتوبة
بالخط المسماري و الباقية على جدران المعابد وعلى ألواح الفخار
المعثور عليها دليلاً على تلك الأهمية والاهتمام وعلى القوة
الغامضة وغير المكتشفة للشمس والتي وصل الاعتقاد بها أن تعتبرها
بعض الديانات والحضارات القديمة من الآلهة القوية التي ينبغي
عبادتها ، ومن الرموز المقدسة التي يخشاها الإنسان القديم ويضع لها
كل الاعتبارات القدسية والمبجلة ، فأنليل حتى يكون عظيما فأنه
يعد أيضاً ألها للشمس ، وقد تطورت الفكرة لتتعدد الإلهة تبعاً
للأعجاز الطبيعي وتتنوع عند المجتمعات القديمة ، فقد صار القمر
آلها والنجوم إلهة والأنهار أيضا آلهة وهكذا ، الا ان هذه الإلهة
المتعددة جميعها تخضع الى الإله الكبير ، أذ يتوزع الاعتقاد بتلك
الإلهة تبعاً لتنوع الظواهر الطبيعية وحجمها وقوتها المؤثرة في
الحياة البشرية ، غير أن الشمس تعد من بين أهم وأقوى تلك الإلهة
لما لها من تأثير مادي وتماس مباشر على حياة الإنسان والطبيعة
،فبعل عند الهوريين هو اله الشمس ،
وعند
الفراعنة كان الإله ( رع ) هو اله الشمس التي تزامن مع عبادة ايزيس
ملكة السماء والبحار ومعه الاله آمون ، وفي العام
1375 ق.م
دعى
إخناتون
الى التوحيد ونقل العاصمة من طيبة
الى تل العمارنة
ومنع عبادة
الشمس.
ومن بعد كل هذا تطورت العبادة لدى المصريين القدماء بعد ان كانت
عبادة الشمس في هليوبولس من خلال حجر مخروطي الشكل يرمز
لأشعة الشمس .
ولايغب
عن البال حيرة الأنسان في حال كسوف الشمس وغيابها ووضع المعالجات
المعبرة عن مدة تعلقه بالخرافة والأسطورة للتعبير عن عجزه وضعفه
ازاء تلك الظاهرة الطبيعية الخارقة .
جاء
في كتاب هاري ساكز ( حضارة وادي الرافدين القديمة ) ترجمة الدكتور
عامر سليمان ان المعبد الموجود في شمال نينوى يدعى ( معبد ايزيدا
كلا ) اي بمعنى معبد الخالق العام غير المخلوق او الاله غير
المولود ، ويقول الكاتب حسو اومريكو ان المعبد المذكور كان في
منطقة لالش وقد هدمه حمورابي في العام ( 1760 ) قبل الميلاد في
الحقبة البابلية الاولى ( مجلة روز العدد 7-8 / 2000– ص 20 ) .
وآثار
هذه المعابد لم تزل موجودة ، وكان الكاتب شمو قاسم الدناني قد
نشر في العدد 12 لسنة 2000 الصفحة 46 من فصلية لالش موضوعا عن
الديانة البابلية في عهد بختنصر تعرض فيه الى معبد ايزيدا يقول فيه
:
يتم في هذا المعبد مراسيم عيــــد راس السنة ( الأكيتو ) والتي
تسمى بالسومرية ( زكموك ) ، وهذه الطقوس تسمى بأحتفالات بيت اكيتو
الديني ، وكان الكاهن ( بيرخوسا ) هو الكاهن الأكبر للمعبد مستندا
في بحثه على ما اورده الباحث طه باقر في كتابه العراق القديم طبعة
بغداد ص 223 ، ويقول ان آثار المعبد لم تزل باقية على الجهة
الغربية من نهر الفرات مقابل بابل ، وخصص له اعلى تل في المنطقة ،
وبناه بأرضية مربعة وبنى فوقها مدرجات وثم بنى غرفة في قمتها جعلها
معبداً للألهة نابو ، وفي الطابق الأرضي تقام الطقوس الدينية من
قبل الكاهن ، وإضافة الى هذا المعبد فقد بنى بختنصر الكثير من
المعابد وقام بتجميلها مثل معبد أيزيد كلا ومعبد الاله شمش ومعبد
الاله سن ، ( ليونارد وولي – وادي الرافدين مهد الحضارة – ترجمة
يعقوب بكر ص 64 ) .
ويقول
الباحث جورج حبيب ان اله مدينة بورسيبا الواقعة على الفرات كان
يقوم فيها معبده الذي يسمى ( ايزيدا ) ، بينما كانت مدينة بابل تقع
على الضفة المقابلة التي كان يعبد فيها الاله مردوخ وكان له فيها
معبد يسمى ايساكيلا .
واصبحت
عبادة نابو منتشرة في بلاد اشور التي تشمل منطقة الشيخان والزابين
والجزيرة ، فاقيمت تماثيله في مزارات بنيت لهذا الغرض في نهاية
القرن التاسع قبل الميلاد ، وبلغت هذه العبادة على مايبدو اوجها ،
فنجد ان لنابو هيكلا في كالح النمرود وهي لا تبعد عن لالش باكثر من
70 كيلومتر . ( جورج حبيب – اليزيدية بقايا دين قديم – مطبعة
المعارف بغداد 78 ) .
وأذا
كانت الحضارات القديمة تعتمد الظواهر الطبيعية رموزاً لعباداتهم
وخضوعهم لما فيها من أعجاز وأسرار ، مما يعزى إلى انه لم يكن
باستطاعة الإنسان في حينها أن يفككها أو يتوصل الى بعض علومها ،
كما أن بقاء تلك الظواهر مقدسة ومهيبة لدى الأيزيدية يدلل على
أستمرار الظاهرة القديمة التي كانت تنتشر بين الأديان والحضارات
القديمة ، فلم يزل حتى اللحظة تقديساً ومهابة لكل من الشمس والقمر
في الديانة الأيزيدية ، وأن دل استمرار التقديس على شيء فأنما يدل
على الامتداد التاريخي القديم والتواصل في الاعتقاد داخل هذه
العقيدة .
ومما
لاشك فيه أن وجود المعابد السومرية على شكل بناء عالي ( الزقورات )
يشير الى الأرتقاء بأماكن العبادة نحو السمو والاعالي ، وهذه
المعابد اشارة الى إمكانية التواصل بين المطالب البشرية والأرادة
الخارقة للألهة ، ومما يمكن الالتفات اليه شكل المعابد والقباب
التي تزينها لدى الأيزيدية ، والتي ترتقي قبابها نحو السماء ،
حيث لم تكن لها أشكال مشابهة في مزارات وأماكن عبادة الأديان التي
تعاقبت ، فشكل القباب مخروطي يبدأ من نقطة الألتقاء وينخرط بشكل
متوزع ومتساوي على قاعدة البناء ليشكل خطوط متوازية تتوزع عليها
أشعة الشمس عند شروقها مخالفة بذلك الطراز المعماري للجوامع
والقباب وأماكن العبادة في جميع الديانات ، ويسمي الباحث الدكتور
بير ممو عثمان طاؤوس ملك كبير الملائكة لدى الأيزيدية بأله الشمس ،
ويقول (( ان عبادة الشمس لم تنتقل من الأيزيدية عن طريق العبادات
البابلية وأنما عن طريق العبادات المثرائية ، وذلك لأن الأخمينين
بعد ان احتلوا بلاد بابل أخذت الديانات المثرائية تؤثر في الديانات
البابلية .
وفي
تأريخ الأديان تبين بأن الشعوب التي كانت تعبد الشمس كانت ترمز لها
بأنواع متباينة من الطيور ، فعند المصريين القدماء كان الباز رمزاً
للشمس ، وعند الأغريق الوز ، وعند الهنود طير النسر ما يرمز
للشمس ، اما عند الأيزيديين فكان ولازال طير الطاؤوس رمزاً لاله
الشمس ، وانقلبت تسميته بمرور الزمن وبتأثير الأديان الأخرى الى
الملك طاؤوس ، اما في الديانة القديمة فيرمز طير الطاؤوس الى اله
الشمس ، وهناك اشارة تاريخية الى أن الطاؤوس لم يكن موجوداً في
وادي الرافدين بل جاء على هيئة ضريبة من الهند . )) ( مقالة
للدكتور بير ممو عثمان بعنوان الديانة الايزيدية بين عبادة الشمس
والتصوف فصلية لالش العدد 21 لسنة 2004 ) .
وليس
مصادفة ان يكون من أول الملوك الآشوريين المعروفيــن من يدعى (
شمشي أداد الأول ) ( 1813- 1781 قبل الميلاد ) ، فتسمية ( شمش )
يبدو انها كانت متداولة ولها معناها ودلالتها ، ولعل أسم زوجته (
شمو ) التي ذكرها المؤرخ اليوناني هيرود توس بانها ( الملكة سمير
أميس ) التي كانت تجسد الجمال والعقل مايدلل على علاقة بالتسميات
المستمرة بين اجيال الأيزيدية وأسمي الملك والملكة المذكورين .
وقدسية الشمس في الأديان الأخيرة التي حلت على البشرية من خلال
كونها جزء من القدرة الالهية الخارقة ، ولهذا خضع الأنسان لها
محتاراً في قدرتها وأستمراريتها ، وفي كتاب ( كنزا ربا ) المندائي
المقدس ، يرد ذكر الشمس في التسبيح الثاني ضمن الوصايا ( منه
كان الملائكة والأثريون * بضيائه ونوره يرفلون * أسنى من الشمس
والقمر *) ، وقد ورد ذكر الشمس في القرآن الكريم 32 مرة ، وفي
العقيدة الزرادشتية فأن الشمس التي في السماءتمثل روح الاله أهورا
مزدا ، وهو القوة التي لاتقاوم ولايستطيع الشر أن يقترب منها ،
ورمزية الشمس للدلالة على المكانة المقدسة لها في هذه الديانة ،
وفي محاججة بين النبي أبراهيم أبو الأنبياء وبين أحد الناس يشير
القرآن الكريم الى عجز الأنسان أن يأتي بالشمس من المغرب حيث يأتي
بها الله من المشرق باعتبار أن شروق الشمس من المشرق أعجازاً
ربانياً لايمكن تغييره أو تبديله الا بأمر الله ، وفي سورة أخرى
يقرر الأنسان أن الشمس البازغة هي الرب الذي يعبد ، لكنه يعدل عن
ذلك حين تأفل الشمس وتغيب ، والله الخالق الصمد هو الذي خلق الكون
وسخر الشمس والقمر كآيات معجزات من آياته المتعددة التي يعجز
الأنسان أن يأتي بمثلها .
ويضع الزرادشتي اعتباراً عظيما وتقديساً للشمس التي يعتبرها أحد
أكبر تجليات الله ( أهور أمزدا ) ولايراد بها عبادتها لأن العبادة
شيء والقدسية شيء آخر .
غير
أن النقوش والرسوم الموجودة على جدران البيوت القديمة والقصور
والمعابد والتي تصور الشمس تدل بما لايقبل الجدل على قدم هذه
الحضارات والأديان ، فالديانات الحديثة لم ترسم او تنقش الشمس في
مدوناتها وكتبها المقدسة ، وإنما أشارت لها ضمن نصوصها باعتبارها
آية من آيات الله .
يقول الدكتور جواد علي في الصفحة ( 740 ) من كتابه المفصل
في تأريخ العرب قبل الأسلام : (( من الممكن التعرف على بعض هذه
الأسماء التي اريد بها الشمس، ف "ذت حمم"، بمعنى "ذات حمم"، و "ذات
تهيم". وقد وردت لفظة "جمتم" و"يحموم " في القرآن الكريم. والحميم
الحار الشديد الحرارة، المتقد من شده الحر الساخن الشديد السخونة،
وقد ذكر علماء التفسير أن "اليحموم"، دخان حميم، ودخان شديد السواد
يخرج من نار جهنم، فمعنى "ذت حمم"، إذن، الإلهة ذات الحرارة
الشديدة المتقدة المهلكة، التي تلفح وتحرق. والشمس، نفسها حارة،
ملتهبة متقدة. لذلك يكون الناس قد أخذوا صفتها هذه منها فأطلقوها
عليها، وصاروا ينعتونها بها، ويخيفون الناس منها، بانتقامها منهم
إن خالفوا أمرها وعملوا عملاً يثير غضبها عليهم.
ويقابل هذه الإلهة ذات الحميم، الإله "ال حمون" "حمون" و
"بعل حمون لما عند الساميين الشماليين، فهذا الإلهَ الذكر عند
الساميين الشماليين، بسبب ان لفظة "الشمس"، نفسها مذكرة عندهم، هو
ذو حميم وحما، أي ذو سخونة وحماوة وشدة حرارة، وقد نعت عندهم
بالنعت الذيَ نهىّ به عند العرب الجنوبيين. فهو إله ذو حرارة
مفزعة، وحمم لا يوصف. وقد استمد هذا الوصف من الطبيعة بالطبع.
فالشمس مبعث الحرارة على الارض، يدرك الإنسان حرارته في كل مكان.
فهي اذن "ذت حمم" حقاً. ))
لقد
تم اكتشاف معبداً قديما من المعابد المثرائية داخل المنطقة المقدسة
في معبد لالش داخل كهف في جبل سفين ، وهناك في هذا المعبد صورة
منقوشة للشمس بالقرب من صورة غراب ، كما ان هناك صورة ثالثة لـ (
ميثرا ) ولكنها للأسف تعرضت للتشويه جراء العبث بها من قبل مهربي
الآثار كما يذكر الأثاري يوسف عبد الرقيب .
وفي
لالش وعلى الحائط ذاته صورة لقرص الشمس كبقية الأماكن الأخرى في
لالش والتي بدأت الطبيعة في مسحها وإتلافها وتآكلها .
وضمن
نصوص كتاب الجلوة التي وردت في كتاب الديوه جي ( اليزيدية ) ، ان
الشمس تم تفويضها الى الملاك ( اسرافيل ) بالإضافة إلى القمر
والنجوم ومن انعكاس نوره انتشر الشعاع في جميع أرجاء الأرض ، ومنعت
الفقرة الأولى من الفصل الخامس الحلف كذبا بالشمس والقمر وان
لايحلف الايزيدي بأي نور ، ( سعيد الديوه جي ص 242- 243 اليزيدية
1973 ) .
ويذكر
الباحث الدكتور خليل جندي في كتابه ( نحو معرفة حقيقة الديانة
الايزيدية ) بالصفحة 129 : (( الدور الكبير للشمس كمادة كونية
تعطي النور ، الحرارة ، الخير والطمأنينة للأنسان ، لذا نرى أن
الأيزيديون قد كرسوا – ومازالوا – أربعة من أدعيتهم للشمس ( دعاء
الفجر ، الصبح ، الظهيرة ، المساء ) ، يقفون بكل تبجيل في حضرة هذه
المادة الخارقة ويتحركون كزهرة عباد الشمس مع حركة الشمس من الشرق
الى الغرب عند أداؤهم لهذه الأدعية ) .
وللأيزيدية
اعتقاد بآلالهة الأعوان ( بمعنى أن للاله الكبير خودا بعض الملائكة
الذين تتوزع عليهم شؤون الدنيا ) ، أي بمعنى أن الديانة
الايزيدية تعتقد بوجود اله واحد يدعى ( خدا ) وهو ( الله ، يزدان
أو أيزيد ) ، وهو الموجود قبل كل الخلائق وليس له نهاية ، (
كنت ولم يكن احد ، ولم يكن لي شريك ) ، ولهذا يعتبر الايزيدية
أنفسهم أول من عرف حقيقة الوحدانية في الخليقة وانهم اول الموحدين
مع استمرار اعتقادهم بإلالهة الاعوان الذين يسيطرون على الظواهر
الطبيعية بامر الله ، فيقولون أن لهذا الاله الكبير ملائكة تحت
امره يقومون بأدارة الكون وفق أوامره ومشيئته ، وتربط الديانة
الايزيدية الشمس بالخير والرزق وبالنور والضياء وبالشيخ شمس
أيضاً ، والذي يعد من أهم الألهة الأعوان ، ويليه الاله ( سن )
والذي هو اله القمر ، وفي كل ذلك تطابق مع المثرائية التي تقدس
الكواكب السيارة والتي تكون الشمس فيها من اول الظواهر المقدسة
وأهمها .
وتكريساً
لأعتقاد الأيزيدية بهذه المقدسات فقد حرصوا على تسمية اولادهم
بالاسماء المقدسة ، خديدا – شمسو – بيروز – بيرو – كولان – بهار –
يزدين –وغيرها من الاسماء مع دخول الاسماء الحديثة المتناسبة مع
تطور الزمان في اعتماد التسميات .
أن
تعدد الالهة الأعوان ظهر بشكل واضح أيضاً لدى الآشوريين ، ( فقد
عددت النقوش الخاصة بالملوك الآشوريين عدداً من الالهة ، مثلا آشور
السيد العظيم والد الالهة ، وأنوما أنليل ، وأيا – أوسن ، وشمش ،
وآرات ، ومردوخ ، ونابو ، ونيرجال ، وعشتار ، والسبعة هم الالهة
العظماء والذين يقفون إلى جانب الملك ) . ( عظمة آشور – هنري سافس
– ترجمة خالد اسعد وأحمد غسان – الدار السورية الجديدة دمشق 2002 ص
293 ) .
وبالنسبة
لألهة الآشوريين فأنها تمثل جميعها الاله الواحد المحيط بها ، وهو
ما كانت ولم تزل تعتقده الأيزيدية .
ومن
الطريف ان يتساءل العديد من الأخوان عن السر في تسمية الأيزيدية
بأسماء عربية أحياناً وفي أحيان أخرى بأسماء أموية ، والتساؤل
لايخلو من قصد بناء أستنتاج تبعية الأيزيدية الى قومية غير
قوميتهم ، بأعتبار أن من يحرص على تسمية اولاده بأسماء عربية أو
اموية فأنه اعتزازاً وربما انتسابا يسمي تلك الأسماء ، ومن المفيد
أن نذكر ان الأديان والحضارات القديمة كانت تسمي الأبناء بأسمين
أحدهما خفي لايمكن أن يتعامل به الا دينيا حصرا ، والثاني الأسم
الحقيقي المتداول بين الناس غير أن اغلب الأسماء من يستمدها الناس
من الطبيعة .
غير أن الديانات والحضارات التي حلت في الفترة الأخيرة أعتمدت على
أسم واحد للشخص فكانت العرب مثلاً تسمي ابنائها باسماء الحيوانات
والنباتات والجماد مثل أسد وفهد ونسر وحنظلة وصخر وهذه الأسماء
والتسميات من قبيل التفاؤل ، كما يلاحظ أن العرب كانوا يتعمدون
تسمية ابنائهم بمكروه الأسماء ككلب وحنظلة ومرة وضرار وحرب
وبالمقابل تسمية عبيدهم بمحبوب الأسماء كفلاح ونجاح وسعيد وغيرها .
ويعلل
القلقشندي في كتابه ( صبح الأعشى في صناعة الأنشا ) ، بما روي من
أنه قيل لأبي الدقيش الكلابي : لم تسمون ابناءكم بشر الأسماء نحو
كلب وذئب وعبيدكم بأحسن الأسماء نحو مرزوق ورباح ؟ فقال أنما نسمي
ابنائنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا .
في
الديانة المندائية يبقى الأنسان له اسم ديني غير أسمه الحقيقي ،
الطرافة ان المتابع ينتقي أسماء عربية في المدن المتداخلة بين قرى
الأيزيدية وبين القرى العربية ، كما انه ينسى الأسماء الكردية
العديدة والتي تطغي على بقية الأسماء ، بالأضافة الى الأسماء التي
لها دلالة عميقة وواضحة في الديانة الأيزيدية ، او التي ترتبط
بالديانات القديمة ، مثل خيرو وخديدة وكتو وكانو وسمو وشمو ، او
التي تستمد من الطبيعة ولايمكن ان تكون اسماء الأيزيدية في القرى
المتداخلة مع القرى العربية مقياساً لأفتراض وجهة نظرة لاسند لها
من الواقع ، وهذه الأسماء ليس لها وجود في القرى والمدن البعيدة
عن الأختلاط مع العرب .
فالأسماء
كما اسلفنا يتم تسميتها طبقاً للطبيعة والظروف وتشابهاً مع حيوانات
ورموز وقوى خفية ، غير اننا لاننفي دور رد الفعل الذي الجأ
الأيزيدية الى تسمية بعض اسماء الأمويين في مناطق وظروف معينة ،
وهذا الأمر لايعني بأي حال من الأحوال أرتباط الأيزيديين بالأمويين
.
ولايمكن
ان يقبل المتابع بفرضية الأسماء ليؤسس عليها الأنتساب القومي
للأيزيدية ، فمعيار الأسماء في تحديد القومية معياراً سطحيا وبعيد
عن العلمية والمنطق ، فقومية الأيزيديين الكردية ثابتة وواضحة ،
وكثيرا ما تتداخل الأسماء وتتشابه بين القوميات ، وخصوصاً عندما
تتداخل وتتعايش في منطقة واحدة مثل مناطق الشيخان وبعشيقة وبحزاني
وسنجار حيث تتعايش قوميات واديان عديدة ، ولكنها تنحسر في مناطق
نائية كمنطقة كرسي مثلاً .
ويرتبط
الأيزيدي بالمكان المقدس ارتباطاً وثيقاً وازلياً ، وهذا مما ولد
مشكلة لدى السلطات التي تعاقبت على حكم العراق ، والتي عمدت الى
سلوك سياسة أبعاد الناس عن مناطق سكناهم وتغييرها ، وقد دأبت على
هذا السلوك والمنهج مع شعب كوردستان ، لكنها واجهت مشكلة عصية في
أرتباط الأيزيدية بالمكان المقدس ، فالمندائي يمكن أن ينتقل من
منطقته بشرط توفر الماء الجاري والطاهر لممارسة طقوسه في المنطقة
التي ينتقل اليها ويمارس فيها طقوسه الدينية ، والمسيحي يمكن ان
ينتقل الى أي مكان لأن تعاليم السيد المسيح ونصوص الأناجيل يمكن
تطبيقها في أي زمان ومكان ، وكذلك اليهودي ، كما يمكن ان ينتقل
المسلم الى أي مكان لأنه يقصد بيت الله الحرام في موسم معين ولأن
قبلته تواجه البيت الحرام في مكة ، الا ان الايزيدية تترابط مع
المكان المقدس ومع ظهور السنجق وطقوس الزيارات المتكررة الى لالش
والتعميد في الماء المقدس من عين كاني سبي ولايمكن ان يكون هناك
بديلاً عنها ، وهذه تشكل ايضاً مشكلة بخصوص الأيزيدية المهاجرين
قسراً أو طوعاً خارج كردستان بعيداً عن المكان المقدس .
ويقول الاثاري السيد عبد الرقيب يوسف : لقد ذهب العديد من الكتاب
والمؤرخين والبعض من المستشرقين وعلماء الاثار الى لالش بقصد
الحصول على المعلومات عن كثب ، ولكنهم لم ينتبهوا الى المعبد
القديم وكذلك الى تلك الأشكال والرموز التي لها علاقة بالديانة
المثرائية المنقوشة على صخور جبل عرفات في خارج معبد الشيخ آدي ،
منها رسوم الطاؤوس والحفر الدينية ورسوم القبة السماوية بنجومها (
فصلية لالش العدد 21 لسنة 2004 ص 93 ) .
ومن
اللافت للنظر ان يذكر الباحث المذكور ان كل من المؤرخ عبد الرزاق
الحسني والكاتب والآثاري سعيد الديوه جي ومعهم ( ويكرام ) قد
زاروا المعبد ( لالش ) ودخلوا الغرفة المنقورة في الجبل والتي تضم
أصل المعبد ولكنهم لم يتعرضوا الى قدمها وأهميتها ، ولم يعرضوا
استنتاجاتهم في علاقة المعبد القديم بالمثرائية والاستنتاج الذي
يؤكد قدم الديانة الأيزيدية وفق ما لمسوه وشاهدوه في تلك الغرف
المحفورة في جسد الجبل ، لأن الغرفة المذكورة لايمكن ان تكون مجرد
مخزن لزيت الزيتون ، حيث ان مثل هذه الغرف لايمكن ان يتم النقش على
جدرانها أو يتم رسم اشكال مهمة في الديانة الأيزيدية مالم تكن جزء
من المعبد القديم حيث يمكن القبول كما استنتج الباحث الاثاري عبد
الرقيب يوسف من الأيزيديون كانوا في الأصل مثرائيون ، على الأقل
كقرينة لأثبات قدم الديانة الأيزيدية .
أن
نظرة عامة على المكان المقدس لدى الأيزيدية في لالش يمكن ان يلقي
الكثير من الضوء على حقائق منطقية ، فالمكان يعج بالمغارات المظلمة
التي لم يصلها الضوء منذ أستعمالها وارتيادها ، كما أن المكان
لايماثل أمكنة المساجد والمعابد الإسلامية ، كما لايتشابه مطلقا مع
الكنائس والصوامع والأديرة المسيحية ، ولا يتشابه في شكله مع
الزقورات والمعابد البابلية والسومرية ولامع المعابد الفرعونية ،
ويتفرد في البناء مما يدلل على الاختلاف الملموس في شكل العمارة
والغاية التي أنشأ بها المكان ليكون مقدساً لدى الأيزيدية ، وليس
أكثر دلالة من استمرار وجود رجل دين كبير السن يشرف ليس فقط على
المكان المقدس وأنما يكون الراعي والمسؤول الديني الأول شرعياً لدى
الأيزيدية ( البابا شيخ ) وهو من أسرة الشيخ فخر الدين مشهود له
بالزهد والتمسك بأحكام الدين ، والذي يتقلده رجال الدين الكبار
ممن كرسوا حياتهم لخدمة الدين والأشراف على المرقد المقدس ويرتدي
دوما الثياب البيضاء .
لم
تختلف عبادة العبريون عن عبادة الأيزيدية ، فهم كانوا يبجلون كبير
الملائكة مع وجود الاله ( يهوه ) ، كما تشير الألواح المعثور عليها
في ( رأس شمرا ) العديد من المقاربات التي تشترك بها كلا
الديانتين ، وتقارب مثل هذا يمكن ان يلوح لنا بتزامن تاريخي قديم
بين تلك الديانات ، كما ان مصلحين ومجددين مثل عاموس وهوشع أشارا
الى العبريين للعودة الى أصولهم والتمسك بالمبادئ التي أنزلت عليهم
عند خروجهم من مصر ، وتلك التعاليم ترجع الى زمن النبي إبراهيم
وأولاده الذين كانوا يسكنون في مدينة أور ثم هجروها ، وهو ما صار
مع مجدد الديانة الأيزيدية الشيخ عدي بن مسافر الذي هاجر من منطقته
في لبنان ليستقر في المكان المقدس للأيزيدية في لالش ، غير أنهما
افترقا بوجود نبي لليهود وعدم وجود نبي لدى الأيزيدية ، وقد عاد
قلة من العبريون الى القدس من منفاهم البابلي لإعادة بناء الهيكل
في المكان المقدس ، كما يشتركون في ان الكون متكامل وكما ان الشر
غير مطلق وان الوجود ابدي .
وفي
كل الأحوال فان الديانات جميعها تجسد المقدس من خلال الهيمنة
والقدرة الكبيرة للإله على كل الوجود ، وتختلف في طرق التقرب الى
الله وفي فلسفة معرفة وسائل التقرب إلى الله ووسائل الحياة والآخرة
والتحول ، تبعا لتفكيرها في حالات الكشف الروحي من خلال الاستقامة
وطاعة أوامر الله وتجنب عصيانه والأيمان بالعودة والتقمص من عدمه ،
وتتقارب في كل الأمور الأساسية غير أنها تختلف في الفرعيات .