القسم الثامن
النص المقدس
لعل ظاهرة النصوص المقدسة وما تحتويه من دلائل تشير الى
تلك الخصائص التي اختصت بها الديانات بشكل عام و الديانة الايزيدية
بشكل خاص ، تعبر عن المكنونات الأساسية لتلك الديانات ، فالنص
المقدس دائماً يعبر عن القيمة والقدرة الحقيقية للتواصل بين الله
وبين البشر التي يجسدها أي دين ، فلكلِّ ديانة رؤيتان ، رؤية
مطلقة سماوية ، ورؤية بشرية ، والنصوص المقدسة تعبر عن تلك الرؤى
، كما أن النص المقدس يعكس الأثر الروحي الذي يتركه في روح
الإنسان ، والغاية التي يريد تحقيقها في سلوك الإنسان، من خلال
الإيحاءات الرمزية والفكرية والتأملية التي يحتويها ، وأن لكل
ديانة خصوصيتها في الاعتقاد وطريقة العبادة ، وإذا كانت الديانة
تعني العبودية لله من خلال المشاعر الإنسانية والعقل والوجدان
والإرادة فأن الأيزيدية ديانة تؤمن بهذه العبودية المطلقة ،
ولذلك يتعين علينا ليس فقط فهم النص وتحليله بالرغم من بساطته
ووضوح معانيه لأن الغاية أن يصار أيصاله الى جميع من يتوجه النص
اليهم ، و يتعين أن ندرك التوازن التاريخي بين الزمن المفترض إن
يكون وقيمة النص ، سواء كان قديماً أو حديثاً ، فالمهم هو الزمن
الذي تم فيه وضع النصوص ، أو التي نعتقد أنها أنزلت على
الإنسان للالتزام بها كفرض من فروض ذلك الدين وفقاً لتلك النصوص
المقدسة ، بغية وضع تصور للزمن الذي تعيشه الذهنية المتلقية ،
واستخلاص الوضوح الفلسفي من تلك النصوص أيضاً ، وتدقيق توافقها مع
المنطق والمقبول ضمن المتحولات الزمنية التي يحكمها النص المقدس
لدى الأيزيدية الذي يحكم حالات منها على سبيل المثال :
- الاعتقاد
بالوحدانية في الخلق وأن الله واحد ليس له ولد .
- أن العلاقة بين
الإله الكبير و الإلهة الأعوان ( الملائكة ) من جهة وبين
الإنسان مباشرة دون وسيط .
- أن لاعلاقة
تناقضيه في قضايا الطبيعة والمنطق والحياة .
- أن هناك قدسية
أزلية تكمن في المكان المقدس ( لالش النوراني )
- أن هذه العلاقة
يحكمها مبدأ الثواب والعقاب الذي يجسده الحلول والتناسخ .
- وأن هذه النصوص
لاتبيح للأغيار أن يصبحوا من الأيزيديين .
- وأن هذه النصوص
بعيدة عن الغموض والإبهام .
- وأن المجتمع
الأيزيدي يتشكل من طبقات تلزمها ضوابط لايمكن مخالفتها وعليها
موجبات والتزامات عليها أن تؤديها .
ولذا يتوجب من خلال تلك الحالات أن ندرس بدقة الزمن الذي
جاءت به تلك النصوص والتي أسست لتلك الحالات ، لأهمية هذه الدراسة
والمعرفة في التوصل الى حقائق دينية وتاريخية مهمة ، كما سيسهل
علينا أيضاً معرفة مدى التأثير على النفس البشرية من خلال الإلزام
الطوعي بالدين والاعتقاد العقلي بصحة تلك الافتراضات ، على أن نرفع
من أذهاننا عملية الحكم المسبقة ، والافتراضات الملتبسة قبل أن
نتمعن في مسألة النصوص والضوابط لأن التجرد من الإحكام المسبقة
يوفر لنا أرضية للتقليب والتنقيب في مكامن النصوص ومعانيها العميقة
وتأثيرها على الإنسان .
وعليه فأن استعمال المنطق والتأويل و ملاحظة منهجهما في تلك
الافتراضات سيكون معينا ومساعداً للتوصل إلى حقائق عديدة عن النصوص
المقدسة في هذه الديانة ، وعلى هذا الأساس
عرض ابن خلدون في
مقدمته مراحل تطور علم التفسير ، ولعل من أهمها مرحلة التفسير
بالأثر، لمعرفة المقاصد بالألفاظ واللغة والتحقيق والتمحيص لمعرفة
الأثر التاريخي للنص وتفسيره وفقاً لذلك .
مامن شك أن للديانة الأيزيدية كتب مقدسـة ، والمعروف عن
الأيزيدية أن لديهم كتابان مقدسان هما ( الجلوة ومصحف رش ) ،
والأخير يعني بالعربية المصحف الأسود ، وتعددت القصص حول مصير هذين
الكتابين ، رغم أن الثابت من المرويات التأريخية ، أنه كانت في
لالش بمرقد الشيخ عدي بن مسافر مكتبة تضم مخطوطات وكتب قديمة ، وقد
تعرضت للتلف والتمزيق والحرق والضياع نتيجة الظروف القاسية التي
مرت على الأيزيدية ، من جراء الحملات العسكرية الموجهة ضــدهم ،
وحملات الإبادة والغزو والاستباحة والقــتل والتدمير التي تعرضوا
لها ، وتعرضت معها مقدساتهم أيضاً ، مما أدى إلى فقدانها ومن
الجائز أن تكون هذه الكتب جزء من المجموعة الدينية المقدسة لكتب
الأيزيدية ، ومن الممكن أيضاً أن تتعرض هذه الكتب التي وصلتنا الى
إضافات وتحريف عن الكتب الأصلية التي اختفت ، مادام لم يحصل عليها
الإجماع الديني من المراجع ورجالات الدين الأيزيدية أنفسهم ومن
المهتمين بالشأن الأيزيدي
أيضاً .
وفي
مقالة للكاتـب ب.ش. دلكوفان نشرت في مجلة لالــش بالعدد ( 17 )
يؤكد فيها إطلاعه على كتاب الجلوة عام 1999 بواسطة شخص أيزيدي لم
يذكر أسمه ولامكان أقامته وهو كتاب مخطوط بقي في حيازة الكاتب مدة
نصف ساعة تمكن من نقل محتويات صفحة واحدة تحتوي على نصائح ومواعظ
تحث على أعمال الخير و الدعوة الى أعمال البر وتقويم الأخلاق ،
ومادام الأمر بهذه الصورة فما تبرير إخفاء هذه الوثيقة المقدسة
العامة عن الناس من قبل حائزها أذا كان أيزيديا أولا ؟ وما مبرر
إخفاء أسم حائزها وخشيته من كشف مكان أقامته ثانيا ؟ ومن الممكن إن
يكون السيد دلكوفان قد أطلع على وثيقة قديمة ولكن سند إن تكون من
بين نصوص كتاب الجلوة المقدس ضعيفا والله أعلم .
كما
يذكر واقعة أخرى أيدها عدد من الباحثين والكتاب تدلل على مشاهدة
السيد ملا خليل مشختي في عام 1927 في صحن معبد لالـش قرابة عشرين
كتاب كان البابا جاويش بير جروت قد نشرها أمام حرارة الشمس لتجف من
أثر الرطوبة .
ومن
حق المرء أن يتساءل أين انتهت حقاً هـذه الكتب ؟ وأين انتهت
المخطوطات والرسائل المدونة من قـبل شيوخ وعلماء الأيزيدية ؟ وأين
اختفت مدوناتهم والكتب المكتوبة بلغتهم القديمة ؟
على إن تلك النصوص المذكورة في كتابي ( مصحف رش ) و ( الجلوة ) لم
تعد موجودة في هذا الزمن لظروف متعددة سبق إن تناولها العديد من
الكتاب بالتفصيل ، وأن جميع ما ذكر من نصوص عن هذين الكتابين
لاتعدو الا محاولات للتوصل الى جزء من حقيقة تلك النصوص ، حيث أن
مسألة النصوص الدينية لا تتعلق بكتابي الجلوة ومصحف رش فقط ،
وهما بالتأكيد جزء يسير من الأدب الديني الأيزيدي ولكنهما أيضاً
لايمثلان جميع النصوص المقدسة لدى الأيزيديـة .
يقول الباحث الدكتور خليل جندي بهذا الخصوص :
(( هنالك العشرات
من تلك النصوص الدينية والتي كانت محفوظة في صدور رجال الدين ومن
ضمنهم القوالين، تم جمعها ونشر العشرات منها ، وكان كتابي المشترك
مع بير خدر سليمان عام 1979 والذي صدر في بغداد فاتحة نشر جزء من
تلك النصوص، وتلتها نشر كتب أخرى تتضمن العديد من النصوص من قبل
بدل فقير حجي ، ود. جليلي جليل ، ود. اورديخان جليل في كتابهم
( زاركوتنا كوردا أي الأدب الشفاهي للأكراد 1971 ايريفان) وعزالدين
سليم وبير خدر سليمان ، وقام البروفيسور فيليب كراينبروك عام 1995
بترجمة النصوص المنشورة في كتابنا الأول عام 1979 الى اللغة
الانكليزية ونشره في كتاب خاص . وأخيراً قمت بنشر وتحليل أكثر من
157 نص ديني في كتابي الموسوم ( به رن ز ئه ده بى دينى ئيزديان=
صفحات من الأدب الديني الايزيدي) مجلدين وب1122 ألف ومائة اثنان
وعشرون صفحة، صدرا عام 2004 / من دار سبيريز-دهوك
قمت
بتقسيم النصوص الدينية حسب مضمونها بالشكل التالي:
الفصل
الثاني: النصوص المتعلقة بفلسفة الايزيديين حول التكوين والخلق-
الفصل
الثالث :النصوص التي تتحدث عن دور ومكانة إبراهيم الخليل-
الفصل الرابع والخامس
والسادس الى الثامن تتعلق بالنصوص التي تمدح الأرباب الأولياء
مثل الشيخ آدي ، الشيخ حسن، الشيخ شمس، الشيخ فخر الدين، الشيخ شرف
الدين وغيرهم
الفصل
التاسع:النصوص المتعلقة بالنصائح والإرشادات ومسائل سيكولوجية
الفصل
العاشر: النصوص المتعلقة بفلسفة الحياة والموت-
الفصل
الحادي عشر: الأبيات والقصائد
الفصل
الثاني عشر: الأحاديث والنصائح
قصص
وأساطير ذات صبغة دينية
الفصل
الرابع عشر:الأدعية
الفصل
الخامس عشر: نصوص تحمل صبغة دينية وتسمى ب ( خزيموك، بايزوك،
وروبارين)) ( من رسالة الباحث الدكتور خليل جندي للكاتب )
رغم إننا لم نطلع على المضمون الحقيقي لتلك الكتب ، كما ورد ذكر
الأسباب في سياق التنقيب والنبش عن التأريخ القديم للأيزيدية ،
وهذه المسألة تعيق عملية الكشف والتحليل وتعرقل المنطق والتأويل ،
إلا إننا سنفترض بقاء تلك النصوص قيد التداول بين رجال الدين
الأيزيديين ، مع أن افتراض بقاء تلك النصوص متناقلة بين رجال
الدين من القوالين الذين يحفظونها في صدورهم ، لايعني بأي شكل من
الأشكال أنها سليمة ولم تتخللها الإضافات والنسيان والسهو الذي
يصيب البشر ، غير إننا ولغرض أن نجعل مقاربة بين وضع وشكل تلك
النصوص والزمن الذي وجدت فيه كما ذكر آنفاً يمكن ان نجعل لنا
أرضية للمناقشة والتحليل والتدقيق ، وإبداء وجهات النظر والتي
تتقبل كل الاحتمالات حتى يمكن إن نقف عليها ، حيث أن نصوصاً دينية
وجدت من يقوم بجمعها وتصنيفها تتعلق بالفلسفة والحياة وقضايا
الزواج والطلاق والمواريث والموت والحياة والنصائح والإرشادات التي
يتم التعامل بها في حياة الأيزيدية بالوقت الحاضر ، بالإضافة الى
الأدعية التي تم توثيقها والتأكد من صحتها والاعتماد عليها
وتداولها ضمن سياقات الحياة في المجتمع الأيزيدي .
من
مقالة بعنوان( الملائكة في الديانة الأيزيدية ) للكاتب بير خدر
سليمان
ترجمة: عرب خدر
شنكالى ، منشورة في موقع لالش .
http://www.lalishduhok.org/
ورد
ضمنها مقاطع دينية مقدسة تدلل ليس فقط على الأيمان بالله
وبوحدانيته ، وأنما يمكن تكوين صورة للقاريء عن هذه النصوص بما
يفيد البحث والتقصي .
ربي هو
الغفار
من عنده يصدر
الأمر
للدنيا وجهاتها
الأربع
***
ربي خلق الدنيا
ووضع لها الأمر
والنهي والطريق
اسعد الإنسان فيها
***
ربي نور (سر) في
السماء
صاحب الليل
والنهار والزمان
من عنده يأتي
الكرم
***
ربي هو رب
الملائكة
رب الملائكة
العظام السبعة
السبع ملائكة
الخالدين
المُهيبين
***
ربي خلق الدنيا من
درة جوهرة
وسلمها بأيدي
الملائكة السبعة
الخالدين
وجعل تاووس ملك
كبيرهم
في الميثولوجيا
الإيزدية، يقال بان
الله قد خلق من نوره سبع
ملائكة، في كل يوم خلق ملاك واحد. مثلما توقد شمعة من شمعة
أخرى. والشمعة
الأولى قد أشعلت من القنديل وبقية الشموع تم إشعالها الواحدة من
الأخرى. أما أيام
الأسبوع السبعة فهي أيضا جاءت كوضع الملائكة السبعة، كل يوم هو
خاص بملاك أي
الملاك الذي خلق في ذلك اليوم. ولكن أي ملاك خُلق في أي يوم؟؟ ذلك
لم
يكن واضحاً.
والبعض قال نقلا
عن الكتابين المقدسين (مصحف رش والجلوة) وذلك في
القرن العشرين
وللمرة الأولى من قبل بعض المستشرقين ونقل عنهم بعض الكتاب مثل
الدملوجي والحسني
وعباس العزاوي وهوشنك بروكا وذلك تعبيراً عن نظرهم وما يرونه
هم.
ولكن في الطقوس
والشعائر الدينية الإيزدية لم يكن ذلك مبيناً بشكل واضح، حيث
إن يوم الأربعاء
هو يوم طاووس ملك، ويوم الأحد هو لملك شيخ سن ويوم الثلاثاء هو
لشيخ شمس.
أما بالنسبة إلى
خلق الملائكة، فقد جاء في نصوص القول المقدس وخاصة
) قول شيخو بكر)
ولكن لم تذكر أسمائهم بل ورد ذكر الملائكة السبعة على
التوالي:
ربي
كان في
البدء الأمير العظيم
صاحب جيش كبير
كان خبيراً
بملائكة الله
***
ربي نور
(سر) في السماء
قبل وجود
اللوح
والقلم
يا الله
وكأن ذلك الزمن وتلك الساعة هي عندك
***
قبل وجود
اللوح والقلم
نريد
خليلاً يفسر لنا هذه الحقيقة
وأين وكيف
هي
كان ملاكاً
واحداً وصار ملاكين
***
خضوعاً
لأمر
الله (الملك الأبدي
الأزلي)
نسال عن
جواب لهذا السؤال
كانوا
ملاكين فأصبحوا
ثلاث ملائكة
***
ربي هو
الله الجبار
من عنده
جاء الأمر
كانوا ثلاث
ملائكة
فصاروا أربعة
***
ربي هو
الله العظيم
الملائكة
الأربعة
أمسوا خمس ملائكة
والخمسة
شفاعة وكل منهم مختلف عن الآخر
***
قلبي سعيد
بهذه الحقيقة
الملائكة
الخمسة أصبحوا ستة
والستة
أصبحوا
ملائكة العرش
***
ربي تكلم
بأبلغ الكلام
اجتمعوا
على
محبة الله
الملائكة
كانوا ستة وأصبحوا سبعة
***
السبع
ملائكة
حينما خلقوا
بالصدق
كانوا يتدبرون أمورهم
وبالمحبة
كانت تسير أمورهم
هؤلاء هم
الملائكة الواقفون
إنهم خلقوا
من نور
الله
طعامهم هو
الحمد والشكر لله
***
أسماء
الملائكة:
يأتي ذكر أسماء
الملائكة في دعاء المساء، الدعاء الذي ينبغي على كل
إيزدي أن يؤديه
قبيل غروب الشمس يومياً:
يا الله
نسألك بحق
عزرائيل، جبرائيل،
ميكائيل
دردائيل،
شمقائيل، عزازيل، اسرافيل
هؤلاء
الملائكة السبعة
العظام
وهم قبل
ادم بعدة أزمنة
في أيديهم
مفاتيح الحل والعقد
واقفون
بحضرة
الملك الجليل (الله(
*** ***
صورة
وهيئة الله والملائكة:
بعد
ما خلق الله سبعة
ملائكة من نور ذاته وضع حجابا بينه وبين الملائكة. وفي اعتقاد
الإيزدية إن
الملائكة لم يتمكنوا من رؤية الله. ولكنهم قد رأوا قوته وجلاله
وعظمته
وهم يؤمنون بقدرة الله.
لذلك وقف طاووس ملك رئيس الملائكة بهذا الشكل يعبد الله
ويمجده وقال طاووس
ملك
الدعاء التالي:
يا ربي علا شأنك، وعلا
مكانك وعلا سلطانك
يا ربي أنت
الكريم وأنت
الرحيم
يا ربي
دوماً أنت الخالق
ودوماً لك
يليق الحمد والثناء
***
يا ربي أنت
الملك، ملك
الدنيا
يا ربي أنت
الملك، الملك الكريم
أنت ملك
العرش العظيم
يا ربي
منذ الأزل
دوما أنت القديم.
***
يا ربي
أنت الأمل وأمل الأرواح.
يا ربي
دوما أنت الخالق
وأنت
الباقي دوما (دائم البقاء)
ودائما
يليق لك
الحمد والثناء.
***
يا ربي أنت
ملك الإنس والجان
يا ربي أنت
ملك العرش والكرسي
يا ربي
أنت ملك
الأرض والبحار
يا ربي أنت
ملك العالم والمقدسات.
***
يا ربي أنت
الصمد الحي الخالد
أنت الصمد
الحي المجيد
احد الفرض
الحميد
***
يا ربي أنت
رب الصبر
يا ربي أنت
رب الخلود والبقاء
يا ربي أنت
رب المكان والزمان
يا ربي أنت
رب العطاء.
يا ربي لك
يليق
الحمد والثناء
***
يا ربي في
السموات أنت العالي
كم اسمك
عظيم وكم أنت عظيم
لم تولد
ولم تلد
ولم توّلد
نداءك
وأمرك هو المقدس
لك يليق
الحمد
والثناء.
***
يا ربي أنت
أكرمت الحوت
وأنت أعطيت
له الرزق والقوت
أنت حليم
الملكوت
يا ربي أنت
عالم العلماء
يا ربي أنت
الحكيم وأنت رب
الحكمة
***
ربي ليس لك
ند ولا قوي مثلك
يا ربي
أنت
ملك الدار والحجاب
يا ربي
مكانك في كل مكان.
***
يا ربي ليس
لك لون ولا شكل
وليس لك
نغمة أو صوت
وليس
لك هيئة
جسد أو أطراف
يا ربي لا
أحد يعرف كيف أنت.
***
يا ربي أنت
ولي فرض الصلاة والعبادة.
العالم
بالأرواح
ومعطي
الأموال والأملاك
يا ربي أنت
حاكم الملوك والسلاطين
والقضاة.
***
يا ربي أنت
وضعت التوبة على ادم
يا ربي أنت
حاكم
الشفاعة
يا ربي أنت
الكرم وأنت الأمين
يا ربي أنت
الصمد ونحن لا شيء
***
يا ربي أنا
المريض الضعيف (العليل(
أنت الدواء
وأنت
العلاج
أنت الشفاء
وأنت الحكيم
***
يا
ربي أنت
الحكيم ونحن غرباء
يا ربي أنت
تعرف مرضنا وشفاءنا كيف يكون
يا ربي
أنت أنيس
الغرباء
ولم نعرف
ذنوبا وخطايانا
وأعلنا
التوبة والاستغفار
يا
ربي اغفر
لنا وسامحنا.
***
يا ربي
الدائم
البقاء للأبد أنت
ودوما لك
يليق الحمد والثناء.
يا ربي أنت
الخالق
ونحن مخلوقين
أنت أمنية
الروح ونحن طالبيها.
***
واستنادا
إلى هذا القول
المقدس نقول:
إذا
كان رئيس الملائكة يقف خاشعا أمام الله ويقول:
يا ربي ليس
لك لون وليس لك شكل
يا ربي ليس
لك نغمة
أو صوت
يا ربي لا
احد يعرف كيف أنت
يا ربي ليس
لك ند أو قوى مثلك
رب
الدار ورب
الحجاب
يا ربي
مكانك في كل مكان.
( أنتهى
الأقتباس )
وللفائدة نشير الى أن الباحث الدكتور خليل جندي كان قد نشر في
كتابه ( نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية ) الصادر عام 1998 عن
دار رابوون في السويد الصفحة 127-172 ، نصوص الأدعية التي
يتداولها الايزيدي كوسيلة من وسائل التقرب الى الاله والتعبير عن
الايمان بالقدرة الكلية .
طرح
عدد ممن كتب عن الأيزيدية من ان النصوص المقدسة حديثة لاتمثل القدم
الذي يزعم الأيزيدية انها منه ، فقد ذكر الدملوجي في كتابه (
اليزيدية – الموصل 1949ص116 ) من انه يصعب معرفة واضع الكتب
المقدسة للأيزيدية ، أما نوري بك والي الموصل فقد ذكر ان واضع كتاب
الجلوة راهب نسطوري كان قد هرب من دير القوش ، بينما يؤكد أحمد
تيمور بأن كاتب الجلوة هو الشيخ حسن ، و ذكر سعيد الديوه جي في
كتابه ( اليزيدية – الموصل 1973 ص 143 ) ان الجلوة ومصحف رش من وضع
راهب نصراني ، أما الدكتور سامي سعيد الاحمد والذي أعتمد في تسجيل
حقائق كتابه ( اليزيدية – بغداد 1971 ) على ما أخبره صديق له
أيزيدي أسس جميع معلوماته عن الايزيدية منه !! ويذكر في الصفحة (
173 ) من ان كتاب الجلوة يدعى ( روز ) ، وهو من زمن الملاك
سالم الذي عاصر إبراهيم الخليل !! ونقله زرادشت وبقي متداولاً في
زمن الشيخ عدي ، وهو مالم يذكره احد من الباحثين من قبله ولامن
بعده ، ولاأيده المهتمين بالديانة الأيزيدية ، بينما يذكر عباس
العزاوي في كتابه ( تاريخ اليزيديـــة بغداد 1935 ص 183 ) ، أن
الكتب المقدسة لدى الأيزيدية من عمل هذه الأيام !!! ونحا نحوهم
العديد من الكتاب الذين أسسوا معلوماتهم على ماذكر قبلهم في الكتب
دون تدقيق او تمحيص يستوجبه على الأقل التحليل التاريخي ،
فالتسليم بصحة تحليل حدث ما لايمكن ان يكون صحيحاً في رؤية أخرى
بعيدا عن التدقيق والتمحيص ، ولكل مؤرخ طريقته في التحليل وسعة
أفقه وتجرده وابتعاده عن الانحياز حتى يمكن ان يكون التحليل
مقبولاً ومسلما به ، حيث لايعقل ان لاتكون هناك أية قيمة تشريعية
لتلك النصوص ، كما من غير المقبول ان لايتم تحليلها ونسبتها ومعرفة
حقيقتها ، وأن ماوصل من هذه النصوص لم يتم تأييدها أو اعتمادها من
قبل الأيزيدية أنفسهم ، بالإضافة الى وجود نصوص متداولة ويتم
أعتمادها ضمن الحياة والطقوس الأيزيدية كما ذكرنا سابقاً ، وقد
تحدث الأثاري هنري لايارد في مذكراته كونه لم يستطع الإطلاع على
كتاب الجلوة ومصحف رش المقدسين لدى الأيزيدية ، الا أنه كان يسمع
منهم ما يدل على تتبـع نصوصهما وتقديسها .
ومن الغريب ان الجميع يتفق أن الأيزيدية ديانة قائمة يؤمن بها أكثر
من نصف مليون إنسان في العراق ، وليس من المقبول أن تكون تلك
الديانة دون نصوص بالأساس وليس لها كتب دينية وشرائع ، والدلالات
الرمزية للأدعية والأقوال والقصائد الدينية مستمدة من تلك النصوص
المقدسة ، ودون ان يكتشف هذا البعض السر الكامن وراء تمسك هؤلاء
البشر بعقيدتهم وديانتهم بالرغم من كل المصائب والمحن والفجائع
التي تخللت حياتهم وتأريخهم ، ودون ان يتعرف البعض على النصوص
والأدعية والتي تم جمعها وتوثيقها .
فأذا كان المجتمع الأيزيدي أمياً فمن أين جاءت الكلمات التي تؤكد
وحدانية الله وقدرته ، وأذا كان غيرهم قد وضع هذه الكلمات ، فهي
تجري في مجرى تأكيد عبادة الله الواحد الأحد ، وهي تصب في النهاية
بمصب العقيدة الأيزيدية التي تؤكد الوحدانية وقدرة الله على الخلق
والكون .
وكيف
صادف تطابق الأساطير والملاحم التي وردت في الكتب المقدسة لجميع
الاديان مع كتب الأيزيدية ؟ كما أن أسلوب كتابة الجلوة المقدس
يشابه الى حد ما أسلوب كتابة العهد القديم ولا يشابه غيره من الكتب
الحديثة العهد ، والمتمعن جلياً في النصوص سيجد البعض منها يتطابق
مع باقي النصوص والأوامر والنواهي التي جاءت بها الأديان للتأثير
في حياة الناس .
وتتطابق
الديانة المانوية مع الأيزيدية في الطبقات الدينية الترتيبية ، حيث
تكون هذه الطبقات ثابتة ولايجوز التزاوج الا بين أبناء الطبقة
الواحدة في كلا الديانتين .
و ليس من المصادفة ان تكون مجموعة القواعد والوصايا والشرائع
الدينية والأدبية والمدنية والشروح والتفاسير والتعاليم والروايات
في الديانة اليهودية تتناقلها الألسن، فتصل شفاهاً وسماعاً إلى
الناس، وقبلت إلى جانب الشرائع المدوّنة في أسفار موسى الخمسة.
وخوفاً من النسيان والضياع، وحفظاً للأقوال والنصوص ولكثرة
الشروحات والاجتهادات، فقد دوّنها الحاخامات وشكّلت ما يسمى
بالتلمود ، ليتحمل رجل الدين اليهودي مهمة حفظ النصوص المقدسة
شفاهاً خوفاً من النسيان والضياع ، مثلما يقوم بهذه المهمة
القوال في الديانة الأيزيدية ، وهذا التطابق في مهمة رجل الدين
وتحمله مسؤولية الحفاظ على النصوص يؤشر الى عامل زمني مهم .
فقد ورد في التوراة ( اورميا 6:16 ) ( هكذا قال الرب . قفوا على
الطرق وانظروا عن السبل القديمة .أين هو الطريق الصالح وسيروا فيه
فتجدون راحة لأنفسكم . ) ، ويعتقد الأيزيدية أن الأشارة الواردة في
النص التوراتي تشير الى ديانتهم التي سبقت اليهودية بزمن سحيق ،
وتتشابه كتبهم المقدسة مع مجموعة قوانين اليهود السياسية والحقوقية
والمدنية والدينية التي تتضّمن القواعد والأحكام بشكل لايقبل
النقاش ، (( فالمشنا )) أشبه ما تكون بالكتاب القانوني أو مصّنف
الأحكام الشرعية والفقهية التي تدعى (( هالاغا )) ، أي المذهب أو
المسلك أو الطريق الذي يذكّر بالأحكام والفرائض والتشريعات الواردة
في أسفار (( الخروج واللاويين والتثنية والاشتراع )) ، ويبقى
الحلال والحرام والطهارة والنجاسة وغيرها ، ممّا ورد ذكره في
التوراة وفسّره الفقهاء اليهود ووضعوا له حدوداً وقيوداً تلائم
حاجة العصر الذي كانوا يعيشون فيه ، ونلاحظ أن للأيزيدية أيضاً
كتابين مقدسين يبحثان في نفس المسالك التي بحثتها الكتب العبرية .
ان النصوص الدينية الايزيدية ليست فيها تشريعات مثل كيفية الزواج
والارث والطلاق والموقف من الاديان الأخرى..الخ ، بل هنالك قانون
أخلاقي شفهي متعارف بين الايزيدية يتعاملون على أساس نصوصه ،
بالأضافة الى وجود محرمات وضوابط لايمكن خرقها أو تجاوزها ، ولم
يزل الشارع الأيزيدي حريص عليها .
أن القوالين ليسوا وحدهم من يحفظ ذلك التراث، وانما الى جانبهم
يقوم بهذه المهمة رجال دين آخرين مكلفين شرعاً بحفظ ذلك التراث
ويسمون ب( علماء الدين) ومنهم الفقراء الذين يلبسون الخرقة والبابا
شيخ والبابا كافان وسدنة مراقد الأولياء والمزارات المقدسة.
وليس لنا الا ان نقول أن ديانة مثل الأيزيدية منغلقة على أبنائها
تحملت ماتحملت من عبء السنين والمجازر والحروب من جهات متعددة ،
كانت تقصد القضاء عليها وقلعها كلياً ، وكانت تملك جميع وسائل
القوة ، غير أنها بقيت متجددة كل هذا الزمن ، لأمر يدعو للتامل
والعجب !! وأن يبقى المجتمع الأيزيدي متمسك بقيم ديانته وبالنصوص
التي يتلوها عليه رجال الدين أو الأدعية والنصوص المقدسة التي
استطاعت مجموعة من الباحثين والمهتمين بجمع التراث الديني الأيزيدي
وأن يتم تطبيقها والآلتزام بنصوصها هو الأخر أمراً يدعو للاهتمام ،
الا يكفي هذا الأمر لإعادة التقييم والنظرة الى مثل تلك المجتمعات
التي لم تتلق سوى الموت والخراب والدمار والقتل بسبب اختلافها في
طريقة الأيمان في منطقتنا ، الا يدعو الأمر الى المزيد من البحث
والتنقيب للتوصل الى الحقائق بديلاً عن لغة الموت والذبح والأقصاء
؟
أن الإله في كل الديانات معبراً عن القوة الخارقة وسط ذلك المجتمع
، ولهذا فأن المجتمعات الأولى اتخذت من الظواهر الطبيعية إلهة
ورموزاً لها ، وقضية التآلف بين الروح والجسد مسألة روحية وانسجام
فلسفي ولايمكن ان يدركه الأيزيدي الذي حرمته الظروف والحياة من
التعليم والثقافة والاطلاع على الديانات الأخرى أو التحاور معها ،
ولايمكن لمن سكن تلك الكهوف والمغارات ان يدرك سر الانسجام بين
الروح والجسد ، حيث يؤمن دون أدراك ومعرفة أن تلك الروح أزلية
ولايمكن ان تنتهي ، كما لايمكن ان تتوقف الحياة في حال افتراقها عن
الجسد ، وتلك مسألة غاية في التعقيد والدقة ، أذ يجنح الأيزيدي ليس
فقط للتمسك بالنص الذي يؤمن أن الحياة بيد الله فهو الذي يأمر
بنهايتها ، مثلما يستطيع ان يأمر بتوقف حياة أي إنسان لشتى
الأسباب والعلل ، غير انه يدرك ايضاً أن روح ذلك الإنسان تحل في
حياة أخرى وجسد كائن أخر ، وان الله موجود ليس فقط في السماء وإنما
في كل مكان ، ولذا فأن نصاً مقدساً يقول ( أنا الذي ألفت بين
الروح والجسد ، وأن فرق بينهما الموت بيدي هذه الحياة ، فأنا حاضر
في كل مكان ) يفوق قدرة الأيزيدي البسيط على تحليل التآلف بين
الروح والجسد ، ويشير الى قدرة عالية وفلسفية لفهم ذلك الأمر .
ونصاً أخر يذكر ( إني إنا الله العظيم ، أله واحد في
السماء والأرض لاأحتاج إلى أحد وكلكم تحتاجون إلي ) . لايمكن إن
يكون موضوعاً بالصورة المبسطة التي يطلقها بعض ، مالم تكن تلك
النصوص تدل دلالة عميقة على فهم معاني الروح والقدرة والجسد والموت
.
ولم تختلف أي ديانة في قصة الخليقة ، وكيف خلق الله
الإنسان من الطين وبث فيه من روحه ، غير أن النص الموجود في الجلوة
يتوسع ليذكر ان الله خلق العناصر الأربعة للحياة وهي الماء
والتراب والنار والهواء ومنها تشكلت الحياة ، وكما تذكر الديانات
القديمة من أن بدء الخليقة كانت المياه ، فالأسطورة البابلية كما
تذكر الكتابات تقول: (( في الأزمان الأولى لم يكن سوى المياه
والضباب )) ، كما تذكر الأساطير السومرية في أسطورة الخلق والتكوين
( أنه في البدء كانت المياه الأولى ) ، وتقول الزرادشتية في
كتابها المقدس – الفنديداد ( أول الأمكنة التي خلقتها انا هرمزد
كان ( آران ) التي يسقيه نهر ( آراس ) ، وفي كتاب الكنز العظيم
للمندائيين في التسبيح الأول ( من يورا العظيم المنتشرة أضواءه صار
يردناذ والماء الحي الذي منه بدأت الحياة ) وفي التسبيح الأول (
بأسم الحي العظيم هو الله ملك أكوان النور العزيز الغني الغفور
المياه التي تسيل والجبال التي لاتميل ) ، والماء الحي الجاري
( مياهيي ) الصفة الملازمة للطهارة والقدسية في الديانة المندائية
وفي الديانة اليهودية (التكوين-1), (( في البدء خلق الله
السماوات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه القمر ظلمة وروح
الله يرفرف على وجه المياه)) ، ونقرأ ( في القرآن الكريم- سورة
هود) (( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على
الماء )) ، مثلما تذكر الأيزيدية في مصحف رش ( في البداية خلق
الله الدرة البيضاء من سره العزيز وجلس فوق عرشه على سطح الماء ) ،
ويعتقد الأيزيدية أن مركز الأرض هي في لالش التي توليها الأيزيدية
كل القدسية ، وداخل هذا المكان عين ماء مستمرة منذ وقت سحيق .
كما ورد في الأنجيل كما دونه يوحنا : (( في البدء كان
الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة هو الله ، هو كان في
البدء عند الله ، بت تكون كل شيء ، وبغيره لم يتكون أي شيء مما
تكون ، فيه كانت الحياة ، والحياة هذه كانت نور الناس ، والنور
يضيء في الظلام ، والظلام لم يدرك النور . ))
يقول الباحث فراس السواح : (( أهم الخصائص المميِّزة للدين
في المجتمعات البدائية في محاولة لفهم تداخل الطقس الديني عند
البدائيين بأساطيرهم ، من حيث إن الطقس الديني يسبق الحاجة إلى
تفسيره على هيئة أساطير؛ إذ يكتفي البدائيون بالقول: «هكذا علَّمنا
الآباء أن نفعل»، إلى وقت يحتاجون فيه إلى تفسير لكيفية تحوُّل
الأرض إلى مكان صالح للحياة والمسكن. وهذا ما يجعل «أساطير خلق
الكون» شيئًا مشتركًا عند كلِّ تلك الشعوب، على انقطاع ما بينها من
اتصال في أغلب الأحيان، كما بين القبائل البدائية الأفريقية وقبائل
الإسكيمو.
يزيل الباحث جون ب. نوسس الالتباس أيضًا في ثنائية السحر
والدين، من حيث قال جيمس فريزر بأسبقية السحر على الدين، وقال إميل
دوركهايم بإلزامية الطقس الديني واختيارية الطقوس السحرية، بينما
قال مالينوفسكي بأن السحر وسيلة من أجل غاية محددة، بينما لا يتوخى
الدين نتائج فورية عملية، لأنه غاية في حدِّ ذاته؛ بينما يرى
الباحث بأن الساحر البدائي يمكن له في نفس الطقس، أن يسترضي القوى
ويتوسَّل إليها على الطريقة الدينية، ثم يتحوَّل إلى إصدار الأوامر
إلى القوى ذاتها على الطريقة السحرية، من حيث تتنوع أشكال السحر:
فثمة السحر المُحاكي ، أو السحر بالمحاكاة ، بتقليد إنسان أو حيوان
أو حتى صوت غيمة راعدة ، لإحداث تأثير مشابه في الكائن أو الشيء
المقلد. ومن ذاك الصعود إلى هضبة عالية ودحرجة الصخور من قمتها
بقرع الطبول وتقليد صوت الرعد ، جلبًا للأمطار في سنوات القحط.
يستوفي ذاك البحث دائرته الواسعة بتكريس مفاهيم الإنسان
البدائي الدينية، من خلال مفاتيحها الرمزية، كالصلوات والكهانة
والاعتقاد بالـمانا والأرواحية، حيث للأرواح شكل وعقل وشعور وإرادة
وأهداف، مرورًا بتبجيل وعبادة الأرواح، وبإلهة السماء، وبالتابو
(المحرَّمات)، وبطقوس التطهير والقرابين والموقف من الموتى، وليس
انتهاءً بـ«الطوطمية»، حيث تتخذ تلك الشعوب طواطم لها تعبدها، على
هيئة حيوان أو نبات أو جماد، أو كالمطر عند قبائل أواسط أستراليا
)) .
(( ويتابع الباحث فراس السواح من أن الديانات ظاهرة من
ظواهر الثقافة الإنسانية، تخضع الظاهرة الدينية لقوانين التبدل
والتغير، نشوءًا وارتقاءً أم تبدلاً في الأشكال والمضامين. فكل دين
يتكون في سياق تاريخي معيَّن، وفي بيئة ثقافية معيَّنة تطبعه
بطابعها. ولكن هذه الصيغة الأصلية ما تلبث طويلاً حتى تأخذ في
التغير، وذلك تبعًا لإيقاع تطور الجماعة، من جهة، وتبعًا لاحتكاكها
بالجماعات المجاورة لها ومدى تأثرها بها، من جهة ثانية. ونحن
نستطيع متابعة هذه السمة الحركية للدين منذ تعبيراته الأقدم في
العصور الحجرية القديمة، وصولاً إلى أديان العالم الكبرى، البائدة
منها والسائدة. ولا تشذ عن هذه القاعدة تلك الأديان التي تقوم على
مفهوم الوحي والتي وضعتْ لها الأساسَ شخصياتٌ روحيةٌ متميزة قالت
إنها تلقت وحيًا من السماء.
هذه السمة التطورية للأديان تدعونا إلى القول بأنه سواء
قام الدين على وحي أصلي أم على كدح روحي إنساني، فإن الإنسان في
النتيجة هو صانع دينه. والتاريخ الروحي للإنسان ليس تبيانًا عن
مقاصد الإرادة الإلهية في عالم البشر بقدر ما هو تبيان عن سعي
الإنسان الحثيث إلى تلمُّس مقاصد الإرادة الإلهية والانسجام معها.
بتعبير آخر، فإن الدين ليس كشفًا من الخارج بقدر ما هو كشف من
الداخل.
على أن قولنا بالأصل الإنساني للدين ليس دعوة إلى تقويض الدين، بل
إلى فهمه فهمًا أفضل. وهذا الفهم الأفضل هو الذي يُبقي على الدين
قوةً تحريرية كبرى في حياة البشر. الحس الديني عند الإنسان هو
معطى قبْلي، لا يمكن إخضاعه لمختبرات العلم؛ وسيبقى عنصرًا
فاعلاً في حياة الأفراد والمجتمعات، سواء آمنَّا بالوحي النازل من
السماء أم بالروح الإنسانية التي تتوق إلى السماء. )) ( فراس
السواح – الأسطورة والطقس -
http://maaber.50megs.com/eleventh_issue/mythology1.htm
(
أن الدين غالباً مايكون مسايراً للثقافة الشعبية السائدة
،وحين تبدأ تباشير أي ديانة ، فأنها تضع أسس وقاعدة لها من خلال
ثقافة ذلك المجتمع في ذلك الزمان ، ولايمكن ان تتجاوزه او تعبر على
مرحلته ، أي بمعنى أنها تنسجم معه ، ولهذا فأننا نجد أن تلك الشعوب
تقبلت تلك الديانات والدعوات التي حلت بينها بالنظر لانسجامها
العقلي وقبولها عقلياً ، فأذا كنا نتفق على أن العقل هو قبل الدين
في عملية الحلول نستطيع إن نتوصل إلى إن هذا القبول العقلي هو
القاعدة الأساس التي يستند عليها الدين ، لأن القبول والرفض هو
الأعمال العقلي في عملية حلول الدين في النفس البشرية ، ولذا تجد
الناس بين من يعتقد بصحة النصوص المقدسة التي وردت في كتب الأديان
او في تعاليم الأخرى ، وبين من يرفضها ويعتقد انها من لدن البشر
وليس من عند الله .
كيف
يمكن ان نتعرف على النصوص القديمة لدى الأيزيدية ؟ وكيف نتأكد انها
مقدسة ولم تكن من صنع البشر ؟
لقد مرت نصوص كثيرة على الإنسانية منها ماعزي الى ديانة
معينة ومنها الى حركات إصلاحية ، غير ان منها مابقي في ذاكرة
التاريخ ، ومنها ما أهملته الذاكرة الإنسانية بعد ان عافته العقول
الإنسانية وتعارض مع التطور البشري والحياة الإنسانية ، فأندثر مع
اندثار تلك الأديان ، والمتابع يجد ان الأيزيدية التي تمسكت
بنصوصها الشفهية التي تم ايكال الأمر بحفظها للقوالين ولرجال
الدين الذين ورد ذكرهم آنفاً ، بقيت تتمسك بهذه النصوص بقوة بالرغم
من انغلاقها على العالم أولا ، وبالرغم من الحملات العسكرية
والمذابح والمجازر التي تخللت حياتها ثانيا ، وبالرغم من أتلاف تلك
النصوص ثالثاً ، وخلو تلك النصوص من اية قيمة لاتتناسب مع تطور
المجتمع الأيزيدي رابعاً ، والدعوة لمحبة بقية الديانات الإنسانية
رغم مالقيه المجتمع الأيزيدي من جفـــاء وأخطاء مورست من قبل رجال
دين تلك الديانات خامساً . ورغم كل الفتاوى التي استباحت حياتهم
وكرامتهم وأموالهم سادساً ، وبساطتها ووضوح تعاليمها ونصوصها رغم
عدم وجود مفسرين وشراح وفقهاء كما في الديانات الأخرى سابعاً .
إن التاريخ مليء بالحوادث والقصص التي مرت على البشرية، والامر
الذي يجلب الأنتباه انما هو تلك الايام التي تمركزت فيها
المشروعية الالهية.التي أكتشف فيها الأنسان أدراكاً ووعياً أن هناك
آلهاً كبيراً خلق الوجود فعمد وفق ذهنيته وفهمه لهذا بالخضوع له
وعبادته مهما كان شكل ونوع الخضوع والعبادة ، واليوم وبعد قرون
تبقى هذه العبادات التي تسلسلت وفق أعتبارات عديدة كنقاط مضيئة من
حياة البشرية، ذلك انها غرست قيم وافكار وعقائد لتقويم السلوك
البشري ، وثبات الحياة و الاستقرار ، وحددت كل ديانة منهجاً
للحياة الإنسانية وقد وجدت كل ديانة انها أدركت الحقيقة ووصلت
اليها عن طريق شريعتها ، ولهذا بقي العديد من البشر ممن يتمسكون
بأديان وعبادات قديمة لم يتأثروا بما جاء بعد تلك الأديان من شرائع
حديثة ومهمة في التأريخ البشري ، الا أن الحقيقة المؤكدة والثابتة
أن الجميع يتفق على الأسس والخطوط العريضة لهذه الأديان المتجسد في
الأيمان بالله والدعوة للخير والمحبة والسلام ، وهي الطريق الوحيد
للحياة الآمنة التي يتوجب أن يحياها البشر في كل زمان ومكان ، وان
هذا التنوع العقائدي والتعدد في الأديان يطرح مسألة التعايش
الوجوبي بين الجماعات البشرية بعيدا عن التطاحن والقتال ومحاولة
إنهاء الآخر ، وبعيداً عن التكفير والذبح والتسفيه ، واللجوء الى
الحوار والتقارب والتفاهم وانه لا وجود لطريق آخر امام البشر
لتامين سعادتهم في الحياة الدنيا سوى عن هذا الطريق .